
في بلدٍ أنهكته الأزمات السياسية، وأثقلت كاهله الانقسامات والصراعات، يصبح الحوار الوطني المدني أكثر من مجرد وسيلة لتبادل الآراء؛ إنه ضرورة وطنية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وفتح الطريق أمام إصلاح حقيقي طال انتظاره. ومن هنا تكتسب البيانات التي تصدر عن القوى المدنية أهمية خاصة، ليس لأنها تقدم حلولاً سحرية، بل لأنها تحاول إعادة توجيه النقاش العام نحو جوهر الأزمة، بعيداً عن المناكفات السياسية والحسابات الضيقة.
البيان الصادر عن اللجنة التنسيقية للحوار الوطني المدني يأتي في هذا السياق، إذ ينطلق من تشخيص واضح مفاده أن ما يعانيه العراق من أزمات اقتصادية وخدمية ليس سوى انعكاس لأزمة سياسية أعمق، تراكمت عبر سنوات من المحاصصة والفساد وضعف المؤسسات. وهذه القراءة ليست جديدة، لكنها تكتسب قيمتها حين تقترن بدعوة صريحة إلى الحوار والإصلاح، بدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو البحث عن حلول مؤقتة.
إن أهمية هذا البيان لا تكمن فقط في مطالبه، وإنما في المنهج الذي يعتمده. فهو يربط بين سيادة القانون، ومكافحة الفساد، واحترام الحقوق والحريات، وحق المواطنين في المعرفة، بوصفها حلقات مترابطة في مشروع إصلاح الدولة. فملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال العامة ليست مجرد إجراءات قانونية، وإنما رسالة تؤكد أن الدولة قادرة على فرض العدالة من دون تمييز. كما أن الدعوة إلى استكمال التشكيلة الوزارية على أساس الكفاءة والنزاهة، بعيداً عن المحاصصة، تعكس إدراكاً بأن إصلاح الإدارة العامة يبدأ من طريقة اختيار من يتولى المسؤولية.
وفي الوقت ذاته، يسلط البيان الضوء على قضية لا تقل أهمية، وهي احترام الحق الدستوري في الاحتجاج السلمي. فالدول الديمقراطية لا تقاس بغياب الاحتجاجات، وإنما بقدرتها على التعامل معها بوصفها حقاً مشروعاً وأداة لتصحيح المسار، لا تهديداً ينبغي قمعه. والحوار مع المحتجين والاستجابة لمطالبهم المشروعة هو الطريق الأقصر لتعزيز الاستقرار، لأن الاستقرار الحقيقي لا يصنع بالقوة، بل بالثقة والعدالة.
كما يثير البيان مسألة الشفافية في الاتفاقيات الاقتصادية والدولية، وهي قضية ترتبط بحق المجتمع في الاطلاع على القرارات ذات الأثر الاستراتيجي. فكلما ازدادت الشفافية، تعززت الرقابة المجتمعية، وارتفعت مستويات الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهو ما يشكل أحد أسس الحكم الرشيد.
وربما تكون الرسالة الأهم التي يحملها هذا البيان هي أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات متفرقة أو حلول آنية، بل يحتاج إلى رؤية سياسية شاملة تعيد الاعتبار للدولة بوصفها دولة مواطنة وقانون ومؤسسات. فالحوار المدني ليس ترفاً فكرياً ولا نشاطاً نخبوياً، بل هو مساحة لإنتاج التوافق الوطني، وصياغة أولويات مشتركة، وتخفيف حدة الاستقطاب الذي عطّل إمكانات العراق لسنوات طويلة.
إن العراق اليوم أحوج ما يكون إلى ترسيخ ثقافة الحوار المدني، لا بوصفها بديلاً عن المؤسسات، وإنما بوصفها رافداً لها. فالدول القوية لا تبنى بالإقصاء، ولا تستقر بالانقسام، وإنما بتوسيع دائرة المشاركة، واحترام التنوع، وإعلاء المصلحة الوطنية فوق المصالح الفئوية. ومن هنا فإن أي مبادرة تدعو إلى الحوار المسؤول، وتقدم رؤى للإصلاح، تستحق أن تكون جزءاً من النقاش الوطني، لأنها تفتح نافذة أمل في زمن تتكاثر فيه الأزمات وتضيق فيه مساحات الثقة.
إن مستقبل العراق لن يصنعه طرف واحد، ولن تحسمه معادلات القوة وحدها، بل سيبنيه توافق وطني حقيقي يقوم على الحوار، وسيادة القانون، والإصلاح المؤسسي، واحترام إرادة المواطنين. وعندما يصبح الحوار المدني ثقافةً راسخة لا مناسبةً عابرة، يمكن للعراق أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.







