
أعادتني الحادثة الأليمة التي تعرضت اليها امرأة معتقلة في مركز شرطة الديوانية، واغتصابها من قبل ضابط وثلاثة منتسبين، أعادتني إلى بداية الثمانينيات، وتحديدًا إلى سجن "الرشاد" للنساء في بغداد.
اولاً سأسرد هذه الحكاية التي واجهتني في إحدى زيارات الأهل لي في السجن " علماً أن المواجهة او الزيارة كانت محظورة على السجينات السياسيات في "القسم الخاص" في سجن الرشاد، ولا نعرف السبب لأن جميع سجناء أبو غريب تقريبا، ممن حكموا بنفس القضية و "أخي واحد منهم"، مع زوجاتهم او قريباتهم، لديهم مواجهة ولقاءات منتظمة مع الأهل!
نحن النساء كنا نكتفي برؤية أحبتنا من مسافة بعيدة تفصل بيننا وبين باب السجن الرئيسي، نرى أهلنا من خلال فتحة بالباب تبعدنا عن بعض بحدود ثلاثين او خمسين متراً.
لا حديث بيننا، ولا لمس، فقط إشارات وتلويحات أيدينا تائهة في الهواء، موجعة عبر الفراغ واشتياق ليس له حدود.
أتذكر في احد الزيارات تعاركت أمي مع الحراس، مصرّة على رؤيتي واحتضاني، بعد أن قطعت مسافة طويلة من أطراف الحلة إلى أطراف بغداد وأنها لم ترني منذ سنتين، لكن دموعها واستعطافها لم يشفعا لها أمام قسوة الحرس ونظامهم الدموي.
في ذلك اليوم، وبعد تفتيش الأغراض، عثرت إدارة السجن على رسالة بعثتها زوجة أخي للاطمئنان عليّ. على إثرها، تم استدعائي إلى إدارة السجن، وواجهت تهديدات بإعادة التحقيق معي بحجة أن الرسالة تحتوي على "شفرات وألغاز". حرموني من قراءتها، واقتادوني إلى غرفة انفرادية، وكعقاب آخر لي وضعوا معي سجينة شابة من مدينة الكوت ارمز لها ب " خ".
كنا جميعاً كسجينات نعلم أنها تعاني من اضطراب نفسي وخوف قهري، وكانت تردّد باستمرار عبارة "الله يحفظ صدام"، وهو ما كان يستفز مشاعرنا في السجن.
من خلال سكننا بنفس الغرفة بدأت أراقب سلوكها، حديثها، حركاتها، وضحكها الهستيري فجأةً.
كانت تنفر من الاستحمام ولا تستحم إلا ما ندر. اقتربت منها بالتدريج لأعرف قصتها، ودائما ما اتحدث معها بهدوء ولطف، قلت لها يوماً أنتِ جميلة، وشعرچ حلو، وراح يكون أحلى إذا غسلته.
ثم بدأت تنشأ بيننا جسور من الثقة، تتيح لها بالتحدث.
في أحد الأيام، سألتها بنبرة فيها نوع من الحزم: انت ليش تمتدحين صدام، وهو المتسبب في وجودنا هنا، وحرماننا من أهالينا ومن مدرستنا، وضياع مستقبلنا، وممارسة حياتنا الطبيعية؟
نظرت "خ " إليّ فجأة نظرة لا استطيع نسيانها لحد الآن فيها رجاء وخوف من المجهول، ثم انفجرت ببكاء ونشيج مرير، دفنت رأسها بين يديها.
سألتها بأسى وتعاطف، من الذي آذاكِ وأخافكِ إلى هذا الحد، ماذا فعلوا بك؟
بدأت بسرد قصتها المؤلمة، قالت كنت في السابعة عشرة من عمري حين تم الكشف عن انتماء أحد أقربائها لحزب إسلامي وكان على علاقة بيٌ. وبسبب ذلك، طالتني الشبهات واعتقلتني الأجهزة الأمنية في مديرية شرطة الكوت.
أكملت قائلة: كنت صغيرة، خائفة ومرعوبة من تهديداتهم وكلماتهم البذيئة. وفي إحدى الليالي، أصابني صداع شديد فطلبت منهم حبوب "باراسيتمول". وما إن تناولت الحبوب حتى شعرت بدوار حاد وفقدان شبه كامل للوعي. وفي تلك الحالة، تناوب أربعة ضباط على اغتصابي، كنت أراهم أمامي، لكنني كنت عاجزة تماماً عن تحريك يدي أو إبداء أي مقاومة.
تستطرد "خ" بحزن، بعد إخلاء سبيلي بكفالة، أخبرت عائلتي بتلك الجريمة الخسيسة، لكنهم قابلوني بالقسوة والعزل، لأعيش منذ ذلك الحين في رعب دائم وفقدان الأمل وتراودني أسئلة كيف سأواجه الحياة بعد خروجي من السجن لدرجة فقدان عقلي، أحس أنني بدون عائلة ووطن!
ثم تتساءل بحسرة، إن خرجتُ من هذا السجن الآن... إلى أي سجن سأذهب؟ وكيف ستكون حياتي؟".
إن اغتصاب النساء وقهرهن ليس بالحدث الجديد، بل هو سلوك يتكرر في كل زمن وتحت ظل كل الحكومات التي لا تحترم إنسانية البشر، وخاصة النساء، وأسهل طريقة ممكن اتهامهن وجلدهن، ولا يلام المتسبب بالأذى! .
بالنهاية إن قمع النساء وإيذائهن، ليس مجرد هامش مظلم في مدونات تاريخ تلك الدولة، بل هو الامتداد المباشرة لمرض استبدادي أعمق ومستمر، فالمرأة هي الضحية الأولى لأي مجتمع يسقط فيه القانون، وتُسلب فيه كرامتها وانسانيتها، وتبقى درجة حرية المرأة في أي عصر وزمان هي المعيار الدقيق الذي يُقاس به مدى تمدن وتحضٌر ذلك المجتمع، أو انحداره نحو البدائية والتوحش، وهذا ما يحدث الآن في العراق للأسف والتعامل الفج مع قضايا النساء في دوائر الدولة، وتعرضهن لمختلف المضايقات، وسهولة اتهامهن بشرفهن.







