
في الثالث من آب عام 2014، اليوم الذي انطفأت فيه سنجار، لم يسقط التراب وحده تحت أقدام تنظيم داعش الإرهابي، بل سقطت معه كل الأخلاقيات التي ادّعى الإسلاميون المتطرفون أنهم يحملونها. سقطت حين سقطت يوفا من عجلة والدها… وسقط العالم معها.
كانت يوفا، طفلة إيزيدية لم تتجاوز الثالثة، تعيش في قرية تل بنات، فتاة صغيرة لا تعرف من الدنيا سوى رائحة الخبز ودفء حضن أمها. لكن حين اجتاح الدواعش القرية، تحولت الطفولة إلى مطاردة، والبيوت إلى فخاخ، والسماء إلى صرخة واحدة طويلة.
حمل الأب حيدر عائلته الممتدة، واحداً وعشرين روحاً، على ظهر سيارة بيك آب، وانطلق هارباً من الموت الذي كان يركض خلفه بعجلات سوداء تحمل راية الإرهاب "ألله أكبر" ، وفي لحظة لا يمكن للزمن أن يغفرها، سقطت يوفا من العربة.
كان الأب أمام خيارين لا يشبهان الخيارات البشرية، إما أن يعود فيلتهمهم الموت جميعاً، وإما أن يترك طفلته خلفه، ويهرب بالبقية.
اختار الأب أن ينقذ العائلة، وأن يترك جزءاً من كبده على الطريق. اختار أن يعيش الآخرون… وأن تموت روحه معه.
وحين توقفت السيارة بعيداً عن الخطر، نزلت الأم تبحث عن طفلتها بين الوجوه. لم تجدها. سألت زوجها، فانهار صوته قبل أن ينهار جسده، واعترف بما حدث. لم تصرخ الأم، لأن الصراخ كان أكبر من الهواء. ولم يبك الأب، لأن الدموع كانت أصغر من الفقد.
منذ ذلك اليوم، بقيت يوفا سراباً يمشي خلف العائلة، ظلّاً صغيراً لا يكبر، صورة معلّقة على جدار الذاكرة الإيزيدية، وجرحاً لا يندمل مهما مرّت السنوات.
لم يُعثر على يوفا حتى الآن. لم يبقَ منها سوى صور قليلة… وقصة لا يجب أن تُنسى.







