
تبدو مقولة كارل ماركس: "الإكثار من إنتاج الأشياء المفيدة ينتج أشخاصًا غير مفيدين" صادمة عند قراءتها لأول مرة، لأنها توحي بوجود تناقض بين ازدياد المنجزات المادية وتراجع قيمة الإنسان. لكن هذه العبارة لم تكن هجومًا على التقدم أو على الإنتاج بحد ذاته، وإنما كانت نقدًا لطريقة تنظيم المجتمع والاقتصاد، حيث قد يتحول الإنسان من غاية إلى مجرد وسيلة في عملية الإنتاج.
إذا نظرنا إلى عالم اليوم، نجد أن هذه المقولة لا تزال تحمل قدرًا كبيرًا من الحقيقة، وإن كانت تحتاج إلى فهمها في سياقها. فقد شهد القرن الحادي والعشرون طفرة غير مسبوقة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأتمتة. أصبحت الآلات تؤدي أعمالًا كان يحتاج إنجازها إلى آلاف العمال، وأصبحت البرامج قادرة على كتابة النصوص، وتحليل البيانات، وتصميم الصور، وحتى المساعدة في اتخاذ القرارات. ولا شك أن هذه الإنجازات مفيدة للمجتمع، إذ رفعت الإنتاجية وخفضت التكاليف وسهّلت حياة الناس.
لكن الوجه الآخر لهذه الصورة يتمثل في أن بعض الوظائف أصبحت تختفي تدريجيًا، وأن عددًا من العاملين يجدون أنفسهم غير قادرين على منافسة الآلات أو مواكبة التطور التقني. وهنا يشعر الإنسان أحيانًا بأنه أصبح "غير مفيد" اقتصاديًا، ليس لأنه فقد قدراته، بل لأن السوق لم تعد بحاجة إلى المهارات التي يمتلكها. ومن هنا تستعيد مقولة ماركس شيئًا من قوتها، إذ يبدو أن كثرة الإنتاج قد ترافقها زيادة في تهميش بعض الأفراد.
ولا يقتصر الأمر على سوق العمل. فثقافة الاستهلاك الحديثة تدفع الإنسان إلى قياس قيمته بما ينتجه أو يملكه. فإذا فقد وظيفته أو انخفض دخله، قد يشعر بأنه فقد قيمته أيضًا، مع أن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تُختزل في إنتاجيته الاقتصادية. وهكذا يصبح الإنسان نفسه سلعة تخضع لمعايير العرض والطلب، وهو ما كان ماركس يحذر منه في نقده للرأسمالية الصناعية.
مع ذلك، فإن الواقع المعاصر يقدم جانبًا آخر لا تؤيده المقولة بشكل كامل. فالتكنولوجيا نفسها خلقت مجالات جديدة لم تكن موجودة من قبل، مثل تطوير البرمجيات، والأمن السيبراني، وصناعة المحتوى، وتحليل البيانات، والهندسة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما أتاحت فرصًا للتعلم والعمل عن بعد والوصول إلى أسواق عالمية. وهذا يعني أن الإنتاج المتزايد لا يؤدي حتمًا إلى وجود أشخاص "غير مفيدين"، بل قد يفتح أبوابًا جديدة لمن يستطيع التكيف واكتساب مهارات جديدة.
لهذا يمكن القول إن المشكلة ليست في كثرة إنتاج الأشياء المفيدة، وإنما في كيفية توزيع ثمار هذا الإنتاج، وفي قدرة المجتمع على تأهيل أفراده لمواكبة التحولات. فإذا استُثمر التقدم العلمي في تحسين التعليم، وإعادة تدريب العاملين، وتوفير فرص عادلة، فإن التكنولوجيا تصبح وسيلة لرفع قيمة الإنسان لا لتقليلها. أما إذا اقتصر الاهتمام على زيادة الأرباح والإنتاج دون مراعاة الآثار الاجتماعية، فإن عددًا متزايدًا من الناس قد يشعرون بأنهم مهمشون أو غير ذوي قيمة.
إن ما يجعل مقولة ماركس حية حتى اليوم ليس أنها تصف واقعًا ثابتًا، بل لأنها تطرح سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يزال قائمًا: هل يُقاس نجاح المجتمع بحجم ما ينتجه، أم بقدرته على صون كرامة الإنسان وإشراكه في ثمار هذا الإنتاج؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كانت كثرة الأشياء المفيدة ستقود إلى مجتمع أكثر إنسانية، أم إلى مجتمع تزداد فيه الفجوة بين التقدم التقني والقيمة الإنسانية.
وفي النهاية، يمكن القول إن المقولة ليست قانونًا حتميًا، بل تحذير من مسار محتمل. فالتقدم العلمي والتقني ليس عدوًا للإنسان، وإنما يعتمد أثره على الطريقة التي يدير بها المجتمع هذا التقدم. وإذا بقي الإنسان هو الغاية الأولى للتنمية، فإن كثرة الإنتاج ستزيد من رفاهيته. أما إذا أصبح مجرد رقم في معادلة اقتصادية، فقد تبدو مقولة ماركس أقرب إلى وصف دقيق لبعض جوانب عالمنا المعاصر.







