
الصحافة الرقمية والمنصات الالكترونية عموما، والثقافية والسياسية منها.. خصوصا، تسابق الزمن على تقديم المادة المقروءة إلى الجمهور بوتيرة لا تنقطع. وتتنافس على وضع الجديد والجيد في متناول القارئ من أجل التفاعل البناء وبناء الثقة، وإشاعة ثقافة الحوار وتبادل الرأي. وذلك يعتمد على تنوع المادة المقروءة، وعلى الوضوح والدقة وتعدد الافكار، إضافة إلى الجاذبية التصميمية، وسهولة التصفح، وربما مميزات اختصاصية اخرى.
ومن المؤكد أن مواقع الكثير من المؤسسات، على تنوعها، وحتى بعض المواقع الشخصية تحرص بشدة على الضوابط المهنية والموضوعية في التحرير، في سلامة اللغة، وفي شكل ومضمون النص، إضافة إلى الجماليات البصرية في الإخراج والتنفيذ. ومن الملفت ان الكلفة المالية المطلوب إنفاقها لإدامة المواقع على أهميتها، ليست بالضرورة العامل الحاسم في إنجاح وتقدم الإعلام الإلكتروني والورقي أيضا.
أن الصحافة الوطنية الديمقراطية واليسارية، وهي تنهض بدورها التوعوي التنويري، تعمل بنشاط على تعبئة الرأي العام للمشاركة في العمل السياسي، وتواجه بجرأة مشهودة، فساد الحكام وعبثهم بحق المواطنين في العيش الكريم، ولكنها وهي تنتقد بشدة كل أشكال الزيف الاجتماعي والسياسي وتدافع عن إرثها النضالي على مر التاريخ، تتردد أحيانا، في ممارسة النقد الذاتي لتجربة عملها، وهو أمر يجانب الموضوعية من جهة، ولا يستقيم مع الانفتاح الإعلامي الراهن من جهة أخرى.
ولذا فهي مازالت في أمس الحاجة للارتقاء بإصداراتها الورقية والإلكترونية، عبر سياسة نشر، تقوم على الانفتاح والتنوع، والتعامل مع القارئ والكاتب، باحترام حرية الاختلاف، وإدامة أواصر التواصل الإنساني، الثقافي والمعرفي، والتركيز على النصوص النوعية على حساب الكم، وهي مهمة ليست هينة ولكنها مطلوبة وممكنة وضرورية.
ومن المهم الانتباه إلى ان هناك نصوصا تقدم للقارئ، فقط، لأن رسالتها تتفق مع سياسة هذا الموقع او ذاك، ولكنها لا تتوافر على الشروط الضرورية، إعدادا وصياغة، ومحتوى. لهذا السبب ولأسباب أخرى غير منظورة، تخسر هذه المنصات سباقها من أجل التميّز والتأثير، وتفقد عددا من كتابها وقرائها المفترضين، ويتردد القارئ الجديد في طرق أبواب لا ترحب بزوّارها، ولا تحتفي بروادها، بغير قصد حينا، وسوء تدبّر حينا آخر.
ولعل ما ذهب إليه الباحث والأكاديمي العماني الدكتور محمد بن عوض المشيخي يلخص جانباً مهماً من هذه الفكرة، إذ يقول:
"ان الحفاظ على مصداقية المؤسسات الإعلامية في البيئة الرقمية المتسارعة يرتكز على جودة المحتوى والشفافية وسرعة الوصول إلى الجمهور، إلى جانب تطوير الرسالة بما يواكب التحولات في أنماط التلقي والمنافسة الإعلامية. ان المحتوى الجيد يفرض حضوره عندما يعد بصورة مهنية ويقدم باساليب حديثة تجمع بين الجاذبية البصرية ووضوح الفكرة ودقة الرسالة."







