الطبيعة كائن حي، وخلقت بكامل عالمها الحيواني والنباتي والبشري متوازنة، والاخلال او التأثير على هذا التوازن يؤدي إلى عواقب وخيمة. فان غضبت اضطربت وثارت كالزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات. فعنصر الماء عليه عماد الحياة في ألأرض بالضبط كعنصر الهواء الذي يستنشقه الإنسان بحرية في كل مكان، فإن فقدا ماتت الطبيعة والبشرية معها. والأنهار ليست ملكا لأحد، ولا تعود لهذه الدولة او تلك حتى اذا كانت تنبع من أراضيها. وهي ملك للبشرية وواحدة للجميع، وتعتبرها الأديان السماوية مقدسة وهبة منحتها الطبيعة لجميع الكائنات. فالحضارات نشأت بالقرب من شواطئ ألأنهار وسواحل البحار، ولعبت مصادر المياه دورا أساسيا في تقدم وتطور الانسانية،  وأصبحت ركيزة اساسية لوجودها على هذه الأرض. هذه بديهيات يجب أن نفهمها جميعا!!

يجب القول إن اتفاقية المياه الحالية بين العراق وتركيا ليست في صالح العراق وتضر ببيئته وأمنه السياسي والاقتصادي، وعلى المسؤولين العراقيين اتخاذ جميع الاجراءات لضمان حق العراق المشروع وإلزام الجانب التركي قانونيا، وليس بالوعود، بضمان حصة العراق المائية بشكل مستدام.

إن محاولات تركيا بناء السدود على نهري دجلة والفرات يؤدي بالفعل إلى عواقب بيئية وخيمة، وتعاني من هذا الاجراء بالدرجة الأولى دولتا المصب – سوريا والعراق - أشد المعاناة. وبما أن النهرين ينبعان من تركيا، فان أنقرة هي التي تتحكم بحجم المياه المتدفقة إلى مصباتها السفلى.

وعلى الجانب التركي أن يأخذ بنظر الاعتبار أن لهذه الاجراءات غير الودية عواقب وخيمة ليس على العراق وسوريا فقط، انما على بلدان المنطقة، بما فيها تركيا ايضا.

وتظهر في مقدمة هذه الآثار العواقب البيئية وتشمل: انخفاض منسوب مياه الأنهار وجفاف مجاريها. ويؤدي هذا الانخفاض الحاد إلى أن الأنهار تصبح ضحلة، وفي بعض المناطق قد تجف تماما، مما يؤدي إلى تدمير النظم البيئية القريبة من الشواطئ، ويحرم النباتات والحيوانات من ظروف حياتها الطبيعية.

وتتأثر بشكل خاص مناطق المستنقعات الفريدة مثل أهوار الحمار والحويزة على نهر دجلة، وأهوار ما بين النهرين في العراق. ويؤدي تجفف الأنهار او انخفاض منسوبها بشكل ملحوظ إلى تغيرات كبيرة في المناخ المحلي، وفقدان التنوع البيولوجي، وانبعاث كميات كبيرة من ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

ويشكل نقص المياه تهديدا لحياة السكان، مما يدفعهم إلى استخدام المياه الجوفية بكثافة ولأغراض الري، مما يتسبب في تراكم الأملاح في التربة. ونتيجة لذلك تصبح ألأرض غير صالحة للزراعة ويبدأ التصحر.

كما ويترتب على هذه الاجراءات تدهور النظم البيئية النهرية، حيث يؤدي تباطؤ تدفق المياه، وتغير درجة حرارتها، واضطراب مسارات هجرة الأسماك الطبيعية إلى انخفاض اعداد وتنوع الأسماك والكائنات المائية ألأخرى.

وتؤثر خزانات المياه الكبيرة على المناخ المحلي أيضا، حيث ترتفع درجات حرارة الهواء ويزداد التبخر.

بالنسبة إلى التغيرات الهيدرولوجية، فان نقص المياه السطحية يؤدي إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية، وهذا يدفع بالناس إلى ضخ المياه الجوفية بشكل متزايد ويتسبب في استنزافها وهبوط التربة.

وتشمل التغيرات الهيدرولوجية اضطراب نظام الفيضانات الطبيعي أيضا، حيث تتلاشى التقلبات الموسمية في جريان المياه، مما يخل بدورة رطوبة التربة الطبيعية ويعيق تهيئة ألأرض للزراعة.

وهناك أخطار طويلة الأمد – فاذا استمر الوضع على ما هو عليه، فان التأثير الكامل لنقص المياه، وتغير المناخ، واستمرار انشاء محطات الطاقة الكهرومائية قد يؤدي إلى عواقب وخيمة: نقص مياه الشرب لعشرات الملايين من سكان المنطقة، وتهديد للأمن الغذائي نتيجة لتدمير الأراضي الزراعية، وتزايد التوترات الاجتماعية والهجرة من المناطق القاحلة إلى المدن.

وبالتالي تشكل اجراءات تركيا لتنظيم تدفق نهري دجلة والفرات تهديدا خطيرا ليس فقط لبيئة واقتصاد العراق وسوريا، بل للتنمية المستدامة للمنطقة بأسرها ايضا. ويتطلب حل هذه المشكلة ليس فقط جهودا دبلوماسية، بل وايضا تطبيق ممارسات مستدامة لإدارة المياه على جميع جوانب حوض النهرين.

ومن وجهة النظر العلمية الجيولوجية تلعب المياه الجوفية وتغيير او حصر مجرى ألأنهار وبناء السدود عليها وتخزينها دورا كبيرا ايضا في التأثير على القشرة الأرضية واحتمال وقوع الزلازل المدمرة فيها. ويشير بعض العلماء إلى أن السدود المتعددة التي بنتها تركيا في أراضيها والتي حجزت كميات ضخمة من المياه عن نهري دجلة والفرات يحتمل أن كان لها دور كبير في خلق الكارثة الزلزالية في تركيا.

ويجب التأكيد ايضا على العوامل ألأنثروبولوجية المرتبطة بظهور الانسان وتأثيره المباشر على الطبيعة. فالطبيعة، كما قلنا، خلقت متوازنة، والعالم الحيواني والنباتي فيها وثروتها الطبيعية وبنيتها الداخلية والخارجية على علاقة متينة مرتبطة فيما بينها. والاخلال بهذا التوازن من شأنه اثارة الكوارث الطبيعية. والنشاط الاقتصادي للإنسان يشمل ليس فقط سطح ألأرض وباطنها وكل مجال الأحياء، بل والمجال الفضائي ايضا.

توجد في تركيا خمسة أحواض أنهر عابرة للحدود : وهي تشوروخ، آراس، دجلة والفرات، أورونت وماريتسا. وتحتل هذه الأحواض المائية مكانة هامة في العلاقات الدولية لأنقرة بفضل جريانها خارج حدود تركيا – ومثل هذه ألأنهار في البلاد أكثر من 35 في المائة.

ولنهري دجلة والفرات خاصة أهمية كبيرة لمصالح تركيا الوطنية. ويشكلان 80 في المائة تقريبا من حجم مياه تركيا العابرة للحدود. ويصل معدل تدفقهما الاجمالي السنوي إلى 84 مليار متر مكعب من المياه تقريبا، وهو ما يتناسب مع المؤشرات المماثلة لنهر النيل في مصر.

ويبلغ تدفق المياه في مجرى نهر الفرات خلال عام 30 مليار متر مكعب تقريبا. ووفق الدراسات ألأخيرة بدأ يتضح أن تدفق المياه في نهر الفرات خلال السنوات السبعين ألأخيرة بدأ يقل ووصل معدل تدفقه الاجمالي السنوي إلى 25 مليار متر مكعب من المياه. إن مثل هذه الديناميكية مثال واضح على تأثير الإنسان على الطبيعة والتحكم بأحواض ألأنهار الدولية.

ويمكن تعريف النهر الدولي بأنه النهر الذي يجري في أراضي دولتين أو أكثر او يقسم هذه الدول. وكل جزء من هذا النهر يقع تحت سيادة تلك الدولة الذي يجري في حدودها هذا النهر. وبما أن النهر يمس مصالح عدة بلدان (الملاحة، الري، صيد الأسماك، البيئة)، فان استخدام النهر ينظم عادة ليس فقط من خلال القانون المحلي الوطني، بل وأيضا بالاتفاقيات الدولية بين البلدان الواقعة على شواطئ النهر. وعادة لغرض تنسيق العمل يصار إلى تشكيل لجان خاصة بمشاركة ممثلي البلدان ذات الاهتمام المشترك.

هناك اختلاف هام – فالأنهار الواقعة كاملة في حدود دولة واحدة تسمى في القانون الدولي أنهار وطنية. ويجري تنظيم نظامها بالكامل من خلال القانون الداخلي لهذه الدولة.

ويبنى تنظيم موضوع ألأنهار الدولية في الواقع على توازن مصالح البلدان: من ناحية – سيادة كل دولة على الجزء الذي يجري في أراضيها النهر، ومن ناحية أخرى – من الضروري الأخذ بنظر الاعتبار مصالح الجيران، فالنهر هو واحد للكل.

وهناك مبادئ أساسية يبنى عليها توازن مصالح البلدان هذا نذكر منها :

سيادة الدولة الساحلية على الجزء الذي يجري النهر في أراضيها. فكل بلد يتصرف تماما بذلك الجزء الذي يجري النهر في حدود أراضيه : يحدد قواعد الملاحة ويتحكم بها، ويقوم بإجراءات لضمان هذه الملاحة. لكن هذه السيادة ليست مطلقة. فليس من حق الدولة، من خلال إجراءاتها الأحادية ( مثلا بناء السدود او قذف النفايات والمخلفات) الحاق أضرار جدية بحقوق البلدان الساحلية ألأخرى.

مبدأ السيادة المحدودة : ويتعلق بوحدة النظام البيئي للنهر. فليس من حق الدولة تغيير الظروف الطبيعية (مثلا مجرى او تدفق المياه) من جانب واحد، اذا كان هذا يسئ مباشرة إلى امكانيات البلدان ألأخرى لاستخدام النهر.

حرية الملاحة ( للسفن التجارية): يجري عادة في الاتفاقيات الدولية تثبيت أن من حق السفن التجارية لجميع البلدان الملاحة بحرية عبر أجزاء النهر العائدة للبلدان ألأخرى. علما أن السفن ألأجنبية ملزمة بمراعاة القواعد المقررة من قبل البلدان الساحلية في أراضيها. ومن المهم ان القانون الدولي لا يلزم البلدان فتح النهر اوتوماتيكيا لسفن البلدان التي ليس لديها منفذ اليها – ويجري حل هذه المسألة بتوقيع اتفاقية منفردة بين البلدان الساحلية. وفيما يتعلق بالملاحة العسكرية، فأنها تنظم عادة من قبل البلدان الساحلية بشكل استثنائي مع ألأخذ بالاعتبار المسائل ألأمنية.

مبدأ الاستخدام العقلاني والعادل : وهذا المبدأ هام خاصة لأغراض لا تتعلق بالملاحة: كالطاقة المائية، الري، استخدام المياه لأغراض صناعية، صيد الأسماك، نقل الأخشاب بواسطة تيار النهر. وينحصر جوهر الموضوع في أن من حق كل دولة الحصول على حصة معقولة وعادلة من المنفعة من استخدام المياه المشتركة. ومن هنا فإن استغلال الثروات يجب ان يكون معقولا: يجب ألأخذ بالاعتبار العواقب البيئية والاقتصادية لجميع البلدان ذات الاهتمام المشترك.

مبدأ عدم إلحاق أضرار كبيرة : ويرتبط هذا المبدأ بشكل وثيق بالمبدأ الذي قبله. إن اي استخدام للنهر من قبل دولة يجب ألا يضر بشكل جدي بالمصالح الشرعية للبلدان الساحلية ألأخرى. واذا كان نشاط دولة يشكل خطرا جديا على الجيران ( مثلا التلوث) فعليها اتخاذ اجراءات للحد من الأخطار، او الاتفاق مع البلدان المجاورة للتقليل من هذه الأخطار.

الالتزام بضرورة التعاون : على البلدان الساحلية حل الخلافات والمسائل ذات الاهتمام المشترك بشكل مشترك : تبادل المعلومات (مثلا عن حالة المياه او المشاريع المخططة)، تنسيق الاجراءات المتعلقة بحماية النظم البيئية، القيام بدراسات مشتركة، تشكيل هيئات او لجان خاصة لمراقبة وحل الخلافات.

احترام مساواة الدول السيادية : إن هذا المبدأ المعترف به عالميا للقانون الدولي هو أساس كل شيء: تمتلك جميع البلدان الساحلية حقوقا متساوية لاستخدام النهر، ولا يجوز لأي منها فرض سيادته او شروطه على البلدان ألأخرى.

إن هذه المبادئ تلحق عادة باتفاقيات دولية خاصة أو اتفاقيات اقليمية. وعادة ما يكون تحقيقها عمليا مصحوبا بصعوبات، حيث يمكن أن تختلف مصالح البلدان، في حين أن تقييم "الضرر الجدي" أو "معقولية الاستخدام" يجب أن يكون موضوعيا بلا تحيز. لهذا تحظى بأهمية بالغة مسائل الحوار والمشاورات المتبادلة وآليات حل الخلافات.

وتقدم تركيا عادة حججا مختلفة لتبرير سياستها المائية غير الودية تجاه بلدان الشرق الأوسط، ومنها على سبيل المثال أن عنصر الماء يعتبر آلية سياسية عملية لتحقيق هذه الأهداف السياسية او تلك. إن التحكم بمصادر الأنهار وإمكانات استخدام ثروات هذه الأنهار يمكن أن تصبح عاملا مؤثرا قويا في العلاقات الدولية. لهذا السبب بالذات تبدي بغداد ودمشق انزعاجها من أعمال أنقرة غير الودية في مسألة المياه.

  9 / 8 / 2026

 -مهندس جيولوجي