دعونا أولًا نتعرف إلى قارة اسمها "ويستروس". لا يمكن العثور عليها في خرائط غوغل، ومن المستحيل أن تكون لها رحلة على أي شركة طيران. فهي قارة خيالية ابتكرها الكاتب الأمريكي جورج مارتن، وجعلها مسرحًا لأحداث المسلسل التلفزيوني الشهير (صراع العروش)، ثم عاد في مسلسل (بيت التنانين) إلى تاريخها السابق بزمن طويل. في هذه الأعمال الخيالية تتقاسم الممالك السبع السلطة، وتتآمر العائلات الحاكمة على الاستيلاء على العرش الحديدي، وتُحسم الخلافات أحيانًا بالسيوف، وأحيانًا بالمؤامرات والاغتيال، لكنها تُحسم دائمًا... بنيران التنانين.

في "ويستروس"، لا يُقاس نفوذ الملك بعدد الوزراء، ولا بعدد المقاعد في البرلمان، ولا بنسبة التأييد في استطلاعات الرأي. المقياس أبسط بكثير: كم تنينًا لديك؟ إذا كنت تملك ثلاثة تنانين، فأنت قوة إقليمية. أما إذا كنت تملك تنينًا واحدًا فقط، فعليك أن تتحدث بلطف مع من يملك أربعة، لأنه هو من سيكتب التاريخ.

وأنت تتابع حلقات المسلسل، تواسي نفسك بأن كل ما يحدث على الشاشة مجرد خيال. فالعالم الحقيقي، في زمننا الحاضر، لم تعد النار تحكم سياسته. نحن نعيش في عصر القانون الدولي، ميثاق الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، المحاكم الدولية، والبيانات التي تبدأ بعبارة: (يعرب المجتمع الدولي عن قلقه البالغ...). ثم... تغيّر القناة في التلفزيون، وتتابع نشرة الأخبار العالمية، فتبدأ تشك أن "ويستروس" لم تكن خيالًا إلى هذا الحد، وأن جورج مارتن لم يكن يكتب الخيال، بل كان يبدّل أسماء الشخصيات فقط.

هكذا قفز أمامي سؤال منعني من النوم: ماذا سيحدث لو كان لدى الرئيس دونالد ترامب تنين حقيقي؟

لا أعرف لماذا تذكرت، وأنا أتابع مسلسل (بيت التنانين)، جارنا في حيّنا القديم بمدينة السماوة، الذي كان يقسم في كل مرة أنه لو امتلك بندقية رشاشة (لرتّب الدنيا كلها في ساعة واحدة). لم يملك من السلاح غير لسانه، لكنه يتصرف وكأن العالم ينتظر أوامره.

في "ويستروس"، القارة الخيالية، تبدو الأمور أكثر صراحة مما هي عندنا. هناك لا يكذب أحد على أحد. من يملك التنين يملك السلطة، ومن يملك سلطة أكبر يملك تنينًا أكبر. لا شعارات عن السلام، ولا مؤتمرات عن الأمن الدولي، ولا بيانات تبدأ بعبارة: (حرصًا على الاستقرار...)، فالنار تتكلم نيابة عن الجميع.

أعجبتني صراحة "ويستروس". الوحش هناك لا يرتدي ربطة عنق، ولا يتحدث عن الديمقراطية وهو يحرق مدينة. وبدا لي أن سؤالي عن ترامب والتنين مضحك، بل ربما مضحك جدًا، فالرجل البرتقالي، مثل أي زعيم لدولة عظمى، لا يحتاج إلى تنين كي يشعر أن العالم أصغر من طموحه. لديه ما هو أكثر تطورًا من التنانين: أساطيل، صواريخ، أسواق مالية، عقوبات اقتصادية، وآلة إعلام تستطيع أن تجعل الضحية متهمًا، والمتهم منقذًا. فماذا سيضيف إليه تنين؟ الأمر الوحيد أنه ربما سيستغني عن الطائرة الرئاسية. هذا كل شيء. أما الباقي، فموجود أصلًا. ومع ذلك، لو ظهر ترامب على ظهر تنين، فسيجتمع مجلس الأمن، كالعادة، لا ليسأل: هل سيحرق تنين ترامب طهران أو هافانا؟ بل ليسأل: هل حصل التنين على موافقة مسبقة قبل حرقها؟ وهل هو سلاح هجومي أم وسيلة ردع؟ وسينقسم الخبراء إلى فرق. فريق يرى أن المشكلة في التنين، وآخر يرى أن المشكلة في طريقة فهمنا للتنين، وثالث يطالب بالاستماع إلى وجهة نظر التنين قبل إصدار الأحكام. أما شركات السلاح، فلن تنزعج كثيرًا. فالرأسمالية لا تخاف من الوحوش، بل تبحث دائمًا عن طريقة لبيعها بالتقسيط والفوائد. في بلادنا، إذا احترق بيت، يهرع الجيران حاملين دلاء الماء. أما في عالم السوق، فيهرع المستثمرون حاملين دفاتر الشيكات. ولن نستغرب إعلان أحد المستثمرين عن شركة رائدة متخصصة في تأمين التنانين، وأخرى لإنتاج أغذية عضوية لها، وثالثة لتطوير تطبيق يحدد أقرب ملجأ عند سماع صوت الزئير. فحتى الكارثة، إذا مرت من بوابة أسواق الرأسمالية، تتحول إلى فرصة استثمار. وهنا علينا أن نفهم أن جورج مارتن لم يكن يكتب لنا عن التنانين، بل كان يكتب عن الإنسان عندما يقتنع أن القوة تعفيه من الأخلاق، وتمنحه حقًّا إضافيًّا في موت الآخرين.

هذه هي الحكاية كلها.

التنين ليس الحيوان الذي ينفث النار. التنين هو الغرور الذي يتسلل إلى صاحب القوة، فيقنعه بأن الخرائط وُجدت ليعيد رسمها، وأن الشعوب مجرد أرقام، وأن الحروب بند في الموازنة، وأن الضحايا هامش صغير أسفل الصفحة. أتذكر جارنا في السماوة، الذي رحل قبل سنوات طويلة، ولم يحصل على الرشاش الذي حلم به. أحيانًا أفكر أن العالم كان محظوظًا لأنه بقي فقيرًا، لكن حظه العاثر أن كثيرين ممن امتلكوا الرشاشات، ثم الصواريخ، ثم حاملات الطائرات، ما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على (ترتيب الدنيا) ... في ساعة واحدة. ربما كانت "ويستروس" أكثر رحمة منا. هناك كان الناس يعرفون من هو التنين أما نحن فما زلنا نصفق له وهو يرتدي ربطة عنق. وهكذا يتراجع السؤال: ماذا لو كان ترامب يملك تنينًا؟ أما السؤال الذي يقلقني أكثر: كم تنينًا يحكم العالم اليوم، لكنه لا يجرؤ على الاعتراف بأنه تنين؟

 *  نشر في الصباح الجديد الخميس 13 آب 2026 العدد (5894 )

 *** الشكر الوافر للصديق الكاتب حمزة حوني طراد ـ أبو فرح ـ الذي فاجأني هذا الصباح بهذا الرسم الكاريكاتيري الظريف المرفق، بعد اطّلاعه على المقال.