في 31 كانون الأول القادم تنتهي الولاية الثانية والأخيرة للأمين العام الحالي للأمم المتحدة  أنطونيو غوتيريش، الذي  هو الأمين العام التاسع، وقد اُنتخب في تشرين الأول 2016 خلفًا لـ بان كي مون ، لولايتين.ومن المقرر ان يتولى الأمين العام العاشر منصبه في كانون الثاني 2027 لولاية من 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

    ويأتي إختيار الأمين العام الجديد، والمنظمة الأممية تواجه تحديات كثيرة،إدارية، واقتصادية،وبيئية، وصحية، ومناخية، وحروباً، وأزمة مالية متفاقمة، تسببت بخفض شديد للمساعدات الإنسانية،ولحلات الطوارئ. فضلاً عن أزمة ثقة عميقة  تتطلب بالضرورة إصلاح المؤسسة الأممية نفسها، بما في ذلك عمل مجلس الأمن حيث أصبحت شرعيته، ومعها النظام العالمي الذي تمثله الأمم المتحدة، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، على المحك، لأسباب كثيرة، منها أن الكثير من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن خرقت ميثاق الأمم المتحدة،وضربت عرض الحائط  بمبادئها  وأهدافها، وأقرب الأمثلة ما تعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة جماعية وجرائم  شنيعة ضد الإنسانية،مقرونة  بحماية سافرة غير مشروطة لحكومة الصهيوني الفاشي نتنياهو ،من قبل الولايات المتحدة وغالبية حكومات الإتحاد الأوربي، والحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.وخطف الرئيس الفنزويلي، وفرض  ترامب الضرائب المجحفة على الدول،التي أحدثت الفوضى في التجارة العالمية.والقائمة طويلة، فضلاً عن التحديات الجوهرية للنظام متعدّد الأطراف، وإصرار الولايات المتحدة على فرض هيمنتها على العالم والتدخل في شؤون الدول الأخرى.فمنذ تولي ترامب  رئاسة الولايات المتحدة ولايته الأولى،في كانون الثاني 2017، بدأ حربه على التعددية الدولية وعلى مؤسسات الأمم المتحدة، وتضييق الخناق عليها، سياسياً ودبلوماسياً ومادياً، منسحباً من الإتفاقيات الدولية الهامة،التي تحقق بغد نضال طويل ومثابر، قاطعاً التمويل عن وكالات الأمم المتحدة،،كمنظمة الصحة العالمية،والأنوروا، وغيرها، مستغلآ إنّ الولايات المتحدة، برغبتها،  هي المموّل الأكبر للمنظمة الأممية ومؤسساتها، متهماً إياها  بـ"الإنفاق المتهور، وتشتيت جهودها، والفشل في تحقيق نتائج مُرضية". وبهذه الذريعة تطالب الولايات المتحدة بالعودة إلى الأهداف الأساسية للمنظمة المتمثلة في السلام والأمن،والإدارة الأمريكية أول من هدد ويهدد هذه الأهداف، في حين رغبة الغالبية العظمى لدول العالم  وسعيها لتعزيز الأهداف الأخرى، وفي مقدمتها: حقوق الإنسان والتنمية والصحة والبيئة، الى جانب السلام والأمن الدوليين..

     حيال هذا الواقع،تحتاج الأمم المتحدة إلى قيادة قوية وفعالة لتكون على قدر التحديات التي يواجهها العالم، لكن من غير الواضح إذا كانت المصالح الضيقة للدول الخمس دائمة العضوية،خاصة الولايات المتحدة، ستؤدي بها بنهاية المطاف إلى اختيار المرشح الأكفأ، الذي يقدم رؤية وتغييراً جذرياً للنهوض بالأمم المتحدة،لصالج جميع شعوب العالم، ولن يتحدى تلك الدول أو إحداها.

    وعلى خلاف الانطباع الذي قد تتركه المناظرات العلنية، فإن الدول الـ 193  الأعضاء في الجمعية العامة لا تختار الأمين العام بحُرية من بين المرشحين؛ إذ تنص المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة على أن الجمعية العامة تعيّن الأمين العام بناءً على توصية مجلس الأمن. وهنا تكمن القوة الحقيقية للدول الخمس الدائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا. ويبدأ مجلس الأمن عادة سلسلة من الاقتراعات السرية غير الرسمية، أو ما يُعرف بـ  straw polls، لقياس قوة كل مرشح.وقد أُجريت أولى هذه الاختبارات في 30 تموز الماضي.

    يتم الترشيح: عقب وصول رسالة مشتركة من رئيسي مجلس الأمن والجمعية العامة لدعوة الدول الأعضاء لتقديم مرشحيها رسمياً.بعدها تجري حوارات تفاعلية: يعقد رئيس الجمعية العامة جلسات استماع وحوارات علنية مع المرشحين لعرض برامجهم ورؤيتهم والرد على أسئلة الدول والمجتمع المدني.

   يجري مجلس الأمن: يُجري اقتراعات سرية واستطلاعية للوصول إلى مرشح توافقي يحظى بتسعة أصوات صالحة ودون أي "فيتو".

التعيين النهائي: يرفع مجلس الأمن توصيته النهائية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تتولى بدورها الإصدار الرسمي لقرار التعيين.

    علماً بانه لا يحق،وفقاً للنظام الداخلي للأمم المتحدة، إختيار الأمين العام  من جنسية إحدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، لضمان الحياد.

     وقد دخل السباق على خلافة غوتيريش  "مرحلته الأكثر حساسية، مع انتقال المنافسة من المناظرات العلنية، وبيانات الرؤى الإصلاحية، إلى الغرف المغلقة في مجلس الأمن، حيث لا تحسم الكفاءة وحدها هوية الدبلوماسي الأول في العالم، وإنما شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية، وحسابات القوى الكبرى، والجنسية، والقدرة على تجنب «فيتو» أي من الدول الخمس الدائمة العضوي"(هبة القدسي،"الشرق الأوسط"، 26/7/2026).

واتسعت قائمة المتنافسين والمتنافسات إلى7، وهم:

    أولآ-الدبلوماسي الأرجنتيني رافائيل غروسي ( 65 عاماً)،المدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، منذ ست سنوات.هذا الموظف الدولي أثبت بأنه مطيع وأداة بيد الإدارة الأمريكية وإسرائيل.وهما يريدانه تقديراً لدوره المشبوه في شنهما الحرب على إيران في حزيران 2025،عقب تقاريره المتحيزة والمسيئة لمصداقية الوكالة الدولية ولأستقلالية قراراتها، والتي أعطت  "المبرر " للصهيوني الفاشي نتنياهو، وللمتغطرس المستهتر ترامب، لشن الحرب على إيران مرتين خلال 7 أشهر. واَخر تحريضات غروسي المشينة ضد إيران رؤيته في مقابلة على "سي بي إس" في 22/3/ 2026:"انه لا يمكن القضاء على القدرة النووية الأيرانية إلا بحرب نووية "!!.. ولم يتجرأ  مجلس الوكالة الدولية ولا أمين عام الأمم المتحدة على محاسبته !!.

    ومع ان غروسي هو الأكثر حظاً،إلا ان ترامب المعروف بقراراته المتقلبة رشح مؤخراً رئيس الأتحاد الدولي لكرة القدم الإيطالي السويسري جيوفاني إنفانتينو، رغم أنه ليس ضمن قائمة المرشحين الرسمية حتى الآن..وهو شخص ليس لديه مثل هذا الطموح وبعيد جداً عن مهمات الأمم المتحدة وواجباتها، ولا يفهم سوى بتحويل كرة القدم الى تجارة مربحة جداً على حساب الملايين من محبيها. واَخر مشاريعه بيع كأس العالم لمن يدفع أكثر،الأمر الذي دعا الأتحاد الأوربي ان يعلن مقاطعته للكأس،ويطالب بمحاسبته.

    ثانياً- الدبلوماسية التشيلية ميشيل باشيليت ( 74 عاماً) الرئيسة السابقة لتشيلي، لدورتين، وشغلت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.وشغلت أيضاً منصب المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الفترة من 2010 ‌ إلى 2013، ​وهي وكالة معنية بتعزيز حقوق النساء.

    المفارقة ان الحكومة التشيلية الحالية وهي  حكومة يمينية فازت بدعم أمريكي سافر، لا تؤيد باتشيليت، والأدارة الأمريكية ترفضها، لمواقفها المعروفة لنصرة حقوق الإنسان وضد الظلم والعدوان..

    ومع هذا فهي مصرة ان  تمضي قدماً بدعم من البرازيل والمكسيك.، لاسيما وثمة ضغوطاً متزايدة داخل الأمم المتحدة وخارجها تدعو إلى اختيار أول امرأة تقود الأمم المتحدة منذ تأسيسها قبل أكثر من 8 عقود، وهذه السيدة جديرة بالمنصب..

    وفي هذا المضمار، تبدو المنافسة النسائية قوية بصورة غير مسبوقة، فإلى جانب باشيليت، تخوض السباق عدة سيدات:

    ثالثاً- الدبلوماسية الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان (70 عاماً)، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، والأمينة العامة الحالية لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، تقدم نفسها بوصفها مرشحة إصلاحية وبراغماتية، قادرة على إدارة أزمة الأمم المتحدة المالية.

    رابعاً-الدبلوماسية الأكوادورية ماريا فرناندا إسبينوزا (61 عاماً)، وزيرة خارجية الإكوادور السابقة،وتولت  وزارة الدفاع  أيضاً، في حكومة الرئيس السابق رافائيل كوريا. ورئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة  السابقة، وقدمت المشورة أيضا للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية ‌في مجالات التنوع البيولوجي وتغير المناخ والمساواة الاجتماعية وسياسات الشعوب الأصلية.رشحتها دولة أنتيغوا وبربودا. وأعلنت خلال المناظرة أن الأمم المتحدة تمر بلحظة وجودية تتطلب قيادة تعيد للمؤسسة صدقيتها وفاعليتها، وتقترح تقليص المستويات القيادية وإنشاء آلية للإنذار المبكر بالأزمات.

    خامساً- الدبلوماسية الغويانية، كارولين رودريغز بيركيت (52 عاماً)،سياسية سابقة، وزيرة الخارجية السابقة، والمندوبة الدائمة لبلادها لدى الأمم المتحدة، منذ عام 2020. وشغلت أيضا مناصب رفيعة في منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو). وكانت أول امرأة في تاريخ بلدها، وأول شخص من السكان الأصليين، يشغل منصب وزير خارجية.تعهدت بجعل ​المنظمة الدولية أكثر فعالية من خلال تعزيز جهود منع الصراعات والنهوض بالعمل المناخي.

    سادساً--السنغالي ماكي سال (64 عاماً)،الرئيس السنغالي السابق، الذي يطرح نفسه بوصفه المرشح الأفريقي الأبرز. واكتسب ترشيحه زخماً إضافياً بعدما أعلن الرئيس السنغالي، باسيرو ديوماي فاي، دعمه رسمياً رغم الخصومة السياسية العميقة بين الرجلين، وقدمته دكار تحت شعار «ترشيح السنغال في خدمة أفريقيا». وكان سال قد رُشح أساساً من بوروندي التي تتولى رئاسة الاتحاد الأفريقي في دورته الحالية.ويشدد سال على ضرورة دعم الدول النامية المثقلة بالديون، ويدعو إلى إصلاح مجلس الأمن، في إشارة إلى مطالب الدول النامية ⁠بالحصول على مقاعد ​دائمة في أكثر هيئات الأمم المتحدة نفوذاً.

    سابعاً-الدبوماسي الأوغندي أولارا أوتونو( 75 عاما)،الوكيل السابق للأمين العام للأمم المتحدة. شغل منصب الممثل الخاص المعني بالأطفال والنزاعات المسلحة. رشحته أوغندا لتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة. وهو الأكبر سناً بين المرشحين الحاليين للمنصب، وفي بيانه بشأن رؤيته، شدد على ضرورة مواصلة الإصلاحات المؤسسية، مؤكداً أنه سيمنح أولوية قصوى للجهود الرامية إلى الإسهام في إنهاء الصراعات الدولية الكبرى.وتعهد أيضاً بالعمل على تدشين هيئة للإشراف على أنشطة الأمم المتحدة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، كما سلط الضوء على ضرورة اتخاذ إجراءات بشأن تغير المناخ لا تعرقل التنمية الاقتصادية:.

    فهل  ستحصل تغيرات جوهرية مطلوبة في الأمم المتحدة  لصالح شعوب العالم عقب إختيار أمينها العام العاشر ؟