
ليس من الصعب أن يفهم المرء أسباب القلق الذي يتسع في الشارع العراقي، فالمشكلة لا تكمن في أزمة واحدة يمكن للحكومة أن تعالجها بقرار أو تخصيص مالي، وإنما في تراكم أزمات أصبحت تمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، من الكهرباء والماء إلى البطالة والخدمات، ومن الفساد إلى الأمن والسلاح، فيما يعيش العراق في الوقت نفسه وسط منطقة تعصف بها تحولات سياسية وعسكرية واقتصادية عميقة.
ولهذا فإن الحديث عن حكومة علي الزيدي لا يمكن أن ينفصل عن سؤال أكبر من تقييم برنامج حكومي أو قياس نجاح وزير هنا أو مسؤول هناك. السؤال يتعلق بعلاقة الدولة بالمواطن، وبقدرة الحكومة على إقناع العراقي بأن ما تقوله عن الإصلاح يمكن أن يتحول إلى واقع يراه ويلمس نتائجه في حياته.
وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية: فالعراقي الذي يستمع إلى حديث الحكومة عن محاربة الفساد وحصر السلاح وبناء الدولة، ثم يعود إلى بيته ليواجه انقطاع الكهرباء أو أزمة الماء أو غياب فرصة العمل، لن يستطيع أن يفصل بين هذه الملفات كما تفعل البيانات الرسمية. بالنسبة إليه، الدولة منظومة واحدة، ونجاحها أو فشلها يقاس بما توفره له من أمن وكرامة وخدمات وفرصة للمستقبل.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يصبح تراكم الأزمات أكثر خطورة من كل أزمة منفردة. فالكهرباء، على سبيل المثال، لم تعد مشكلة خدمية عابرة. لقد تحولت على مدى سنوات إلى رمز لقدرة الدولة على إدارة مواردها. والمواطن يعرف أن بلاده ليست فقيرة بالمعنى الذي يمكن أن يبرر استمرار هذه الأزمة؛ فالعراق بلد نفطي يمتلك موارد هائلة، ومع ذلك لم يتمكن حتى الآن من تحقيق أبسط الخدمات وبناء منظومة كهربائية مستقرة تضع حداً لمعاناة المواطنين.
وهنا لا يعود السؤال: لماذا انقطعت الكهرباء اليوم؟ بل يصبح السؤال: كيف يمكن لبلد بهذه الموارد أن يعجز عن حل مشكلة عمرها سنوات؟ وهو سؤال يقود، بصورة طبيعية، إلى سؤال آخر عن الإدارة والفساد وسوء التخطيط والهدر في المال العام. وهكذا تتصل الكهرباء بالفساد، ويتصل الفساد بثقة المواطن، وتتصل الثقة بقدرة الدولة على تنفيذ ما تعِد به.
والأمر نفسه ينطبق على المياه، وإن كان ملفها أكثر خطورة على المدى البعيد. فالعراق لم يعد يواجه مجرد نقص موسمي في المياه، وإنما أزمة تتداخل فيها التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية وسوء الإدارة وطرق الري القديمة والتلوث والتطورات المتعلقة بالأنهار العابرة للحدود.
وهنا أيضا يجد المواطن نفسه أمام مفارقة مؤلمة: بلد نشأ تاريخيا بين دجلة والفرات، وتقوم ذاكرته الحضارية على الماء، يواجه اليوم مدنا وأريافا تعاني شحّه، وفلاحين يخشون على أراضيهم، ومناطق جنوبية تدفع بصورة خاصة ثمن تراجع الموارد. لذلك فإن قضية المياه ينبغي ألا تبقى ملفاً فنيا في وزارة أو موضوعا تفاوضيا مع دول الجوار فحسب. إنها قضية تتعلق بالأمن الوطني ومستقبل المجتمع نفسه.
لكن أخطر ما في الأزمات العراقية ربما لا يظهر في فاتورة الكهرباء أو كمية المياه، وإنما في الشباب الذين لا يجدون مكانا واضحا لهم في اقتصاد بلادهم.
فالعراق مجتمع شاب، وهذه ميزة يمكن أن تكون أعظم مصادر قوته، لكنها يمكن أن تتحول إلى مشكلة اجتماعية وسياسية إذا لم يجد الشباب التعليم المناسب والعمل والإنتاج والمشاركة في بناء المستقبل. وعندما يحصل الشاب على شهادة ثم يكتشف أن الطريق إلى الوظيفة يمر أحيانا عبر الواسطة أو الانتماء السياسي، فإن المشكلة لا تعود بطالة بالمعنى الاقتصادي فقط، وإنما تتحول إلى شعور بالإقصاء وفقدان العدالة.
لذلك نستطيع أن نفهم لماذا لا يمكن معالجة البطالة بمجرد إضافة آلاف الوظائف الحكومية. وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى السؤال نفسه: أي دولة يريد العراق أن يبني؟ وفي النهاية، ربما يصبح السؤال الأكثر أهمية الذي يجب أن يوجه إلى حكومة علي الزيدي ليس: ماذا وعدتم العراقيين؟ بل: متى يستطيع العراقي أن يرى نتائج ما وعدتم به في بيته وشارعه وعمله ومستقبله؟
ويصبح من حق المواطن أيضا أن يسأل عن الاتجاه، وعن الأولويات، وعن المواعيد، وعن النتائج. فالانتظار يصبح مقبولا عندما يعرف المواطن إلى أين تسير الدولة. أما الانتظار المفتوح من دون مؤشرات واضحة، فإنه يتحول إلى إحباط. ولهذا فإن أمام حكومة الزيدي فرصة حقيقية، لكنها لن تستمر طويلاً بالخطاب وحده. إن أفضل ما يمكن أن تفعله الحكومة هو أن تقدم للعراقيين كشف حساب دوري: ماذا أنجزنا؟ ماذا تعثر؟ لماذا؟ ومن المسؤول؟ ومتى سيكتمل؟
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المشكلة العراقية ليست نقص الموارد فقط. العراق يمتلك من الثروة ما يكفي لبناء دولة قوية، لكن المشكلة تكمن في تحويل الثروة إلى خدمات، والموارد إلى فرص، والقوانين إلى عدالة، والسيادة إلى ممارسة فعلية. فحين يرى المواطن أن محاربة الفساد أدت إلى مشروع كهرباء ناجح، وأن الإصلاح الاقتصادي خلق فرصة عمل، وأن سيادة الدولة انعكست أمنا واستقرارا، وأن السياسة المائية حمت مدينته وأرضه، فإنه سيبدأ في تصديق الإصلاح. أما إذا بقيت الإصلاحات في مستوى التصريحات، بينما تستمر الأزمات في حياته اليومية، فإن الشكوك ستكبر مهما كانت قوة الخطاب الحكومي.







