
من يتابع السياسة التركية خلال سنوات حكم أردوغان يلاحظ مفارقة تستحق التوقف عندها، أنقرة لم تتردد في استخدام قواتها العسكرية خارج حدودها عندما رأت أن مصالحها القومية والأمنية والسياسية تتطلب ذلك، بينما تتحول لغة القوة إلى لغة خطابات ووساطات عندما يصل الأمر إلى غزة. تركيا أقامت وجوداً عسكرياً في قطر، وتدخلت عسكرياً في سوريا، وأرسلت قوات ودعماً عسكرياً إلى ليبيا، ولها وجود داخل الأراضي العراقية. أي أن مبدأ إرسال الجيش التركي إلى خارج الحدود ليس محرّماً في عقيدة أنقرة السياسية والعسكرية عندما ترى القيادة التركية أن مصالح الدولة تقتضي ذلك.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثيرون، إذا كان أردوغان يقدم نفسه منذ سنوات باعتباره أحد أشد المدافعين عن فلسطين، فلماذا بقى هذا الدفاع عند حدود الخطاب السياسي والدبلوماسي عندما تعلق الأمر بغزة؟ أردوغان يستخدم بالفعل لغة شديدة اللهجة تجاه الحكومة الإسرائيلية، ويعلن تضامنه مع الفلسطينيين، فيما تشارك تركيا مع مصر وقطر في جهود الوساطة المتعلقة بغزة. لكن الفارق واضح بين خطاب التضامن وبين المخاطرة العسكرية المباشرة.
فلماذا استطاعت المصالح التركية أن تحرك الجنود والدبابات والطائرات عندما كان الملف يتعلق بسوريا أو العراق أو ليبيا، بينما لم يتحول الخطاب المتكرر حول فلسطين إلى خطوة عسكرية مماثلة؟ أردوغان مهما ارتفعت نبرة خطابه الديني أو القومي، يتصرف في النهاية كرئيس دولة يحسب ميزان الربح والخسارة. عندما يرى منفعة استراتيجية مباشرة لتركيا يتحرك، وعندما تكون تكلفة المواجهة أكبر من المكاسب يختار الدبلوماسية والخطابات والوساطة. وهذا يعني أن القضية الفلسطينية رغم حضورها الكبير في خطاب اردوغان السياسي، لا تتقدم بالضرورة على حسابات الأمن القومي التركي وعلاقات تركيا الدولية وتحالفاتها ومصالحها الاقتصادية والعسكرية.
وهنا تكمن المشكلة في صورة (الزعيم المدافع عن المسلمين) التي صنعتها الخطابات السياسية حول أردوغان على مدى سنوات. فالزعامة لا تُقاس بحدة الكلمات ولا بعدد المرات التي يُهاجم فيها نتنياهو من فوق المنابر. وإذا كان السياسي يرفع سقف خطابه إلى مستوى يوحي لجمهوره بأنه مستعد لفعل كل شيء دفاعاً عن فلسطين، فمن المشروع أن يُسأل لاحقاً، أين تنتهي الكلمات وأين تبدأ الأفعال؟ من حق الرأي العام العربي والإسلامي أن يطالب بخطاب يتناسب مع حدود ماتستطيع تركيا فعله فعلاً بعيداً عن المبالغة في صناعة صورة المنقذ أو حامي حمى المسلمين.
لقد تحرك الجيش التركي خارج حدوده عندما اقتضت المصالح التركية ذلك. أما غزة فقد بقيت حتى الآن ساحة للكلمات والوساطات والبيانات في السياسة التركية والأيام وحدها ستكشف مقدار المسافة بين: أردوغان الذي يتحدث باسم فلسطين... وأردوغان الذي يحكم باسم مصالح تركيا.







