استهل رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، كلمته في مراسم احتفالية التوحيد بالتأكيد على أن إقليم كردستان بحاجة ماسة إلى "قوة واحدة، ووزارة واحدة، وقيادة واحدة"، مشدداً على أن دماء الببيشمركه التي اختلطت في خنادق الدفاع عن الأرض ضد الإرهاب يجب أن توحدهم اليوم تحت مظلة مؤسسة وطنية وقرار عسكري دستوري بعيد عن التجاذبات الحزبية. وقد رافق ذلك إشادة واسعة بالإرادة السياسية المشتركة للحزبين وبدور التحالف الدولي، مع التأكيد على أن الانتماء الحزبي يظل حقاً مشروعاً، غير أن الانتماء للوطن وللمؤسسة العسكرية هو الأساس الذي لا مهدد لكيان الإقليم بدونه

 أن مسألة توحيد قوات الببيشمركه وقوى الأمن الداخلي وجعلها وطنيةً ليست قضية إدارية عابرة ولا موضوعاً بسيطاً يُحسم بقرارات فوقية؛ بل هي قضية تاريخية وعميقة الحساسية يُعد التعامل معها أحد المعايير الأساسية لتحديد مستوى النضج القومي والوطني للعقلية التي تقف وراء اتخاذ القرار بشأن مصير هذه القوات ومستقبلها

 حين نقترب من مفردة "البيشمركه" نجد أنفسنا أمام مصطلح يحمل شحنة دلالية ووجدانية فريدة تتجاوز الأطر العسكرية التقليدية للجيوش النظامية.   ففي جذرها اللغوي تتشكل الكلمة من مقطعين يعبران عن الموت والمواجهة، لتعني حرفياً "المتقدمون نحو الموت". هذا المعنى لم يكن يوماً مجرد توصيف لمهنة قتالية خاضعة لقانون روتيني، بل تحول عبر العقود الطويلة من عمر النضال الكردي إلى أيقونة صمود ورمز حي للكرامة والوجود في الذاكرة الجمعية لشعب عانى طويلاً من سياسات الإقصاء. ومن هنا تبرز حساسية أي نقاش يمس هذا الرمز؛ فالشارع الكردي يحرص أشد الحرص على بقاء هيبة ورمزية الببيشمركه مصانة مقدسة، لكنه في الوقت ذاته ينشد بحرقة تحولها إلى مؤسسة وطنية محترفة تحميه ولا تقيده، وتخضع لسيادة القانون بعيداً عن التجاذبات الحزبية الضيقة.

 غير أن هذا الرمز المجيد عاش عقوداً طويلة تحت وطأة انقسام هيكلي مرير يعود جذرياً إلى إرث مرحلة التسعينيات وما خلّفته تداعيات الصراع السياسي الداخلي وما عُرف بـ "حرب الأخوة". هذا الإرث أدى إلى انشطار البنية العسكرية والأمنية إلى قطبين رئيسيين تمثلا في "القوة 70" (الخضراء) المرتبطة بالاتحاد الوطني الكردستاني وتمركزت أساساً في السليمانية وحلبجة، و"القوة 80" (الصفراء) المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني وتمركزت في أربيل ودهوك. لقد تحولت هاتان القوتان تدريجياً إلى أدوات نفوذ جغرافي وحزبي غابت عنها مركزية القرار في وزارة شؤون الببيشمركه، وسادت بينهما أزمة ثقة متبادلة عميقة جعلت فكرة الدمج الكامل مؤجلة عقوداً، ومحكومة بحسابات دقيقة للتوازن العسكري والسياسي.

هذا الانقسام التاريخي أفرز ظاهرة ذات وجهين متناقضين في الوعي الكردي؛ فعلى الصعيد الإيجابي، ضمن هذا التعدد العسكري في مرحلة معينة استمرار وجود قوة مسلحة تحمي مناطق النفوذ وتحفظ توازن الردع في ظل غياب ضمانات مركزية حقيقية لإقليم كردستان من بغداد، وشكل صمام أمان عاطفي ومحلي للجماهير المرتبطة حزبياً. أما على الصعيد السلبي والمدمر، فعندما يمس الأمر مصير قومية بأكملها وكيانها السياسي والدستوري، تحول هذا الانقسام إلى مهدد حقيقي لمفهوم الدولة ومؤسساتها، وأسس لثقافة الولاء الحزبي الفصائلي على حساب الولاء الوطني المطلق، ناهيك عن تعطيل بناء جيش محترف قادر على مواجهة التحديات الأمنية الكبرى بمعزل عن المزاج السياسي للأحزاب.

 واليوم، يطوي الإقليم هذه الصفحة القاتمة عبر خطوات مفصلية وحاسمة تمثلت في إعلان اكتمال التوحيد والدمج الشامل لقوات الببيشمركه تحت مظلة وزارة شؤون الببيشمركه رسمياً.  وقد استند هذا المسار التاريخي إلى أسس هيكلية دقيقة تضمنت إلغاء الثنائيات التقليدية وإعادة تنظيم الوحدات العسكرية وضبطها ضمن هيكل موحد للقيادة والسيطرة، تمثل في تشكيل فرق عسكرية مدروسة (تضم ألوية مشاة متكاملة) تتبع حصرياً لوزارة شؤون الببيشمركه وتدار بمرجعية مركزية.  وقد واكب هذا المسار دعم وضغط مؤسساتي ودولي مكثف، لا سيما من قوات التحالف الدولي التي ربطت برامج التطوير والتسليح والتدريب العسكري بمدى الالتزام بإنهاء ازدواجية القيادة، فضلاً عن دمج الإدارة المالية واللوجستية وقطع دابر التمويل الحزبي الموازي

 إلا أن إعلان التوحيد يمثل في جوهره بداية لمرحلة البناء الحقيقي وليس نهايتها المطلقة. فالتحدي الأكبر اليوم يكمن في مدى القدرة على ترسيخ العقيدة العسكرية الوطنية الخالصة لكي ينظر الجندي أو الضابط إلى مرجعيته الدستورية والمؤسساتية لا الحزبية، وعزل المؤسسة عزلًا تامًا عن أي توظيف سياسي مستقبلي، فضلاً عن تعزيز التكامل والتنسيق الفني والميداني مع المنظومة الأمنية الاتحادية في بغداد لسد الفراغات الأمنية. إن استدامة هذه الخطوة التاريخية ونجاحها مرهون بإرادة سياسية صلبة تدرك أن قوة إقليم كردستان واستقراره لا تنبعان قط من تعدد الولاءات وتنازع القوة، بل من رسوخ مؤسسات الدولة وسيادة القانون.