قبل سبع سنوات، في الأول من تشرين الأول 2019، خرج شباب عراقيون إلى ساحة التحرير في بغداد وساحات مدن الجنوب، يحملون العلم العراقي ولا شيء سواه. لم تكن لهم قيادة حزبية ولا راية طائفية، بل جملة واحدة اختصرت كل شيء: "نريد وطن".

سبع سنوات ليست زمناً طويلاً في عمر الشعوب، لكنها كافية لتبهت الذاكرة إن لم نحرسها. واستذكار تشرين اليوم ليس طقساً سنوياً، بل هو سؤال مفتوح موجّه إلى الدولة والمجتمع معاً: ماذا فعلنا؟ بما ضحّى من أجله أولئك الشباب؟

كان أغلب المحتجين من جيل ما بعد 2003: شباب كبروا في ظل النظام السياسي الجديد، فلم يجدوا فيه ما وُعدوا به. تخرّج الآلاف منهم في الجامعات ليجدوا أبواب العمل مغلقة إلا أمام من يملك واسطة حزبية.

بدأت المطالب بسيطة: فرص عمل، وكهرباء لا تنقطع في صيف تتجاوز حرارته الخمسين، وماء صالح للشرب، ومستشفيات تليق بالبشر. في بلد يصدّر ملايين البراميل من النفط يومياً، كان هذا الحد الأدنى يبدو حلماً بعيداً.

لكن المحتجين سرعان ما شخّصوا أصل الداء: نظام المحاصصة الذي يوزّع الدولة غنائم بين الأحزاب، والفساد الذي صار نهج حكم، والسلاح المنفلت من سلطة الدولة، والتدخل الخارجي في القرار العراقي. فتحوّل المطلب من إصلاح الخدمات إلى استعادة الدولة نفسها.

واللافت أن قلب الاحتجاج نبض في بغداد والناصرية والبصرة والنجف وكربلاء، أي في مدن تدّعي الأحزاب الحاكمة تمثيلها. هنا سقطت ذريعة الطائفة، وولدت هوية عراقية جامعة من رحم الساحات.

واجهت السلطة الصدور العارية بالرصاص الحي والقناصة، وبقنابل غاز أُطلقت مباشرة نحو الرؤوس فاخترقت جماجم الشباب. وتشير أغلب التقديرات إلى مقتل نحو 700 متظاهر وإصابة أكثر من عشرين ألفاً، كثيرون منهم بإعاقات دائمة.

ولم يتوقف القمع عند حدود الساحات. امتدت يد الاغتيال والخطف إلى الناشطين والصحفيين في بيوتهم وشوارعهم، وكان اغتيال إيهاب الوزني في كربلاء واحداً من أشد تلك اللحظات إيلاماً. أراد القتلة أن يبعثوا رسالة مفادها أن الصوت الحر ثمنه الحياة.

ومع ذلك صمدت الساحات أشهراً. صار التكتك سيارة إسعاف، وصارت بناية "المطعم التركي" المهجورة «جبل أحد»، وملأت الجداريات نفق التحرير، ووقفت النساء والطلاب في الصفوف الأولى.

من الظلم أن يُقال إن تشرين مرّت دون أثر. فقد أجبرت حكومة عادل عبد المهدي على الاستقالة في أواخر 2019، وهي سابقة في عراق ما بعد 2003.

وأثمر الضغط الشعبي قانوناً انتخابياً جديداً بدوائر متعددة، وانتخابات مبكرة في تشرين الأول 2021 دخل عبرها مستقلون ووجوه ناشئة إلى مجلس النواب لأول مرة بهذا الحجم.

لكن الأثر الأعمق لم يكن في القوانين. فقد كسرت تشرين حاجز الخوف، وأثبتت أن الشارع العراقي قادر على محاسبة الطبقة السياسية خارج منطق الطائفة والعشيرة. وهذا وعي لا يُمحى بسهولة.

غير أن الجرح الأكبر ما زال مفتوحاً. فمعظم من أطلقوا النار أو أصدروا الأوامر لم يقفوا أمام القضاء، ولجان التحقيق المتعاقبة لم تفضِ إلى نتائج تشفي صدور الأمهات، وبالرغم من تصريح هادي العامري حين قال إن الفصائل المسلحة العراقية ("المقاومة") ساهمت في "القضاء على فتنة تشرين"، الا أن الإفلات من العقاب لا زال مستمر.

والمطالب التي رفعها الشباب ما تزال معلّقة في جوهرها: المحاصصة قائمة، والفساد لم يُقتلع، والسلاح لم يُحصر بيد الدولة، والبطالة تستنزف أجيالاً جديدة من الخريجين.

لذلك فإن الاستذكار فعل مقاومة. فالنسيان هو بالضبط ما تراهن عليه الجهات التي تريد طيّ الملف وكأن شيئاً لم يكن.

ولكيلا ننسى، نستذكر تشرين لأنها كانت المرة التي قال فيها جيل كامل إنه عراقي أولاً. ونستذكرها لأن أسماء شهدائها تستحق أن تُنطق كل عام، لا أن تتحوّل إلى أرقام في تقارير منسية.

ونستذكرها لأن الأسئلة التي طرحتها لم تُجَب بعد: من يحكم العراق؟ ولمصلحة من؟ ومن يُحاسَب حين تُسفك دماء المواطنين؟

قد تخفت الساحات، لكن الصرخة باقية. وما دام العراقيون يردّدون "نريد وطن"، فتشرين لم تنتهِ بعد.

1 تشرين الأول، 2026