
تواجه المراقب السياسي نماذج وصور واشكالات تكاد تكون ناطقة عن حالها اذ لم نوصفها بالكاشفة عن سرها.. وهذا ما يجري في اجواء الحرب القائمة في الشرق الاوسط، على العموم ولكي لا نوزع الصداع على الناس بالسعي لمعرفة اشكاليات الحرب، فلابد من ان نؤشر على مكامن المرامي المستترة لاطراف الصراع، والمنطلقات الحاكمة التي نشاهدها ونسمعها على مدار الساعة .. كان من المعتاد ان يُفسر السخاء السعودي اتجاه الولايات المتحدة الامريكية بصورة استثمارات ( 6 مليار دولار ) يحملها ترامب في حقائبه خلال زياراته للمملكة وبزمن قصير، ففي اقل تقدير تُحسب من دون تحديد افقها على انها رد جميل حيال الحماية من قبل واشنطن، التي يُفترض توفرها ملزمة بغية الحفاظ على المصالح الاقتصادية ودوام النفوذ، وعلى وجه التعيين الكارتيلات النفطية لانها اساس الحصول على المليارات التي تُرصد في البنوك الامريكية.. وما اغلاها والخشية عليها من الاعتداء الخارجي، ومما لاشك فيه تلك التي تتمثل بالشركات المعروفة مثل شركة " ارامكو " واخواتها التي تحفها المخاطر والتهديدات والضربات القاصفة عبر الخليج الملتهب، منطلقة من الضفة الشرقية.
والجدير بالاشارة لم تسجل مواقف عملية دفاعية ملموسة من قبل واشنطن ازاء تعرض هذه المصالح على الارض السعودية.. لقد تعرضت اكثر من مرة للقصف والاعتداء.. واذ ما ابتغينا تفسيرصرف النظر الامريكي عنها، وقبل ان يفسرها الجاهل وحتى المجنون بكونها لم تؤذ الولايات الامركية مباشرة وقد تكررت هذه المشاهد الدراماتيكية خلال الحرب القائمة بين الادارة الامريكية وايران.. ان اوضح واقرب تجلياتها قد لاح في الموقف الامريكي الحالي من الصراع في اليمن، اذ لما استنجدت السعودية لردع تقدم الحوثيين نحو باب المندب مؤخراً جاء رد ترامب المباشر ولثلاث مرات مترادفة " لا نحارب الحوثيين لانهم قد تعهدوا بان لايستهدفوا السفن الامريكية وانهم يستهدفون السفن السعودية فقط".. هكذا نطقت مواقف الادارة الامريكية لا تعدو عن كونها تخلياً ومواربة بلا ادنى حياء، مصحوبة بتفسيرات قشرية لا تستحق غير السخرية لكونها ليست بعيدة عن منهج الحرص على تدخير الذخائر وامكانيات قوة الردع لصالح الاهم من اولويات السياسة الامريكية.. الا وهي الحفاظ على الكيان الاسرائيلي حتى تجاوز ذلك على المصالح الامريكية ذاتها، مما دعا بعض الساسة في العالم وحتى بعض الاوساط الامريكية من اعضاء الكونكرس للقول: " بان الحرب التي تخوضها امريكا ضد ايران هي حرب بالانابة عن اسرائيل ليس الا."
في سياق ذلك توجب المطالعة على مجريات الصراعات الدائرة في اليمن، مع ان لها مدى تاريخيا مؤلما، ولكنها تعمقت بظهور الحوثيين بعد سقوط الدكتاتور الصغير " علي عبد الله صالح " .. ولم يلتفت لها احد لا من العرب ولا على الصعيد الدولي.. وتتوجب الاشارة هنا للتعليل هذا التفرج على كارثة اليمن واذا ما وضعناها في قائمة الدول العربية التي مازالت ترزح تحت ثقل التمزق مثل ليبيا ولبنان والسودان وسورية التي تعالجت الى حد ما، اما العراق فيخبأ له اخطر مصائب وشباك التمزق.. اذا ما بقيت اوضاع الحكم تسير على هذا المنوال المتداعي المقسم سلفاً بذريعة " المحاصصة " وفي خضم ما يحدث نجد مصيبة اليمن اكثر قساوة من غيرها، اذ تتقاسمه بالعمق الدول المحيطة به، فانه يظهر متماهياً بشعور او بعدمه مع استراتيجية اسرائيل الهادفة الى تمزيق كافة الدول المحيطة بها عربية وغير عربية، ويتصل هذا باليمن مباشرة فهو بلد قد مزق وعليه تتم تغذية هذه الحالة رغم كونها تنطوي على مخاطر، حيث ان بقاء التمزق اليمني من شأنه ان يضاعف دور الحوثيين المعادي بقوة للكيان الاسرائيلي وهذا يتجلى بالتصرف الامريكي غير المكترث في معالجة الوضع اليمني.. المعنى يفضل مخاطر الحوثيين على وحدة اليمن كونها تضرب الاستراريجة للكيان الاسرائيلي.. فهي تعد مفارقة خرقاء لان اولويات واشنطن ترجح وتتبنى المطامع الاسرائيلية بالمطلق .
وعقب هذا المخاض والنزف المتواصل في حرب الاخوة العرب اليمنيين الذين تململوا مؤخراً مع بعض الدول الصديقة كتركيا والباكستان وشرعوا بتشكل قوة رادعة ( حلف مكة ) بدوافع دينية وغير دينية كما يبدو، وفرها لهم القصف الايراني على مكة والمدينة المنورة.. الذي لم يزل غير متحرك وان تشكيله جاء متأخراً متأثراً بتخلي الولايات الامركية عن واجب حماية حلفائها كعادتها حينما تستشعر بمداهمة الخطر لمصالحها تتركهم على قارعة الطريق، و بالرغم من
دسامة موائدهم المليارية، لعل في ذلك قرصة اذن وانتباهة لصحبة أمريكا.







