
كيف يمكن لدولة أن تتحدث عن المستقبل الرقمي والذكاء الاصطناعي، بينما سبق لحكوماتها أن أضعفت إحدى المؤسسات الوطنية المعنية بالعلم والتكنولوجيا؟
إن الحديث عن إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي في العراق، إن صحّ التوجه نحو ذلك، يثير تساؤلات جوهرية تتجاوز أهمية الذكاء الاصطناعي ودوره في بناء الدول الحديثة. فالقضية ليست في رفض التطور العلمي أو التقليل من شأن التقنيات الحديثة، بل في مساءلة الأولويات الحكومية، ومدى اتساق القرارات مع بعضها، والجدوى الحقيقية من إنشاء مؤسسات جديدة في الوقت الذي جرى فيه تقليص دور مؤسسات علمية وتكنولوجية كانت قائمة وتمتلك خبرات وكفاءات وطنية.
فكيف يمكن لحكومات المحاصصة أن ترفع اليوم شعار الذكاء الاصطناعي بوصفه عنواناً للمستقبل، بينما شهدت مرحلة سابقة دمج وزارة العلوم والتكنولوجيا مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بموجب الأمر الديواني رقم (312) لسنة 2015، ثم ارتبطت إجراءات تنفيذ الدمج بقرار مجلس الوزراء رقم (87) لسنة 2016، خلال حكومة حيدر العبادي؟
إن هذه المفارقة تضع الحكومة أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: هل المشكلة في غياب المؤسسات العلمية، أم في غياب الرؤية السياسية التي تحمي هذه المؤسسات وتمنحها الاستقلالية والقدرة على أداء دورها الوطني؟
أولاً: عندما أُضعفت المؤسسة العلمية بدلاً من تطويرها
لم تكن وزارة العلوم والتكنولوجيا مجرد عنوان إداري يمكن حذفه من الهيكل الحكومي من دون أن تترتب على ذلك آثار علمية ومؤسسية. فالمؤسسات العلمية تُبنى عبر سنوات من تراكم الخبرات، وتطوير الكفاءات، وإنشاء شبكات العمل الفني، وتكوين قواعد معرفية قادرة على معالجة المشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع.
كان الأجدر، إذا كانت هناك ملاحظات على أداء الوزارة أو على كفاءة إدارتها، أن يجري إصلاحها وتطويرها، وإعادة تقييم برامجها، وربطها بأولويات التنمية الوطنية، بدلاً من التعامل مع الدمج الإداري وكأنه حل بحد ذاته.
إن دمج مؤسسة علمية متخصصة في مؤسسة أخرى لا يعني بالضرورة تحقيق التكامل العلمي، كما أن تقليص عدد الوزارات لا يمثل إنجازاً إدارياً إذا كان الثمن هو تراجع الاختصاصات، وتشتت المسؤوليات، وإضعاف القدرة على اتخاذ القرارات الفنية المستقلة.
كان من الممكن تطوير وزارة العلوم والتكنولوجيا لتكون مركزاً وطنياً للبحوث التطبيقية، والابتكار الصناعي، ونقل التكنولوجيا، ومعالجة المشكلات الفنية في قطاعات الكهرباء والمياه والزراعة والصناعة والبيئة، مع تعزيز تعاونها مع الجامعات ومراكز البحث العلمي.
لكن ما حدث يفتح باباً واسعاً للنقاش بشأن طبيعة القرارات الحكومية التي تعيد تشكيل المؤسسات من دون أن يكون واضحاً للرأي العام ما إذا كانت قد حافظت على قدراتها العلمية، أو ضمنت استمرار برامجها، أو حققت الأهداف التي سُوّغ بها الدمج.
ثانياً: تجربة عام 2014.. حين تحولت المشكلات المحلية إلى قضية وطنية
من التجارب التي تستحق التوثيق والتقييم ما قامت به وزارة العلوم والتكنولوجيا خلال عام 2014، بحسب ما تتيحه المعلومات المتعلقة بعملها آنذاك، من زيارات ميدانية إلى محافظات العراق، باستثناء إقليم كردستان، بهدف رصد المشكلات الفنية التي تواجه المحافظات، وجمعها، ودراسة إمكانات معالجتها بحلول علمية وطنية.
تكمن أهمية هذه التجربة في أنها نقلت العمل العلمي من حدود المختبرات والمكاتب الإدارية إلى الميدان، حيث تتجسد المشكلات الحقيقية التي يعاني منها المواطنون والمؤسسات الخدمية والإنتاجية.
فبدلاً من معالجة كل محافظة لمشكلاتها بمعزل عن المحافظات الأخرى، أتاح هذا النهج، من حيث المبدأ، فرصة لتجميع الاحتياجات المتشابهة، وتحديد المشكلات المشتركة، والاستفادة من الخبرات الوطنية في وضع حلول قابلة للتطبيق على نطاق أوسع.
إن جمع المشكلات الفنية للمحافظات في إطار وطني موحد يمثل خطوة مهمة نحو بناء قاعدة بيانات علمية وهندسية يمكن أن تستند إليها الخطط الحكومية، وتُحدَّد على أساسها أولويات البحث والتطوير، وتُوجَّه إليها الموارد العامة بعيداً عن الارتجال وتكرار الإنفاق.
وكان من شأن استمرار هذا النهج وتطويره أن يتيح للدولة امتلاك سجل وطني للمشكلات الفنية، مصنفاً بحسب القطاعات والمحافظات، مع تحديد الحلول المقترحة وكلفها والجهات المسؤولة عن تنفيذها، ثم متابعة نتائج التنفيذ وتقييمها.
هذه، في جوهرها، إحدى الوظائف التي ينبغي أن تؤديها المؤسسات العلمية الوطنية: أن تكون حلقة وصل بين احتياجات المجتمع والمعرفة المتخصصة، وأن تقدم للحكومة حلولاً قائمة على الأدلة والخبرة، لا على المصالح السياسية أو الحسابات الانتخابية.
من هنا، فإن السؤال المهم ليس فقط لماذا جرى دمج وزارة العلوم والتكنولوجيا، بل أيضاً: ماذا فعلت الدولة للحفاظ على هذه التجربة وتطويرها؟ وهل جرى استثمار ما جُمع من مشكلات واحتياجات فنية في برامج وطنية مستدامة؟ وأين أصبحت تلك الخبرات والبيانات والمقترحات بعد إعادة هيكلة الوزارة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستحق أن تكون جزءاً من أي نقاش جاد بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي في العراق.
ثالثاً: هل أزعج العمل الفني مصالح منظومة المحاصصة؟
ثمة قراءة سياسية تستحق البحث والتدقيق في أسباب تراجع المؤسسات الفنية المستقلة، ومفادها أن نجاح الجهات العلمية في تشخيص احتياجات المحافظات واقتراح حلول وطنية قد يتعارض مع مصالح شبكات سياسية تستفيد من ضعف التخطيط وتشتت المسؤوليات.
فحين تُحدَّد المشكلات على أساس فني، وتُرتَّب المشاريع وفق الأولويات الفعلية، وتُقدَّر الكلف وفق معايير واضحة، تصبح قرارات الإنفاق أكثر قابلية للمراجعة والمساءلة. وحين تتوافر قاعدة بيانات موحدة للمشروعات والاحتياجات، تتراجع مساحة الاجتهاد غير المنضبط، ويصبح من الأصعب تبرير المشاريع التي لا تستند إلى ضرورة حقيقية أو جدوى واضحة.
أما عندما تغيب الرؤية الوطنية المتكاملة، وتتوزع المسؤوليات بين مؤسسات متداخلة، وتُترك الأولويات للتجاذبات السياسية، فإن إدارة الموارد العامة تصبح أكثر عرضة للهدر وسوء التخصيص، وتزداد صعوبة معرفة الجهة التي تتحمل مسؤولية الإخفاق.
من هذا المنطلق، يمكن فهم المخاوف من أن يؤدي وجود مؤسسة علمية فاعلة، تمتلك رؤية وطنية للمشكلات الفنية في المحافظات، إلى تضييق المساحة المتاحة أمام بعض المصالح السياسية والاقتصادية غير المشروعة.
والسؤال المهم هنا هل أن مكاتب الأحزاب المنتشرة في المحافظات استخدمت نفوذها في توجيه بعض المشاريع أو التأثير في أولوياتها، وأن أي نظام فني أكثر شفافية قد يحد من تلك المصالح؟
إن خطورة المحاصصة لا تقتصر على تقاسم المناصب، بل تمتد إلى احتمال إخضاع المؤسسات العامة لموازين النفوذ السياسي، بما قد يضعف استقلال القرار العلمي ويجعل الكفاءة الفنية أقل تأثيراً من الاعتبارات الحزبية. وهذه مشكلة ينبغي أن تواجهها أي حكومة جادة في بناء دولة حديثة.
رابعاً: وزارة للذكاء الاصطناعي.. ما الذي سيتغير فعلياً؟
إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد شعار تقني حديث، ولا يتحقق بمجرد استحداث وزارة تحمل اسمه. فهو منظومة متكاملة تحتاج إلى بيانات موثوقة، وبنية تحتية رقمية، وكفاءات علمية وهندسية، وجامعات ومراكز بحثية فاعلة، وتشريعات تنظم الاستخدام، وضوابط لحماية الخصوصية والأمن السيبراني، وتمويل مستدام للبحث والتطوير.
كما أن تطبيقاته الأكثر أهمية للعراق ترتبط بمشكلات واقعية ومزمنة: إدارة المياه، وتحسين الزراعة، والتنبؤ بالأعطال في شبكات الكهرباء، وتطوير الخدمات الصحية، وتحليل البيانات الاقتصادية، ومكافحة الفساد من خلال تعزيز الشفافية وكشف الأنماط غير الطبيعية في الإنفاق، وتطوير الخدمات الحكومية.
لكن كل هذه التطبيقات تحتاج أولاً إلى مؤسسات علمية قادرة على تشخيص المشكلات، وجمع البيانات، والتحقق من جودتها، وتطوير الحلول المناسبة للبيئة العراقية.
هنا تظهر المفارقة بوضوح: إذا كانت الدولة قد قلّصت دور مؤسسة متخصصة في العلوم والتكنولوجيا، فما الأساس المؤسسي الذي ستقوم عليه وزارة جديدة للذكاء الاصطناعي؟ وهل ستبني على الخبرات الوطنية المتراكمة، أم ستبدأ من الصفر؟ وهل ستتولى تنسيق عمل المؤسسات القائمة، أم ستنشئ طبقة إدارية جديدة تتداخل صلاحياتها مع وزارات التعليم العالي والاتصالات والتخطيط والجهات البحثية؟
إن إنشاء وزارة جديدة قد يكون مفيداً إذا استند إلى دراسة جدوى واضحة، وصلاحيات محددة، وبرنامج وطني قابل للقياس، وآليات شفافة للمساءلة. لكنه قد يتحول إلى مجرد إعادة توزيع للمناصب والموارد إذا غابت هذه الشروط.
لذلك، فإن معيار النجاح ليس اسم الوزارة، ولا حداثة عنوانها، بل ما تحققه من نتائج ملموسة في حياة العراقيين، وما تضيفه إلى القدرات العلمية الوطنية، وما تقدمه من حلول للمشكلات التي طال انتظار معالجتها.
خامساً: المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في غياب الاستمرارية المؤسسية
إن الدول التي تتقدم علمياً لا تبني مستقبلها من خلال تغيير أسماء الوزارات مع كل مرحلة سياسية، بل من خلال الحفاظ على المؤسسات الفاعلة، وتراكم المعرفة، وتطوير الكفاءات، وربط البحث العلمي بحاجات الاقتصاد والمجتمع.
فالذكاء الاصطناعي نفسه لم يظهر من فراغ؛ إنه ثمرة عقود من التطور في الرياضيات والإحصاء وعلوم الحاسوب والهندسة والبحث العلمي. ومن الخطأ التعامل معه باعتباره بديلاً عن العلوم الأساسية والتطبيقية، أو باعتباره مشروعاً إدارياً منفصلاً عن بقية مؤسسات الدولة.
إذا أراد العراق بناء منظومة حقيقية للذكاء الاصطناعي، فإن البداية الصحيحة تتمثل في مراجعة ما يمتلكه من قدرات علمية، واستعادة الخبرات التي جرى تهميشها، وتقييم مصير البرامج والمشروعات التي كانت تنفذها وزارة العلوم والتكنولوجيا، والاستفادة من الباحثين والمهندسين العراقيين داخل البلاد وخارجها.
كما ينبغي إجراء مراجعة مؤسسية مستقلة لقرار الدمج، تشمل أهدافه المعلنة، والنتائج التي تحققت بعد تنفيذه، ومدى الحفاظ على الاختصاصات الفنية والمختبرات والكوادر والمشروعات البحثية. ويجب أن تكون نتائج هذه المراجعة متاحة للرأي العام، حتى لا تتحول القرارات الكبرى إلى إجراءات إدارية تُتخذ ثم تُنسى من دون محاسبة أو تقييم.
من حق العراقيين أن يعرفوا: هل أدى الدمج إلى تحسين الأداء العلمي؟ وهل انخفضت التكاليف فعلاً من دون المساس بالاختصاصات؟ وهل استمرت البرامج الوطنية في معالجة المشكلات الفنية للمحافظات؟ وإذا لم تتحقق الأهداف المعلنة، فمن المسؤول عن ذلك؟
هذه ليست أسئلة للماضي وحده، بل هي شروط ضرورية لمنع تكرار الأخطاء نفسها في أي مشروع علمي جديد.
سادساً: ما الذي ينبغي فعله قبل التفكير في وزارة جديدة؟
إن بناء مستقبل علمي للعراق يتطلب الانتقال من منطق استحداث المؤسسات إلى منطق بناء القدرات والنتائج. ويمكن تحقيق ذلك عبر خطوات عملية واضحة:
1. إجراء مراجعة وطنية لتجربة وزارة العلوم والتكنولوجيا: توثيق إنجازاتها وبرامجها وكفاءاتها ومصير اختصاصاتها بعد الدمج، مع تقييم موضوعي للأسباب والنتائج.
2. استعادة الخبرات العلمية الوطنية: حصر الكفاءات والقدرات البحثية المتاحة، وتحديد ما يمكن إعادة تفعيله من مختبرات ومراكز ومشروعات، بعيداً عن الاعتبارات الحزبية.
3. إحياء مشروع معالجة المشكلات الفنية للمحافظات: تحديث البيانات التي جُمعت خلال عام 2014، إن كانت محفوظة ومتاحة، والتحقق من صلاحيتها، ثم تحويلها إلى قاعدة وطنية للمشكلات الفنية والحلول المقترحة والمشروعات ذات الأولوية.
4. وضع استراتيجية وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي: ربطها بقطاعات الدولة المختلفة، وتحديد أهداف قابلة للقياس، ومؤشرات أداء معلنة، وجداول زمنية، وموازنات واضحة، وآليات مستقلة للرقابة والتقييم.
5. ضمان استقلال القرار الفني: إبعاد التعيينات والقرارات البحثية وتحديد أولويات المشاريع عن المحاصصة الحزبية، وإخضاع الإنفاق العام لمعايير الكفاءة والشفافية والجدوى الاقتصادية.
6. تحديد الحاجة الحقيقية إلى وزارة مستقلة: دراسة البدائل المؤسسية المتاحة، بما فيها تطوير المراكز الوطنية القائمة وتعزيز التنسيق بين الوزارات والجامعات، قبل استحداث كيان جديد قد يضيف أعباء إدارية من دون قيمة مضافة حقيقية.
إن العراق لا يحتاج إلى وزارة تحمل اسماً عصرياً بقدر حاجته إلى دولة تحترم العلم، وتحمي مؤسساته، وتمنع هدر خبراته، وتضع المعرفة في خدمة المواطن.
الخاتمة: لا مستقبل للذكاء الاصطناعي من دون احترام العلم الذي سبقه
إن المفارقة التي تستحق الوقوف عندها هي أن الدولة التي تتطلع اليوم إلى مواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي هي نفسها التي أعادت في عام 2015 هيكلة وزارة العلوم والتكنولوجيا ودمجها بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في إطار إجراءات تقليص وإعادة تنظيم الجهاز الحكومي خلال حكومة حيدر العبادي.
ولا يكفي اليوم إعلان الطموحات الرقمية لتجاوز الأسئلة التي يثيرها ذلك القرار. فالمؤسسات العلمية ليست أعباءً مالية ينبغي التخلص منها عند أول مراجعة إدارية، بل هي استثمارات وطنية في العقول والخبرات والقدرة على حل المشكلات.
أما ما يتعلق باحتمال أن تكون مصالح بعض القوى السياسية قد أسهمت في إضعاف الوزارة أو إنهاء استقلالها، فهو ملف يستحق التحقيق والتوثيق، ولا يجوز إغلاقه بالتجاهل، كما لا يصح حسمه باتهامات لا تسندها الأدلة.
إن المطلوب ليس رفض الذكاء الاصطناعي، بل رفض تحويله إلى عنوان جديد للمحاصصة. وليس المطلوب استعادة الماضي كما كان، بل استخلاص دروسه، والحفاظ على الخبرات الوطنية، وبناء مؤسسات علمية مستقلة وفاعلة.
فالدولة التي تلغي أو تدمج مؤسساتها العلمية من دون تقييم شفاف لنتائج ذلك، ثم تتحدث عن قيادة المستقبل التكنولوجي، مطالبة أولاً بأن تجيب عن سؤال بسيط: كيف نبني مستقبلاً علمياً متقدماً إذا لم نحافظ على المؤسسات والخبرات التي تمثل أساس هذا المستقبل؟
إن الذكاء الاصطناعي لا يبدأ باستحداث وزارة، بل يبدأ بعقل علمي حر، ومؤسسة وطنية كفوءة، وقرار سياسي يؤمن بأن المعرفة ملك للشعب، وأن المال العام يجب أن يُنفق لخدمته، لا لخدمة شبكات النفوذ والمصالح الضيقة.







