
مما دفع كاتب السطور إلى الكتابة هو ظاهرة اندفاع جمهور من الناخبين كانوا بالأمس لا تعنيهم من يفوز في الأنتخابات البرلمانية السويدية بل وكانوا معتكفين في بيوتهم ولا يكترثون بمن يفوز ولكنهم اندفعوا افواجا صوب صناديق الأقتراع لنصرة حزب اليسار السويدي والذي يشار له بالحرف V واغلب هؤلاء من المهاجرين وفي مقدمتهم من القارة السمراء.
وفي دورات انتخابية سابقة لم يكن هناك نصير لحزب اليسار V كما هو الآن، فهل أدرك هؤلاء قيمة اليسار ام انهم استجابوا انفعاليا وخوفا من توجهات اليمين في قضايا الهجرة وتشديد القيود حول الحصول على الأقامة وشروطها وغيرها من اشتراطات العيش في السويد وفي مقدمتها شرط اللغة والأندماج والعمل.
فهل أنصار حزب اليسار السويدي اليوم في الأنتخابات يدركون ماذا يفعلون بعقل يساري ام انها موجة من التمرد على قيم الديمقراطية ستزول حال زوال المصالح الآنية وتترك اليسار يتيما في الدورات الأنتخابية القادمة؟.
يشتد الصراع بين قوى اليمين واليسار في أوربا ليست على خلفيات أيديولوجية فكرية بحتة بل على خلفية برامج انتخابية وليست بالضرورة تعكس تفاوت واختلاف في الأفكار بل على خلفية ردود أفعال لسياسات سابقة، حيث أنتماء المواطن الأوربي للأفكار هو أنتماء نسبي قياسا بأنتماء المواطن في العالم الآخر " الشرقي أو العالم الثالث " حيث يقترب انتماء الأخير من القدسية في الأنتماء للأفكار والعقائد مما يحجب عنه مرونة تطبيق الأفكار مع الواقع المتغير.
لم تعد الخريطة السياسية في العالم كما كانت في القرن العشرين. فاليسار التقليدي، الذي استند إلى الطبقة العاملة والصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية، يواجه تحديات جديدة فرضتها العولمة، وتراجع بعض أشكال التنظيم النقابي، وتحولات سوق العمل، وصعود الفردانية.
وفي المقابل، لم يعد اليمين المتطرف يعتمد حصراً على الخطاب القومي التقليدي، بل باتت بعض تياراته توظف المخاوف الاقتصادية والهواجس الثقافية وقضايا الهوية والهجرة لتوسيع قاعدتها الاجتماعية والسياسية.
لكن التحول لا يقتصر على اليسار واليمين؛ فالمجتمعات نفسها تغيرت، وتغيرت معها أولويات الناخبين ومصادر قلقهم وتصوراتهم عن الدولة والحرية والعدالة والأمن.
المشكلة ليست في أن اليسار أصبح قديماً أو أن اليمين أصبح جديداً، بل في قدرة القوى السياسية على فهم الإنسان المتغير ومشكلاته الجديدة.
فاليسار الذي يكتفي باستعادة شعارات الماضي قد يفقد صلته بجزء من المجتمع، واليمين الذي يستثمر الخوف والقلق قد يجد فيهما وسيلة للتعبئة السياسية. وبينهما تتشكل اتجاهات جديدة لا يمكن فهمها بالتصنيفات التقليدية وحدها.
إن السياسة اليوم تحتاج إلى مراجعة فكرية تتجاوز الجمود الأيديولوجي، من دون التخلي عن المبادئ الإنسانية الأساسية، مثل العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية.
فليس المطلوب أن يتخلى اليسار عن العدالة، ولا أن تتحول القوى المحافظة إلى تطرف، بل أن تُختبر الأفكار والمشروعات السياسية بقدرتها على فهم الواقع والاستجابة لمشكلاته، واحترام حقوق الإنسان والتعددية الديمقراطية.
لقد تغير العالم، وتغير الإنسان، وتغيرت السياسة؛ والسؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الأيديولوجيات أن تتجدد من دون أن تفقد هويتها، أم أنها ستبقى أسيرة صراعات الماضي؟
ومن زاوية علم النفس السياسي يمكن تعميق هذه الفكرة من خلال ثلاثة أسئلة:
سيكولوجيا اليسار: لماذا قد يفقد حزب يدافع عن العدالة الاجتماعية قدرته على التواصل مع فئات اجتماعية كانت قريبة منه؟
سيكولوجيا اليمين المتطرف: كيف تتحول مشاعر الخوف من المستقبل والقلق على الهوية إلى مواقف سياسية؟
سيكولوجيا الناخب المعاصر: هل أصبح الناخب أقل ارتباطاً بالانتماء الطبقي والأيديولوجي، وأكثر تأثراً بالأمن الاقتصادي والهوية والثقة بالسياسيين؟
والأهم أن هذه التحولات لا تعني اختفاء اليسار أو اليمين، بل تعني أن الحدود بينهما قد أصبحت أكثر تعقيداً، وأن بعض الأحزاب تجمع بين مواقف اقتصادية واجتماعية لا تنسجم تماماً مع التصنيفات التقليدية.
فاليسار ليس مقدساً لمجرد أنه يرفع شعار العدالة الاجتماعية، واليمين ليس متطرفاً لمجرد أنه محافظ؛ وإنما ينبغي التمييز بين المبادئ والممارسات، وبين الاختلاف الفكري والتعصب الأيديولوجي.
وربما يمكن اختصار ذلك في عبارة فلسفية:
«حين يتغير المجتمع، تصبح مراجعة الأفكار ضرورة، ويصبح التمسك بالمسميات القديمة من دون نقد نوعاً من الجمود الفكري». اليسار لم يدعي القدسية مطلقا بل من اضفى القدسية عليه هم من أنتموا أليه على نسق الأنتماء او اعتناق الأديان وقد رأوا فيه عقيدة وليست فكرا يستجيب لظروف الحياة المتغيرة.
أن الفوارق التقليدية بين اليسار واليمين في أوربا بدأت تتآكل تدريجياً وتتداخل او يمكن القول هنا" لا اليمين يمينا ولا اليسار يسارا "، وتحولت الأيديولوجيات إلى مساحات أكثر مرونة أو ضبابية.
وأن ملامح التغير في المشهد السياسي الحديث هي:
براغماتية المصالح بدل الأيديولوجيا الصلبة: التخلي عن المبادئ الحزبية الكلاسيكية لصالح الاستجابة السريعة للشارع وتحقيق المكاسب الانتخابية القصيرة الأجل.
تقاطع المواقف: تبني أحزاب اليسار لسياسات أمنية وهجرة صارمة كانت حكراً على اليمين سابقاً، وفي المقابل، تَبَنِّي اليمين لخطابات دعم الدولة الاجتماعية لحماية الطبقات العاملة.
صعود التيارات الشعبوية: ظهور حركات سياسية تتجاوز التصنيفات التقليدية وتعتمد على ثنائية "الشعب في مواجهة النخبة" بغض النظر عن الجذور اليسارية أو اليمينية.
تآكل الثقة في المؤسسات: تراجع الانتماء الحزبي التقليدي لصالح ولاءات متغيرة مرتبطة بقضايا محددة مثل المناخ، الاقتصاد، أو الهوية الوطنية.
أن جوهر التحول الحالي؛ فكرة "الذوبان" أو التقارب التكتيكي بين المعسكرين أصبحت سمة بارزة في السياسات الأوربية المعاصرة. فعندما تتلاشى الحدود الفاصلة، نرى انعكاسات واضحة على المشهد العام:
ضبابية الاختيار للناخب: لم يعد المواطن قادراً على تمييز ما يمثله حزبه المفضل بوضوح، لأن البرامج الانتخابية أصبحت متشابهة إلى حد كبير في جوهرها التنفيذي وإن اختلف الشكل والخطاب.
البراغماتية المطلقة: الأحزاب باتت تتبنى سياسات الطرف الآخر متى ما شعرت أنها ستجلب لها أصواتاً إضافية، بغض النظر عن تاريخها أو مبادئها المؤسسة.
غياب الرؤى الجذرية: بدل تقديم بدائل حقيقية ومختلفة للمستقبل، أصبحت السياسة تدور حول "إدارة الأزمات" بشكل متطابق تقريباً، مما يخلق شعوراً بأن التغيير عبر صناديق الاقتراع لم يعد يحدث فرقاً جوهرياً.
أن الانتقال من "الكلاسيكية" (بأدلجتها الصارمة وحدودها الواضحة) إلى "الواقعية" (أو البراغماتية العملية) يفسر لماذا تبدو السياسة اليوم وكأنها إدارية بحتة أكثر من كونها صراع رؤى ومشاريع مجتمعية.
يمكن تلخيص هذا الانتقال في عدة نقاط أساسية:
من العقيدة إلى إدارة الأمر الواقع: الكلاسيكية السياسية كانت تقوم على مبادئ كبرى وثابتة (اشتراكية مطلقة، ليبرالية مطلقة)، بينما الواقعية تتعامل مع الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية بمنطق "ما ينجح الآن" بغض النظر عن لونه الحزبي.
التكيف مع تعقيدات العصر: العولمة، الأزمات المالية، والتحولات الرقمية السريعة جعلت الأيديولوجيات القديمة عاجزة عن تقديم حلول جاهزة، مما فرض لغة الأرقام والمصالح والحلول المؤقتة.
البراغماتية كضرورة بقاء: الأحزاب التي ترفض هذا الانتقال وتتمسك بالنقاوة الأيديولوجية الكلاسيكية غالباً ما تُعزل انتخابياً، لأن الناخب المعاصر بات يميل للنتائج الملموسة لا للشعارات النظرية.
لكن، رغم واقعية هذا الطرح، يبرز السؤال الأزلي: هل تفقد السياسة روحها وجاذبيتها عندما تحبَس نفسها في إطار الواقعية البحتة دون أفق مستقبلي أو حلم كبير؟
هذا التوصيف بـ "إلغاء المسافات بين الألوان السياسية" يلخص النتيجة الحتمية لتحول السياسة نحو الواقعية؛ حيث تتحول اللوحة السياسية من ألوان صريحة ومتباينة (أحمر، أزرق، أسود) إلى درجة واحدة غائمة من اللون الرمادي.
إلغاء هذه المسافات يترتب عليه واقع جديد يتميز بالآتي:
هيمنة "المركز السياسي" الموحد: تصبح السياسات والاقتصادات محكومة بمنطق واحد لا يختلف كثيراً باختلاف الحزب الحاكم، وتتحول الخلافات إلى مجرد اختلافات في "طريقة الإدارة" لا في "الرؤية والهدف".
انتقال الصراع إلى الهوية والثقافة: عندما تختفي الفروق الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية بين الأحزاب، تتحول المعارك السياسية إلى قضايا الهوية، الثقافة، والشعارات الأخلاقية لتعويض غياب التمايز الحقيقي.
هذا التوصيف بـ "إلغاء المسافات بين الألوان السياسية" يلخص النتيجة الحتمية لتحول السياسة نحو الواقعية؛ حيث تتحول اللوحة السياسية من ألوان صريحة ومتباينة (أحمر، أزرق، أسود) إلى درجة واحدة غائمة من اللون الرمادي.
إلغاء هذه المسافات يترتب عليه واقع جديد يتميز بالآتي:
صعود "غير المحزّبين" والمستقلين: يشعر الناخب أن الأحزاب التقليدية أصبحت وجوهاً لعملة واحدة، مما يدفع الشارع نحو البحث عن حركات من خارج المنظومة أو شخصيات مستقلة لا تنتمي لأي من الألوان المألوفة.
تراجع المشاركة السياسية: قد يؤدي الشعور بغياب البديل الحقيقي إلى عزوف قطاعات واسعة من الناس عن الاقتراع، لشعورهم أن النتيجة ستكون واحدة بغض النظر عن الفائز.
إلغاء المسافات قد يمنح النظام السياسي مرونة واستقراراً ظاهرياً في إدارة الأزمات، لكنه على المدى الطويل يفرغ الديمقراطية من معناها القائم على وجود أفكار ورؤى متنافسة تُتاح للناس المفاضلة بينها.
أصبح فهم السلوك الانتخابي يتطلب النظر إلى عوامل متعددة، منها:
الأوضاع الاقتصادية ومستوى المعيشة.
الشعور بالأمان والاستقرار.
الهوية الثقافية والوطنية.
الثقة بالأحزاب والمؤسسات.
الفجوة بين الوعود السياسية والنتائج الفعلية.
وقد ينتقل الناخب من حزب إلى آخر، ليس لأنه غيّر جميع قناعاته، بل لأن قضية معينة أصبحت أكثر أهمية بالنسبة إليه، أو لأنه فقد الثقة بقدرة حزبه السابق على تحقيق وعوده.
إن التحول السياسي لا يعني بالضرورة موت الأيديولوجيات، بل قد يعني إعادة تشكيلها. وربما يكون التحدي الأكبر أمام الأحزاب المعاصرة هو قدرتها على التوفيق بين هويتها الفكرية المتوارثة والواقع الاجتماعي المتغير.
السؤال الذي يستحق أن نختم به هو:
هل نحتاج اليوم إلى يسار جديد ويمين جديد، أم نحتاج إلى طريقة جديدة في التفكير السياسي تتجاوز التعصب الأيديولوجي، من دون أن تتخلى عن العدالة الاجتماعية والحريات الديمقراطية؟
يواجه اليسار الأوروبي أسئلة تتعلق بكيفية الجمع بين العدالة الاجتماعية، وحماية دولة الرفاه، والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وقضايا الهجرة والهوية الوطنية.
ومن منظور علم النفس السياسي، يمكن فهم بعض أزماته من خلال التوتر بين الهوية التاريخية للحزب وتوقعات الناخب المعاصر. فالناخب الذي يبحث عن الأمان الاقتصادي قد لا يكتفي بخطاب نظري عن المساواة، بل يريد أن يرى أثر السياسات في الأجور والسكن والعمل والخدمات العامة.
وهنا يصبح تجديد اليسار مسألة فكرية وتنظيمية، لا مجرد تغيير في الشعارات.
أما بالنسبة "لجاذبية اليمين " فلا يمكن تفسير دعم اليمين والمتطرف منه بشكل خاص بعامل واحد. فقد تتداخل المخاوف الاقتصادية، والهواجس المتعلقة بالهجرة، والشعور بفقدان السيطرة، وعدم الثقة بالمؤسسات السياسية. ويستطيع الخطاب الذي يقدم إجابات بسيطة عن مشكلات معقدة أن يمنح بعض الناخبين شعوراً بالوضوح والانتماء. لكن هذا لا يعني أن جميع مؤيديه يتصرفون بدافع نفسي واحد، أو أن كل موقف محافظ يمثل تطرفاً.
يمكن أن نفهم التحولات الأوروبية من خلال ثلاثة أنماط:
أزمة التمثيل: شعور بعض المواطنين بأن الأحزاب لا تعبّر عن احتياجاتهم اليومية.
أزمة الثقة: اتساع المسافة بين الوعود الانتخابية والنتائج التي يلمسها المواطن.
أزمة الهوية: التوتر بين الانتماءات الوطنية والثقافية والاجتماعية في مجتمعات متغيرة.
هذه الأزمات لا تخص اليسار وحده ولا اليمين وحده؛ بل قد تواجهها أحزاب من اتجاهات مختلفة، وإن اختلفت أسبابها ونتائجها من بلد إلى آخر.
ومع كل هذا فأن الأنسان يحتاج إلى الانتماء الأيديولوجي أذ لا يعيش الإنسان في فراغ فكري واجتماعي. فهو يبحث عن تفسير للعالم، وعن منظومة قيم تساعده على التمييز بين العدل والظلم، وعن جماعة يتقاسم معها تطلعاته ومخاوفه، وأهم وظائف الأنتماء هي:
وظيفة معرفية: توفير إطار لتفسير الأحداث السياسية والاجتماعية.
وظيفة هوياتية: منح الفرد شعوراً بأنه يعرف من هو، وإلى أي جماعة ينتمي.
وظيفة اجتماعية: بناء روابط الصداقة والتضامن والتعاون.
وظيفة أخلاقية: ربط النشاط السياسي بقيم مثل العدالة والمساواة والحرية.
وظيفة نفسية: تخفيف الشعور بالعزلة والعجز أمام تعقيدات الواقع.
هذه الوظائف ليست سلبية في ذاتها. فالانتماء قد يشجع المشاركة السياسية والتضامن والعمل من أجل الصالح العام. لكن المشكلة تبدأ عندما يتوقف الفرد عن التعامل مع أيديولوجيته باعتبارها مجموعة أفكار قابلة للفحص والمراجعة، ويبدأ في التعامل معها بوصفها حقيقة مكتملة لا يجوز التشكيك فيها.







