
مع اقتراب موعد انتخاب مدير عام جديد لمنظمة العمل الدولية، تجد أقدم مؤسسة دولية معنية بقضايا العمل نفسها أمام اختبار بالغ الحساسية. فالمعركة لا تدور فقط حول الشخص الذي سيتولى قيادة المنظمة، بل تمتد إلى مستقبل استقلاليتها وقدرتها على الدفاع عن حقوق ملايين العمال في عالم تتزايد فيه ضغوط العولمة والمنافسة الاقتصادية . ومنذ تأسيسها عام 1919، في أعقاب الحرب العالمية الأولى وبموجب معاهدة فرساي، اضطلعت منظمة العمل الدولية بمهمة وضع قواعد دولية للعمل تحول دون تحويل انخفاض الأجور وضعف الحماية الاجتماعية إلى أدوات للمنافسة بين الدول. وقد اختارت المنظمة منذ البداية نموذجًا غير مألوف في المؤسسات الدولية، يقوم على ما يعرف بـ ”الثلاثية"، أي مشاركة الحكومات وأصحاب العمل والعمال في صياغة معايير العمل الدولية. وبعد أن أصبحت عام 1946 وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، حافظت المنظمة على موقعها الفريد باعتبارها المؤسسة الدولية الوحيدة التي تجمع رسميًا ممثلي الحكومات والشركاء الاجتماعين في 187 دولة .
عندما تتحول العولمة إلى سباق نحو الأدنى
أدت العولمة الاقتصادية إلى توسيع نطاق المنافسة بين الدول والشركات، وأصبح نقل الإنتاج إلى البلدان التي تتميز بانخفاض الأجور وضعف الحماية الاجتماعية خيارًا متاحًا أمام العديد من الشركات. وفي ظل هذه المعادلة، يجد العمال أنفسهم في منافسة عابرة للحدود، بينما تتعرض الدول لضغوط مستمرة لتقليل كلفة العمل وجعل اقتصاداتها أكثر جذبًا للاستثمارات . وهنا تبرز أهمية منظمة العمل الدولية، التي يفترض أن تمنع تحول هذه المنافسة إلى سباق نحو خفض الحقوق الاجتماعية. غير أن المنظمة نفسها باتت تواجه أزمة مالية وسياسية تهدد قدرتها على أداء هذا الدور.
انتخابات تحت ضغط المال والسياسة
تأتي انتخابات المدير العام، المقررة في 16 نوفمبر/تشرين الثاني، في وقت تتعرض فيه المنظمة لضغوط على مواردها واستقلاليتها. ويتكون المجمع الانتخابي من 56 عضوًا: 28 يمثلون الحكومات، و14 يمثلون أصحاب العمل، و14 يمثلون العمال. وتمنح هذه التركيبة الحركة النقابية حضورًا استثنائيًا داخل مؤسسة دولية، لكنها تجعل التوازنات السياسية والدعم الذي يستطيع كل مرشح جمعه من الحكومات وأصحاب العمل عاملًا حاسمًا في تحديد النتيجة. وفي هذه الانتخابات، تتقاطع المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة واضحة، فيما يطرح كل مرشح رؤيته لمستقبل المنظمة وطريقة تعاملها مع أزمتها المالية.
هونغبو يدافع عن حصيلة ولايته
يدخل المدير العام المنتهية ولايته، التوغولي جيلبير هونغبو، السباق مستندًا إلى مجموعة من الإنجازات التي تحققت خلال ولايته. فقد شهدت المنظمة اعتماد اتفاقيات جديدة تتعلق بالمخاطر البيولوجية والعمل عبر المنصات الرقمية، وهما ملفان يعكسان التحولات التي يشهدها عالم العمل. كما لجأت المنظمة، بمبادرة من هونغبو، إلى محكمة العدل الدولية، في خطوة ساهمت في تأكيد حماية الحق في الإضراب، بعدما كان هذا الحق موضع نزاع مع ممثلي أصحاب العمل. لكن هذه الإنجازات لا تحجب الأزمة المالية التي واجهت المنظمة خلال الفترة الأخيرة. وقد أدت المتأخرات المالية المستحقة على إدارة ترامب،
إلى تقليص الموارد المتاحة للمنظمة، في وقت تحتاج فيه إلى تمويل أكبر لوضع معايير جديدة ومراقبة تنفيذ الاتفاقيات القائمة. وتساهم الولايات المتحدة بنحو 22 في المئة من الميزانية العادية للمنظمة، ما يمنحها ورقة ضغط قوية على مؤسسة يفترض أن تتمتع باستقلالية في تحديد قواعد العمل الدولية . وتزداد التساؤلات مع تحركات هونغبو الأخيرة لإسناد منصب استراتيجي إلى مسؤول أمريكي، إذ يخشى منتقدوه أن يكون استعادة التمويل الأمريكي مرتبطًا بتنازلات سياسية قد تؤثر في استقلال المنظمة.
دياز: الدفاع عن الحقوق مع البحث عن المال
في الجهة المقابلة، تخوض وزيرة العمل الإسبانية يولاندا دياز السباق بطرح أكثر ارتباطًا بالإصلاح الاجتماعي والدفاع عن استقلالية المنظمة. وتعارض دياز نهج التقارب مع الولايات المتحدة الذي اتبعه هونغبو، كما تنتقد طريقة إدارة الأزمة المالية. وتحظى بدعم الحكومة الإسبانية ونقابتي "لجان العمال" (CCOO) و"الاتحاد العام للعمال" (UGT).. وتراهن دياز على تجربتها داخل الحكومة الإسبانية، خصوصًا في مجال رفع الحد الأدنى للأجور وإصلاح سوق العمل من خلال التفاوض مع النقابات وأصحاب العمل . لكن المفارقة أن دياز نفسها تبحث عن مصادر جديدة لتمويل المنظمة، وتقترح إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص. وهي ترى أن مثل هذه الشراكات يمكن أن تساعد المنظمة على تجاوز أزمتها المالية، لكنها تشدد على ضرورة ألا تتحول مساهمات الشركات إلى نفوذ مباشر على المعايير والقواعد التي تضعها المنظمة. السؤال: كيف يمكن لمنظمة تدافع عن استقلالية معايير العمل أن تعتمد في الوقت نفسه على أموال قد تمنح الجهات الممولة نفوذًا على قراراتها ؟
مرشح بيرو يراهن على منطق الاستثمار
أما وزير العمل البيروفي السابق خافيير غونزاليس-أولايتشيا فرانكو، فيدخل السباق من زاوية مختلفة، مستندًا إلى خبرته في عالم الأعمال. ويرى فرانكو أن فهم آليات خلق الثروة والاستثمار وفرص العمل ضروري لإدارة منظمة العمل الدولية، وينتقد منافسته دياز معتبرًا أنها لا تمتلك، بحسب رأيه، فهمًا كافيًا لمتطلبات أصحاب العمل. ويحظى فرانكو بدعم الحكومة البيروفية، لكنه يواجه معارضة من الحركة النقابية، حتى داخل بلاده، في مؤشر على صعوبة الجمع بين المصالح الاقتصادية ومطالب الحركة العمالية داخل منظمة تقوم أساسًا على التوازن بين الطرفين.
الرهان الحقيقي: من يملك قواعد اللعبة؟
وراء هذه المنافسة الانتخابية، يبرز سؤال أكبر بكثير من هوية المدير العام المقبل: ما الدور الذي ينبغي أن تلعبه منظمة العمل الدولية في اقتصاد عالمي تتزايد فيه قوة الشركات وتتراجع فيه الحدود التقليدية لسوق العمل؟
بالنسبة إلى العمال والنقابات، لا يتعلق الأمر بمنصب إداري فحسب. فاتفاقيات منظمة العمل الدولية ومعاييرها تمثل أدوات قانونية وسياسية يمكن استخدامها للدفاع عن الحق في التنظيم النقابي والإضراب وتحسين ظروف العمل وانتزاع الإصلاحات الاجتماعية. ولهذا فإن إضعاف المنظمة يعني، بالنسبة إلى الحركة العمالية، فقدان جزء من الأدوات التي تسمح لها بمواجهة اختلال ميزان القوى مع أصحاب العمل والحكومات. وفي المقابل، فإن اعتماد المنظمة بشكل متزايد على التمويل الخارجي، سواء من الحكومات أو القطاع الخاص، يفتح الباب أمام سؤال جوهري حول استقلالية القرار: هل تستطيع منظمة العمل الدولية أن تضع قواعد ملزمة وعادلة إذا كانت مواردها المالية معرضة للضغط من الجهات التي يفترض أن تخضع بعض ممارساتها لهذه القواعد؟
إن انتخابات المدير العام المقبلة تبدو، في نهاية المطاف، أكثر من مجرد منافسة بين ثلاثة مرشحين. إنها اختبار لقدرة منظمة العمل الدولية على الحفاظ على الدور الذي أنشئت من أجله قبل أكثر من قرن: منع تحويل العمل والحقوق الاجتماعية إلى سلعة في سباق عالمي نحو خفض التكاليف.
وفي عالم تتسع فيه أشكال العمل غير المستقر، وتتغير فيه طبيعة العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وتزداد فيه قوة الشركات العابرة للحدود، قد يكون مستقبل المنظمة مرتبطًا بقدرتها على الإجابة عن سؤال بسيط في صياغته، لكنه بالغ التعقيد في نتائجه: من يضع قواعد سوق العمل العالمي، ولصالح من؟
المصدر : لوموند دبلوماتيك –تشرين اول 2026







