كان ذلك الافتتاح الأول، والتجربة الأولى لفرقة السومريات في مدينة سان دييغو في كاليفورنيا، ولهذا كان لا بدّ من أن تكون اللمسات الأخيرة على قدر الحلم، وأن يأتي التمرين الأخير متقنًا، والموسيقيون في كامل جاهزيتهم، وأجهزة الصوت مهيّأة كي تؤدي مهمتها في تحرير أصوات السومريات، وهنّ ينشدن ألحان وأغاني وادي الرافدين، وينثرن الحب والدفء والجمال السومري في فضاء القاعة.

كان عليهنّ أن يعبرن حاجز الرهبة أمام جمهور عراقي غفير، ملأ جميع مقاعد القاعة، وجاء من بنات وأبناء الجالية العراقية مترقبًا، بشوق واعتزاز، إطلالة هذه المجموعة الموهوبة والمثابرة والجريئة من السومريات.

وبكلمات ترحيب رقيقة، جميلة كجمال تلك الأمسية، تقدمت سومريتان إلى المنصة؛ رحّبت الأولى بالجمهور، وقدّمت الثانية الأستاذ الفنان فؤاد ساوا، قائد ومدرّب الفرقة، الذي كان لجهوده ونشاطه والتزامه وخبرته الفنية الغنية الفضل الكبير في ولادة هذا المولود السومري الجميل. ثم تولّى قائد الفرقة تقديم الموسيقيين، ممهدًا الطريق أمام أول اختبار فني وتراثي عراقي تخوضه هذه الفرقة الفتية وفي هذه الولاية.

في صفّين أنيقين، وقفت السومريات بشموخ ورقّة، ليؤكّدن عبر اللحن والكلمة والوتر أن العراقيين، أينما حلّوا، ومهما واجهتهم من صعاب وتحديات، يظلون أوفياء لتاريخهم وتراثهم، ومشدودين إلى انتمائهم العميق لسومر وبابل ووادي الرافدين.

لقد انتزعت السومريات تصفيقًا حارًا من جمهور الحاضرين، الذي لم يكتفِ بالإصغاء والمتابعة، بل أبى إلا أن يشارك في الغناء، ويتفاعل بالتصفيق والهتاف في أكثر من لحظة. ولم يكن مفاجئًا أن نلمس ذلك الدفء وتلك الروحية العالية في الأداء، فقد جاءت الأغاني والألحان المختارة بعناية، حاملةً نبض التراث العراقي، وقادرةً على ملامسة وجدان العراقيين وشغفهم العميق بموسيقاهم وذاكرتهم.

وكما أشار الزميل فاروق كنا، فإن مشروعًا كهذا يمتلك كل مقومات النجاح والاستمرار، ولذلك فهو يستحق الدعم والرعاية والتطوير، سواء من خلال توسيع عدد المشاركات الموهوبات، أو عبر السعي لأن تعكس الفرقة فسيفساء وادي الرافدين بكل تنوعها وجمالها. فهذا المولود السومري الجميل ينبغي أن يكبر ويستمر، ليصبح علامة مميزة في المهجر الأمريكي، وليحتل مكانته اللائقة بين الجاليات المتنوعة التي تعيش في الولايات المتحدة.

بأبناء وبنات جاليتنا العراقية، الذين حضروا إلى قاعة كلية كويوماكا ليشهدوا افتتاح الموسم الأول لفرقة السومريات، وليستمتعوا بأدائها المفعم بالحنين والجمال. وكانت قلوب السومريات ومشاعرهن تترقب ردود فعل الجمهور، فإذا بالقاعة تهتز بالتصفيق والإعجاب، احتفاءً بالموسيقى واللحن والأداء الجميل.

استمر هذا العرس السومري قرابة ساعتين، امتزجت فيه الأغنية بالذاكرة، والحنين بالفرح، والتراث بروح المهجر. وفي الختام، قُدّمت الزهور إلى الفنان القدير فؤاد ساوا وإلى عضوات فرقة السومريات، عربون محبة وامتنان، وأملًا بلقاءات كثيرة قادمة، تواصل فيها السومريات نثر ألحان وادي الرافدين في سماء الغربة.

٢٥ حزيران ٢٠٢٦