
ستوكهولم: طريق الشعب
احتفت الجمعية المندائية في ستوكهولم، مساء السبت 8 آب/2026 بتوقيع كتاب الأستاذ قصي حزام عيّال الموسوم (تراتيل الفرات الأخيرة)، بأمسية ثقافية جميلة بحضور نخبة من أبناء الجالية العراقي.
وبعد كلمة ترحيبية من الهيئة الإدارية، قدم الأستاذ صلاح جبار عوفي الذي أدار الأمسية نبذة عن سيرة المؤلف قصي حزام ومسيرته الثقافية، مشيراً إلى أنه من مواليد بغداد عام 1960، ونشأ في بيئة وطنية وثقافية تقدمية، وأكمل دراسته الأكاديمية ليحصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة من جامعة بغداد عام 1980. وقال إنه ((نشأ في بيت وطني، وسط بيئة ثقافية تقدُّميَّة، فكان المرحوم والده مناضلاً متميِّزا في صفوف الحزب الشيوعي، ووالدته المرحومة (أم قيس) ناشطة معروفة في رابطة المرأة العراقية.. وقد تلقّى تعليمَه الابتدائي في مدرسة الثورة في الناصرية، ومن بين معلِّميه كل من الأساتذة (المرحوم والده، والمرحوم حسناوي كسّار، والفنان المرحوم طالب القره غولي، والفنان حسين نعمة..).. ثم أكملَ المرحلتين المتوسطة والإعدادية في بغداد.. وواصل دراستَه لينال شهادة البكالوريوس في "الفلسفة" من جامعة بغداد عام 1980م، ناهلًا المعرفةَ من قاماتٍ فكريَّةٍ بارزةٍ، في مقدِّمَتِهم (الأستاذ الدكتور مدني صالح، والأستاذ الدكتور نمير العاني).)).
وأشار الى أن المؤلف (قصي حزام)، ظَلَّ يعيشُ أحلامَ الناصرية، وإنْ كانت لفترة طفولته وصِباهِ.. ولعلَّ أجملَ المفارقاتِ، أنْ تَخرُجَ "تراتيلُ الفراتِ الأخيرةُ" من خلفيَّةٍ سومريَّة، تختَزنُ ذكريات الناصرية ... الناصريةُ، هذه الأرض التي احتفظت بصدى أولى التراتيلِ التي ردَّدَها الإنسانُ على ضفافِ الفراتِ مُنذُ فجرِ الحضارةِ السومريةِ، وكأنَّ عنوانَ الديوانِ يَنسِجُ، بهُدوءٍ، حِوارًا بين تراتيلِ البداياتِ وتراتيلِ الزَّمنِ الراهنِ، وبين ذاكرةِ المكانِ وأسئلةِ الإنسان.
وأشار لما طرحه الشاعر الدكتور رعد رَحمَة السيفي، المقيم في أمريكا، في تقييمه المُثَبَّت في صدر كتاب "تراتيل الفرات الأخيرة"، إذ كتب... ((أن الشاعر قصي حزام ظل مرتبطاً بذكريات الناصرية وفضائها الحضاري، وهو ما ينعكس بوضوح في ديوانه تراتيل الفرات الأخيرة، الذي ينسج حواراً بين ذاكرة المكان، وإرث الحضارة السومرية، وأسئلة الإنسان في الزمن الراهن. إنَّ هذه المجموعةَ من النصوصِ، تأخذ في أغلبهِا، مَسحَةً فلسفيةً تعتمدُ السؤال مرتكَزًا لها في بُنيَتِها”. كما” إنَّ قصائدَهُ مبنيَّةٌ على تمثيلاتِ طاقةِ الخيالِ في إنتاجِ نصوصٍ مُغادِرة”. و"لغةُ النصوصِ أقربُ الى المَجَاز في مُجمَلِها، مما جعلها تبتعدُ عن المباشرةِ التي تقودُ الى عالَمِ النثرِ أكثر من إقترابها من ضِفافِ الشِعرِ الذي نبحث عنه". و"الشاعرُ يُشَيِّـدُ نصوصُه للتعبير عن همّهِ الخاص الذي يَصدرُ عن وعيهِ الوجودي للنفاذِ عبرَ طاقةِ الحُلمِ، في محاولةٍ للإمساكِ بشتاتِ الذِكرى". و"تقتربُ لغةُ النصوصِ في اشراقاتِها من آفاقٍ سرياليةٍ ... "وأخيرا، يختتمُ الدكتور (رعد رَحمَة السيفي)، قائلاً: " إنَّ نصوصَ "قصي حزام عيّال"، تُمثِّـلُ إضافةً الى مكتبة ِقصيدة النثر ".
أما المهندس عدي حزام الذي قام بتصميم الغلاف، فيقول ((لقد حاولتُ أن أجعل الصورة تتكلم قبل الكلمات. والغلاف لم يكن مجرد صورة بل بدا كأنه سيرة مدينة كاملة، وسيرة روحٍ خرجت من الناصرية لتحمل الفرات في قلبها أينما ذهبت. في هذا التصميم يظهر القمر معلقًا فوق نهر الفرات، وكأنه شاهدٌ أبدي على مدينةٍ ولّادة للشعر والحزن والجمال. الناصرية، المدينة الجنوبية التي وُلدت على ضفاف الماء، هناك، في محلة الصابئة وعلى مقربة من الفرات، وفي عگد الفرجية الذي بقي شاهدًا على ولادة الشعراء والمناضلين والشهداء، بدأت الحكاية الأولى لهذا النص. حكاية ناسٍ كتبوا أسماءهم بالتعب والكرامة، بعضهم رحل في الحروب التي فُرضت عليهم، وبعضهم بقي يغني للوطن بصوتٍ مكسور لكنه لا ينحني. هذا الغلاف يحمل روح الناصرية كلها؛)).
وكان للمؤلف قصي حزام كلمته، إذ أشار الى ان الكتاب ليست تراتيل بالمعنى الديني، بل هي أناشيد روحية تحاول الحفاظ على ما تبقى من جمال العالم وذاكرة الحضارة، واستعادة صور الفرات والنخيل والطين والحكايات، والإمساك بالجمال قبل أن يتحول إلى ذكرى.
النهر ليس ماءً فقط، بل ذاكرة مدفونة تحت السطح، ذاكرة من الشعر والغناء واللحن والمواويل. لذلك ظهرت الآلات الموسيقية في عمق الماء، كأن الفن هنا غارق في الفرات منذ آلاف السنين، وكأن كل موجة تحمل معها صوت عودٍ أو أنين نايٍ أو قصيدة لم تُكتب بعد.
أما السفينة الصغيرة التي تمضي في عتمة الليل، فهي نحن…
نحن أبناء الجنوب الذين نقود مراكب أحلامنا وسط تعب الحياة، نهتدي بالقمر أحيانًا، وبالأمل أحيانًا أخرى. والدخان المتصاعد من المركب على هيئة نغمات موسيقية يرمز إلى أن الرحلة مهما كانت قاسية، تبقى محمولة بالشعر والموسيقى والكلمة الجميلة.

وقرأ عدة قصائد نرفق منها ما يلي:
((أَيْنَ تَسعى في هذه البلاد؟
كلكامش الذي حدَّثته في الليل وأنت تحمل مفاتيح الماضي، ركن صولجانه بين الأسوار المتناثرة، استيقظ ليبصر الأعمدة الهامدة وأصابع الحلم المنطفئة وهي تتلوى بين أشجار الدفلى.
لا سقوفَ مضاءةً بالفوانيس، فالطوفان تمكّن منها.
لا شيء يبلّل صيحاته، لا مواقدَ للبخور، لا شجرَ يتوهّج وراء طقوس الماء، لا أشرعةَ تقود لسفنٍ راسيةٍ في أفق الموج، ترشده كي يتوغّل في خاصرة الليل الغارقة بالأشباح.
ماذا لو حزم أمتعته، قاصدًا أوروك المسوَّرة، حاملًا وصيّته، ليهمس للبشر الفانين ويبدّد أوهامهم، وهو ينتزع ثياب التعب ويكابد خديعة العشب المنكسرة بالوهم في فم أفعى؟
أين تسعى في هذه البلاد؟
القاطرات مضت تنفخ الدخان على أطلالها، على أرصفة الليل تبدو المتاهة مسكونة بالمراثي التي لا يفارق صداها التراب، وهي تُحصي الأعوام النائمة فوق سرير الحلم، وتترقّب من يوقظها.))
والقصيدة التالية بعنوان الكتاب:
((تراتيل الفرات الأخيرة
وسقطت تفاحةُ آدم من يدِ الملائكة المتعبين في جنّةِ الله حتى بلغت ظلَّ نخلةٍ هرمةٍ ما تزال تتساقط منها الذكريات كرُطَبٍ ناضجٍ من عذوقٍ عالية، في ذلك الصباح كان الفرات يعبر بنا فوق ظلال أبنائه، يلمس حجارةَ الشواهد ويهمس بما تبقّى من أطلال قيثارةِ سومر المحاطة بالتعاويذ وبقايا أبخرة الصلصال، كأنّه ينفخ في رمادها ليوقظ الأسلاف النائمين، وأصدقائي أولئك الذين لم توقظهم شمسُ الضحى ظلّوا يفتّشون في جيوب الريح عن أغانٍ ضائعة وعن أرغفةِ طينٍ تعيد إليهم شكل البلاد قبل أن يلتهمها غبارُ الغزاة، بقوا هكذا يمضغون الهزائم على أعمدةِ الانتظار بينما اللصوص الذين قدموا مع عرباتِ الغرباء نهبوا كهرمانة والحكاياتِ القديمة.
بعدها تحدث العديد من الحضور عن المؤلف ونشاطه الثقافي، ثم قدّم له رئيس الجمعية الاستاذ فاضل ناهي باقات من الزهور تكريماً للكاتب قصي حزام والأستاذ صلاح جبار عوفي، كما قدّم عدد من ممثلي المنظمات العراقية وشخصيات اجتماعية، باقات من الزهور تعبيراً عن تقديرهم للكاتب.







