
السلعة (commodity): في ظل الإنتاج السلعي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، نجد أن العلاقات الإنتاجية ليست علاقات بين الناس أنفسهم، بل هي علاقات بين منتجات أعمالهم، وبالتالي فهي علاقات شيئية، فالأشياء أو منتجات العمل هي التي تقرر العلاقات الإنتاجية بين الناس.
يقول ماركس أن"...... الشكل السلعي للمنتوج ..... هو شكل للخلية الاقتصادية في المجتمع البرجوازي"، وأن السلعة هي الشكل الأولي للثروة الرأسمالية، و"لذلك فإن دراستنا تبدأ بتحليل السلعة".
ماذا نقصد بالسلعة إذن؟
السلعة – قبل كل شئ – مادة خارجية، شيئ يشبع حاجات إنسانية معينة.
انها منتوج العمل المعد لتلبية احدى حاجات الانسان، والذي يدخل حيز الاستهلاك عبر التبادل (الشراء والبيع). بهذا المعنى فان السلعة هي منتوج معد للبيع، للمبادلة مع آخرين وليس لاشباع حاجات منتجه. ان منتجات العمل تصبح سلعا، من الناحية التاريخية، في ظروف نشوء التقسيم الاجتماعي للعمل، مع وجود مالكين مختلفين لوسائل الانتاج. ثم ان التطور اللاحق للعلاقات الانتاجية مرتبط بظهور الملكية الخاصة لوسائل الانتاج.
ان للسلعة، تمييزا لها عن المنتوج، جانبين:
الأول، أن للسلعة قيمة إستعمالية، أي فائدتها أو قدرتها على إشباع إحتياجات إنسانية معينة. القيمة الإستعمالية، بوصفها فائدة الشيء، لا تعبر عن أية علاقة اجتماعية. يقول ماركس إننا بتذوقنا طعم القمح لا نستطيع أن نحدد شخصية المنتج : هل هو عبد روماني أم قن روسي، أم فلاح فرنسي، أم مزارع رأسمالي بريطاني.
الثانية، أن للسلعة قيمة تبادلية. في أثناء عملية الشراء والبيع، تظهر في السوق قدرة السلعة على التبادل بسلع أخرى في تناسب معين، وذلك ما يشكل قيمتها التبادلية. وهي تظهر، قبل كل شئ، بصورة تناسب كمي لتبادل القيمة الاستهلاكية لنوع ما بالقيمة الاستهلاكية لنوع أخر. على سبيل المثال، إذا بادلنا كيلو غرام من القهوة بأربعة كيلو غرامات من السكر، نستطيع أن نقول بأن القيمة التبادلية لكيلو غرام من القهوة تبلغ أربع كيلو غرامات من السكر.
والقيمتان الإستعمالية والتبادلية للسلعة هما وجهان للسلعة. وإذا كانت القيمة الإستعمالية تعبيرا عن الجانب المادي للسلعة، فإن القيمة التبادلية تعبير عن الجانب الإجتماعي لها.
وخاصتا السلعة (القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية) هما نتيجة للطابع الثنائي للعمل الذي ينتجها: فالعمل الملموس يخلق قيمة السلعة الاستعمالية، أما العمل المجرد فيخلق قيمتها التبادلية. والسلع، كقيم استعمالية، متباينة تماما من حيث النوعية، ولذلك لا يمكن مقايستها كمياً. في حين ان السلع كقيم، هي عبارة عن تبلورات من العمل الاجتماعي المتماثل، الذي يبذله منتجو السلع. ان مقدار قيمة السلعة يحدده العمل الضروري اجتماعيا. وتحتوي السلعة المنتجة في ظروف الملكية الخاصة، جميع تناقضات الانتاج السلعي الاساسية، تحت شكل جنيني. ثم ان تناقض السلعة، في ظروف الملكية الخاصة، يتبدى، على سطح المجتمع، في ظروف تصريفها، وفي الصراع التزاحمي بين منتجي السلع. ويسبب هذا التناقض، في النهاية، خراب المنتجين، وثراء فئة عليا ضئيلة منهم.
وطالما أن السلع قابلة للتبادل وبالتالي فمن الممكن التسوية بينها، فلا بد أن نتوقع وجود خواص عامة تسمح باتخاذ مقاييس موحدة بالنسبة لهذه السلع المختلفة. ونظرا لأن الخواص الفيزياوية أو الكيمياوية أو غيرها من الخواص الطبيعية، التي تحدد المنفعة أو القيمة الإستعمالية للسلع، لا يمكن أن تتخذ أساسا للمقارنة بينها. فالسلع تختلف نوعيا في قيمتها الإستعمالية وتستعصي على المقارنة كميا. لكننا إذا تجاوزنا عن القيم الإستعمالية للسلع تبقى لها خاصة واحدة، وبالذات هي أن السلع جميعها نتاج العمل. وكنتاج لهذا العمل فالسلع هي القيم. والقيمة التبادلية هي مجرد شكل تتجسد فيه قيمة السلعة.
وهكذا نجد للسلعة خصيصتين هما القيمة الإستعمالية التي تشبع الاحتياجات الإنسانية، والقيمة أي العمل المجرد المتبلور في السلعة. وبينما تعبر القيمة الإستعمالية عن الاختلاف في السلع (بسبب اختلاف خصائصها الفيزياوية والكيمياوية......الخ)، تعبر القيمة عن وحدتها. وكذلك فبينما تعبر القيمة الإستعمالية عن علاقة الإنسان بالشيء، تلك العلاقة التي تظهر أثناء الاستهلاك، تعبر القيمة عن العلاقات المتبادلة بين منتجي السلع وتظهر أثناء التبادل.
الطبيعة المزدوجة للعمل المتجسد في السلعة
العمل الملموس والعمل المجرد
كما قلنا أعلاه فإن السلع هي نتاج العمل، ولذلك فإن طبيعتها المزدوجة تنبثق من الطبيعة المزدوجة للعمل ذاته، الذي يتجسد في السلع.
والعمل كما نعرف هو نشاط إنساني هادف يرمي الى خلق مادة معينة والحصول على نتيجة مفيدة على نحو معين. ولذلك فلكل عمل هدف محدد. ومن هنا تختلف الأعمال عن بعضها البعض (عمل النجار، عمل الخراط، عمل البناء .... الخ). وقوة العمل المبذول في شكل معين هادف هو ما يسمى بالعمل الملموس. ولا يوجد على الإطلاق عمل بلا شكل حسي معين. وهو الذي يخلق القيم الإستعمالية المتعددة التي يحتاجها المجتمع.
والعمل الملموس، بوصفه خالق الأشياء المفيدة، يعتبر مقولة تاريخية عامة وهو لا يتوقف على الشكل الإجتماعي للإنتاج. ولا يمكن عقد مقارنة مباشرة بين الأنواع المختلفة من العمل الملموس، كما أن القيم الإستعمالية التي تخلقها أنواع العمل هذه غير قابلة للمقارنة. إلا أن هذه الأنواع المختلفة من العمل الملموس مهما تباينت، تشترك جميعها في خاصية محددة هامة وهي أنها جهد تبذله قوة العمل الإنسانية، أي أنها طاقة إنسانية ذهنية وعضلية وعصبية .... جهد إنساني عام، يبذل في أثنائه مباشرة أي عمل حسي، وقد أطلق ماركس على هذا الجهد الإنساني العام تسمية العمل المجرد. والعمل المجرد هو الذي يخلق قيمة السلعة. ومن حيث كونها تجسيدا للعمل المجرد وتعبيرا عن القيمة، تتوحد كافة السلع كيفيا، وبالتالي يمكن مقارنتها كميا.
العمل المجرد مقولة تاريخية ترتبط بالإنتاج السلعي وحدة. و أثناء الإنتاج الطبيعي لم يكن منتجو المنتجات في حاجة الى قياس ما يبذلونه من عمل. فقد كان الإنتاج ذا طابع طبيعي، وكانت المنتجات توزع على أعضاء الجماعة دون أن تتخذ الشكل السلعي.
أما في ظروف الإنتاج السلعي، حيث يظهر التقسيم الإجتماعي للعمل والتخصص بين المنتجين الخواص المنفردين، فإن تبادل منتجات عملهم عن طريق البيع والشراء يصبح ضرورة حياتية. وفي هذه الظروف يكتسب العمل المبذول – بالمعنى الفيسيولوجي - أهمية اجتماعية خاصة، فهو الأساس لمعايرة شتى السلع. إلا أنه في ظروف الإنتاج السلعي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، يظهر عمل المنتج وكأنه عمل خاص مباشرة. فالطبيعة الإجتماعية لهذا العمل مستترة لا تظهر إلا في السوق عند تبادل السلع. وبالتالي فإن الطابع الإجتماعي لعمل المنتجين الفرديين يظهر من خلال تحويل مختلف أنواع العمل الملموس الى عمل مجرد. وبناء على ذلك فالعمل المجرد هو مقولة تاريخية خاصة لظهور الطابع الإجتماعي للعمل في ظروف الإنتاج السلعي.
وعلى هذا النحو، فإذا كان التقسيم الإجتماعي للعمل يعطي طابعا اجتماعيا، فإن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج تعطي العمل طابعا خاصا مباشرا. ويقوم تناقض عميق بين هاتين الخاصيتين للعمل. والتناقض بين الطابعين الإجتماعي والخاص للعمل هو التناقض الرئيسي للإنتاج السلعي، القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
وفي ظل الإنتاج السلعي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، نجد أن العلاقات الإنتاجية ليست علاقات بين الناس أنفسهم، بل هي علاقات بين منتجات أعمالهم، وبالتالي فهي علاقات شيئية، فالأشياء أو منتجات العمل هي التي تقرر العلاقات الإنتاجية بين الناس.
يقول ماركس أن"...... الشكل السلعي للمنتوج ..... هو شكل للخلية الاقتصادية في المجتمع البرجوازي"، وأن السلعة هي الشكل الأولي للثروة الرأسمالية، و" لذلك فإن دراستنا تبدأ بتحليل السلعة".
أن دراسة السلعة كشكل" للخلية الاقتصادية" في المجتمع البرجوازي، قد أتاحت لماركس أن يرصد صورة جنينية لتلك التناقضات التي أدت لظهور التناقضات الأكثر جوهرية والمميزة للرأسمالية المتطورة. وبذلك اتضحت طبيعة الإنتاج الرأسمالي نفسها.







