لا ينحصر نجاح نموذج "الكراهية والتحريض" في عصر الرقمنه فقط. ففي أربعينيات القرن العشرين، حلل عالم الاجتماع الألماني ليو لوفنثال، المهاجر إلى الولايات المتحدة، دعاة الكراهية الفاشيين في دراسته "الأنبياء الكذبة". وقد فسّر جاذبيتهم، حتى لدى الديمقراطيين الليبراليين، من خلال تناوله تحديدا ما أسماه "القلق": وهو "حالة أساسية في الحياة المعاصرة" تتجلى، على سبيل المثال، في الشعور بالانخداع أو الخسران. ولتخفيف هذا المعاناة، يطرح المحرض فكرة أن المستغلين يخفون مؤامرتهم، وراء الأفكار والمؤسسات الليبرالية. فحيث كان هناك عجز سابق، يُثار العداء: ضد أعداء يفوقونهم قوة، ضد الدولة الفاسدة و"نخبتها"، التي تطلق العنان لها بعد ذلك، لشن هجوم على أعداء عُزّل مثل اللاجئين أو "الطفيليين".

ولأن المحرض ينجح في إثارة المشاعر باستغلال هذا القلق، فإنه لا ينوي معالجة الأزمة المجتمعية. بل على العكس، كما يكتب لوفنثال، يسعى إلى تعميقها حتى تتحول إلى علاقة ارتياب مع العالم الخارجي. وعندما يصل جمهوره إلى هذه المرحلة، يصبح جاهزًا للتلاعب به. وهكذا، فإن جوهر الدعاية الفاشية هو تفعيل الفرد، واساسا تحويله إلى تابع يعد بالتغلب على العجز بواسطة الخضوع. وفي عصر الرقمنه تكون الظروف مواتية جدا لنجاح هذه الوصفة، فالحاضر يبدو أكثر أزمات من أي وقت مضى، والناس متصلون بشبكات التواصل الاجتماعي، ولكنهم في الوقت نفسه معزولون.

النفوذ خارج اطر القرار السياسي

لذا، ليس من المستغرب أن تسعى قوى اليمين المتطرف إلى استغلال هذا الوضع، وتحقق نجاحات. فكثيراً ما يعزى صعود حزب البديل من أجل ألمانيا في استطلاعات الرأي ونجاحاته في الانتخابات الاتحادية المبكرة الأخيرة إلى حضوره القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. وتبني الأحزاب الديمقراطية علناً مطالب اليمين المتطرف، مثل تلك المتعلقة بـ "الرقابة على الهجرة". ويعكس ذلك التحول المتسع للخطاب، منذ زمن طويل، نحو اليمين، لا سيما على المنصات الالكترونية.

يشكّل هذا أساس الاستطراد في المناقشة لحقيقة اعلان وزارة الداخلية الألمانية، ارتفاع أعمال العنف والجرائم اليمينية بنسبة 48 في المائة العام الفائت. ويُطلق المعلمون ومراكز الإرشاد في المدارس ناقوس الخطر، مؤكدين عجزهم عن السيطرة على "العاصفة التي تلوح في الأفق"، كما ورد مؤخرًا في تقرير لتلفزيون NDR  الألماني عن ولاية مكلنبورغ-فوربومرن. وتُعدّ وسائل التواصل الاجتماعي مصدرا أساسيًا لهذه النتائج، المتعلقة بانتشار اليمين المتطرف في أوساط الشباب. إذ تستغل الجماعات اليمينية البنية التحتية الرقمية لمواقع يوتيوب وإنستغرام وتيك توك وتطبيق تيليغرام عمدا، للترويج لمواضيع ومصطلحات مثل "الهجرة العكسية" في الفضاء الإلكتروني، ولتجنيد أعضاء جدد.

لا تعتمد منظمة الشباب التابعة لحزب ""Die Heimat (الوطن)، خلف الحزب القومي الألماني NPD (الذي نشط في الستينيات-المترجم)، والمعروفة باسم "القوميون الشباب" (JN)، على العديد من الجماعات المحلية التي تأسست حديثا والتي تُسمى "جماعات التمرد"، فقط، بل تعتمد أيضًا على "أفواج تيك توك" اللامركزية، كما أشار تقرير رقمي صادر عن معهد إلسه فرينكل-برونزويك (EFBI)  في لايبزيغ. ويكتب ألكسندر ريتزمان من مشروع مكافحة التطرف   (CEP)  أن هذه الجماعات "تتبع استراتيجية متطورة على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال توظيف جماليات موجهة للشباب، مثل سترات الطيارين، والأحذية الرياضية والعسكرية، أو إطلالات الموضة الرائجة، ودمج مواضيع مثل الهجرة مع الهوية وعروض تعزيز الذات".

يشير تقرير EFBI إلى أن منصة الفيديوهات القصيرة تك توك، على وجه الخصوص، التي توفر للمتطرفين اليمينيين انتشارا رقميا واسعا، إذ تعرض خوارزميتها الخاصة الفيديوهات للمستخدمين بناءً على تفضيلاتهم الموضوعية، كما تسمح بنسخ الفيديوهات الناجحة وإعادة توزيعها بعد اجراء تعديلات طفيفة. وبالتالي، فإن الحضور الهائل لحزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف على المنصة، كما حدث خلال انتخابات الولايات عام 2024 والانتخابات الاتحادية المبكرة الأخيرة، كان ممكنًا بفضل استخدام مجموعة "حرب العصابات على التيك توك" التي قامت بتحميل كميات هائلة من الفيديوهات المتعلقة بالحزب.

إنّ هؤلاء "المؤثرين اليمينيين" الذين يغطون التظاهرات أو يحررون مقاطع فيديو دعائية تروج للفخر القومي وخطاب الكراهية العنصري، ليسوا سوى غيض من فيض. فبينما تتمثل استراتيجية اليمين الجديد "ما وراء السياسية" في السيطرة على المجال ما قبل السياسي (تحقيق هيمنة ثقافية تسبق الفعل السياسي– المترجم)، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، فإن النجاح الحقيقي للمحتوى اليميني لا ينبع من الخطابات المحفوظة لشباب النازيين الجدد في مقاطع الفيديو على الإنترنت، أو من استمالة الديماغوجيين الرقميين، بل يكمن سر جاذبيته في منطق التسويق بواسطة المؤثرين.

صحافة كاذبة

ان الرابط بين المحتوى اليميني الصريح ووسائل التواصل الاجتماعي هو سردية المؤامرة. وشعبيتها، التي بدورها، تتبع الصيغة الكلاسيكية لمعالجة القلق: ثمة خلل ما: السياسيون فاسدون، ومؤامرات خبيثة تُحاك. ومن بين الأفكار الشائعة هنا "الصحافة الكاذبة"، التي تُعدّ بمثابة المدخل إلى التفكير المؤامراتي، الذي يعيد تفسير التأكيد المبتذل بأن كل تقرير عن الواقع يحمل في طياته أثرا من المصالح الخاصة، على أنها افتراض لكذبة موجّهة من أعلى إلى أسفل. أولئك الذين ينددون بهذه الكذبة يمكنهم تصوير أنفسهم على أنهم صادقون ظاهريا: فهم على الأقل يقولون الحقيقة ويتخذون موقفا، هكذا توحي الرسالة. أما النخب الليبرالية، فتُتهم بتأكيد مصالحها الخاصة على أنها قيم عالمية.

على سبيل المثال، روّج "ماكسيميليان كراه"، نجم تيك توك آنذاك عن حزب البديل من أجل ألمانيا والعضو الحالي في البرلمان الاتحادي لنفسه في أحد رسائله المصورة قائلاً: "هل تريد معلومات عن السياسة؟ ببساطة لا تشاهدوا القناة الأولى والثانية للتلفزيون الألماني (قنوات عامة – المترجم). كونوا أذكياء. تابعوا قنوات يوتيوب الجيدة وما انشره على تيك توك". ونصح الشباب الذكور بعدم مشاهدة الأفلام الرومانسية، وألا يكونوا "لطفاء، ضعفاء، ويساريين". بدلاً من التحريض الصريح على الكراهية، استخدم "كراه" ببساطة آليات التسويق عبر المؤثرين: شخصيات ودودة، يُفترض أنها صادقة، تُقدّم نصائحها حول الجمال أو اللياقة البدنية، أو استراتيجيات الاستثمار، أو المنتجات، بأسلوب مباشر. حتى عندما يتحدثون عن "اللذين في السلطة" و"وسائل الإعلام الرئيسية" التي يسيطرون عليها، فإن المسألة ليست ما إذا كان المرء يقول الحقيقة فعلاً، بل ببساطة أنه في خضم التنافس الفكري، لم يعد بإمكان أحد قول الحقيقة كاملة.

الكراهية بين العملات الرقمية واللياقة البدنية

في سوق الأفكار الرقمية، يتزايد التداخل بين مواضيع نمط الحياة الشائعة، كاللياقة البدنية والتغذية و"الاستقلال المالي"، وبين أيديولوجية اليمين المتطرف. ولا يحتاج المتطرفون اليمينيون حتى إلى استغلال هذه المواضيع، على سبيل المثال، من خلال محتوى الألعاب القتالية أو المواقف العسكرية تجاه الرياضة والجسم. في جوهر الأمر، تعمل الدعاية الفاشية وفقا لقواعد الرسائل الإعلانية، وقد أصبح الإعلان منتشرا في كل مكان في العالم الرقمي.

لقد كان هذا الارتباط واضحًا، على سبيل المثال، لدى ما يسمى بالمؤثرين الماليين، أي المؤثرين الذين يمتلكون استراتيجيات مالية واستثمارية. عادةً ما يظهر هؤلاء الأفراد نمط حياة باذخا، كما هو الحال في دبي، ويدّعون أنهم حققوه من خلال استثمارات ذكية. ولتشجيع الآخرين على محاكاتهم، يروّجون لمعلومات داخلية حول تحركات السوق أو يتوقعون أن الانهيار الاقتصادي مقبل.

في العام الفائت، أثار مقدمو البودكاست كيارش حسينبور وفيليب هوبف ضجة بسيطة ببرنامجهم "هوس وهوف" المأخوذ من اسميهما، الذي كان آنذاك أنجح بودكاست في ألمانيا، والذي تناول مواضيع مثل "هل نحن خاضعون لنظام خفي؟" و"عائلة روتشيلد النافذة وقيمها". انتشرت مقتطفات من برنامج "المؤثرين الماليين" على نطاق واسع على منصة تيك توك، كما انتشر تحولهم من خبراء ماليين ليبراليين إلى منظّري مؤامرة يمينيين. كانت رسالتهم: أن من يتبع استراتيجيات الاستثمار الصحيحة، ويتمتع بعقلية الفوز، ويحافظ على لياقته البدنية وصفاء ذهنه، ولا يسمح لنفسه بأن يُغسل دماغه ليصبح خاسراً، يستطيع تحقيق الاستقلال المالي وعيش حياة مترفة.

يتكرر وعد الاستقلال على المستوى الفردي، وما يتصوره اليمين المتطرف سيادة لـ "بلادهم" هو تقرير مصير يتحقق من خلال الخضوع لنظام أعلى أو نظام طبيعي: ألمانيا للألمان، حيث يعود الرجال إلى رجولتهم، والنساء إلى ما يسمى "الزوجات التقليديات". أما السوق المالية، التي يعبدها الليبرتاريون (أنصار الحرية الاقتصادية والشخصية المنفلتة – المترجم)، فهي بمثابة شاشة عرض مثالية، توجه مسار الرأسمالية العالمية بطريقة غير عقلانية وغير مفهومة. وبفضل المعرفة السرية المكتسبة من خلال علاقة شبه اجتماعية مع نماذج ناجحة، يُفترض أن بإمكان المرء استعادة زمام المبادرة واخذ مصيره بيده.

يرتكز جوهر رسائل حركة "لنجعل أمريكا صحية مجددا" (MAHA) ، (على غرار لنجعل أمريكا عظيمة مجددا – المترجم) الجديدة في الولايات المتحدة على البنية نفسها: ففي مواجهة النفوذ المزعوم للشركات الكبرى التي يُزعم أنها تسمم الناس بالمواد المضافة إلى الطعام، يروج العديد من المؤثرين، برعاية وزير الصحة الامريكي روبرت ف. كينيدي الابن، لأنظمة غذائية جديدة، وللحليب الخام، ويعارضون التطعيمات، وبالطبع لمنتجاتهم. وبدلاً من أن تكون هذه النصائح الغذائية خاضعة لسيطرة مافيا الشركات المخيفة، فإنها تعد بمساعدة الناس على استعادة السيطرة على أنفسهم وحياتهم بأكملها.

هذه هي رسالة الإعلان المركزي التي تهدف إلى مكافحة القلق والشعور بالعجز الناجمين عن الأزمة الراهنة. ويمكن تخفيف هذه المعاناة بنصائح تجميلية أو برنامج لياقة بدنية مناسب، تماما كما يمكن التخفيف منها بتخيل مواجهة المؤامرات الخبيثة للاستبدال العرقي الديموغرافي والتطعيمات الإجبارية بقوة "الشعب الحقيقي". فليس مهما ما يُقال أو ما يُستخدم لطمأنه الناس بشأن فقدانهم المتوهم للسيادة. النجاح وحده هو المهم، وهذا ما يجمع بين الفاشية والخوارزمية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*محرر في قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية في المجلة الأسبوعية من جريدة "نويز دويجلاند" اليومية، وهو باحث مشارك في معهد العلوم السياسية، رئيس قسم النظرية السياسية في جامعة دويسبورغ-إيسن. الترجمة لمقالته المنشورة في جريدة نويز دويجلاند في 28 آب 2025