
صرخ ماركس بمقولته الشهيرة «أنا لست ماركسيا» احتجاجا على التشويه الذي لحق بأفكاره على يد بعض معاصريه الذين تأثروا بها وسمّوا أنفسهم "ماركسيين" وفي الواقع حوّلوها إلى حقيقة للنقاش، ويعدّ أي رأي مخالف أو دليل مناقض حتى و إن كان منطقيا أو مدعوما بالبرهان ضربا من الهرطقة.
وقد نقل انجلز هذه العبارة عن ماركس عام 1890 في سياق خلاف فكري مع جول غيد (1845–1922) وبول لافارغ (1842–1911)، صهر ماركس ومؤلف كتاب «حق الكسل»، أحد النصوص الكلاسيكية في النقد الأخلاقي للرأسمالية. وكان لافارغ من أوائل من أدخلوا الماركسية إلى فرنسا، وقد شارك مع غيد في تأسيس حزب العمال الفرنسي عام 1880، كما تعاونا مع ماركس في صياغة برنامجه. لكن ماركس لم يوافق على صيغته النهائية، وعدّها تشويها لأفكاره، واتهمهما بالنزعة «الخطابية الثورية». ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: «إذا كان هؤلاء ماركسيين، فأنا لست ماركسيا».
ويعود المنهج المادي الجدلي الذي طوره وهو يرفض الدوغماتية (مفهوم يعود الى الفلسفة اليونانية لتوصيف مدرسة الرواقيين التي تقدم حقائق غير قابلة للنقاش وبذلك تغلق باب البحث عن الحقيقة وتعيق تطور المعرفة والفكر) كموقف معرفي يقوم على اليقين المطلق ورفض المراجعة النقدية ومظهر للانغلاق إزاء الأدلة والآراء المخالفة، بحيث يعامل المعتقد بشكل جازم ومطلق كـحقيقة نهائية غير قابلة للنقاش، وهو في حقيقته انعكاس لوعي زائف ولصراع داخلي نفسي يرتبط بأنماط تفكير غير مرنة ويشيع حالة من الاستقطاب والصراع تعيق التصحيح الذاتي للمعرفة والابتكار والإبداع نتيجة جمود الفكر في داخل قوالب في مواجهة شعور الاغتراب والصنمية، وهو نقيض التواضع المعرفي الذي يقوم عليه المنهج المادي الجدلي.
وفي صراعه مع الدوغماتيه والانغلاق الفكري لدى خصومه وبعض مناصريه، أكد ماركس أهمية ممارسة التفكير النقدي بروح المنهج الجدلي، والانفتاح على كل جديد في الفلسفة والاقتصاد، والإصغاء إلى الآراء المخالفة برحابة صدر، مع الإقرار بأن المعرفة غير نهائية، وأن ما نصل إليه يظل نسبيا، وتكتسب الأفكار مصداقيتها من اختبارها في واقع الحياة.
ففي عبارة "أنا لست ماركسيا" وضع ماركس منهجا للتعامل مع النصية والجمود مقابل المنهج المادي الجدلي النقدي في تحليل الظواهر الطبيعية والاجتماعية والتاريخية، على نقيض النظرة الأحادية لتفسير العالم. كما رفض ماركس شخصنة الحركة الفكرية والسياسية واختزالها الى فرد أشبه بعلامة تجارية شكلت الأساس لنهج "عبادة الفرد" في الفكر والسياسة.
إن ما قدّمه ماركس هو منهج مادي ينظر إلى الفكر والطبيعة والمجتمع في حركة دائمة وتغيّر مستمر، وقد اتخذه أداة لتحليل النظام الرأسمالي. لذلك لم يرَ نفسه أسير أفكار جامدة تشوّه جوهر البديل الثوري الذي طرحه نظريا وعمليا، أو تختزله في اسمه. فهذه نظرية ترفض السكون والجمود، وقد دافع عنها في كتبه ومقالاته الصحفية من أجل تحرير الإنسان من شرور المجتمع الطبقي وبناء مجتمع جديد. وهذا الموقف الملتزم يجسّد المنظور الذي عبّر عنه في سعيه الى تجديد الفكر الفلسفي في القرن الثامن عشر؛ إذ كان خصما شرسا للمثالية، وخاض ضدها صراعا فكريا طوال حياته.
يقوم المنهج النقدي المادي الجدلي عند ماركس على أربع ركائز: أولا، أن الوجود الاجتماعي يحدد الوعي، وهو جوهر المادية التاريخية. ثانيا، فهم الرأسمالية بوصفها شبكة علاقات اجتماعية، لا مجرد آليات سوق، وهو جوهر نقد الاقتصاد السياسي. ثالثا، أن الواقع في حركة دائمة تحركها التناقضات، وأن المعرفة غير نهائية، وتكتسب الأفكار والفرضيات صدقيتها من اختبارها في الممارسة، وهو جوهر الجدل. رابعا، أن الإنسان يُختزل في ظل الرأسمالية إلى قوة عمل مغتربة عن ذاتها، وهو جوهر الاغتراب.
وفي الوقت الذي كان خلاف ماركس مع لافارغ هو التبسيط الشديد للمقاربة المادية التاريخية وتحويل النظرية إلى برنامج حزبي وإهمال نقد الاقتصاد السياسي لاعتبارات سياسية، نجد أن ما بعد ماركس شهد فيضا من الأفكار والرؤى هي أيضا “ليست ماركسية"، أشير الى ثلاثة منها.
فعلى سبيل المثال، قدّم الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير (1918–1990) قراءة اشتهرت بدمج أفكار ماركس بالبنيوية، وهي تيار تحليلي ومنهج فكري يرى أن الظواهر الإنسانية لا تُفهم إلا من خلال البنية، أي شبكة العلاقات التي تنتظمها. لذلك تركّز البنيوية على البنى الثابتة، وتهمّش دور حركة التاريخ والفرد، كما تتسم بدرجة عالية من التجريد. وكان هدف ألتوسير هو تخليص أفكار ماركس من القطيعة المعرفية بين القراءات الإنسانية التي سادت أعماله وهو شاب مثل مخطوطات 1844 والتاريخانية التي ظهرت في أعماله وهو ناضج وان الأهم هو ما قدمه ماركس الشاب.
ومن القراءات التي ابتعدت أيضا عن المنهج المادي الجدلي مدرسة فرانكفورت، وهي تيار فلسفي اجتماعي نشأ في ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، ورفع شعار تحرير الإنسان عبر نقد المجتمع الحديث والرأسمالية والثقافة والآيديولوجيا. غير أنها فعلت ذلك على حساب المقاربة المادية التاريخية، إذ مزجت بعض الأفكار الماركسية بعناصر من علم الاجتماع والتحليل النفسي والنقد الثقافي. وتركز اهتمامها على تحليل المجتمع الصناعي الحديث من خلال مفاهيم مثل السلطة والعقلانية والتكنولوجيا والثقافة الجماهيرية والآيديولوجيا، مع توجيه نقد حاد لما سُمّي بالماركسية الأرثوذكسية. ومن أبرز ممثليها ماكس هوركهايمر، صاحب مفهوم «النظرية النقدية»، وثيودور أدورنو، ناقد الثقافة الجماهيرية والعقل الأداتي، وهربرت ماركوزة، الذي ركز على نقد المجتمع الصناعي، وإريك فروم، الذي مزج الماركسية بالتحليل النفسي، وكارل فيتفوجل، الذي أعاد إنتاج صورة «الشرق المستبد» في قراءته لمفهوم «النمط الآسيوي للإنتاج» بوصفه توصيفا نقديا عبر مفاهيم مثل العقل التواصلي والفضاء العمومي والديمقراطية التداولية، مع التركيز على إمكانات التحرر من خلال التواصل العقلاني بدلا من التشاؤم الثقافي الذي طبع منتسبي الجيل الأول. وقد أسهم هذا الاتجاه في ترسيخ ما عُرف بالماركسية الغربية في ذروة الصراع الفكري بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي. أما اليوم، فيحاول سلافوي جيجيك مزج أفكار ماركس الشاب بأفكار لاكان ودريدا في نقد للرأسمالية من منظور ثقافي نفسي يركز على الآيديولوجيا والذات والرغبة.
أما المثال الثالث فهو ما يُعرف بـ«الماركسية السوفييتية»، وهي تجربة تاريخية شديدة الجدل لا تزال تحتاج إلى دراسة معمّقة، نظرا لضخامة الحدث وأهمية ما يترتب عليه من استنتاجات فكرية وعملية. فقد شكّلت الإطار الفكري الذي وجّه مسار النظام الاشتراكي منذ تأسيسه حتى انهياره في مطلع التسعينيات. ويُطرح اليوم أيضا نموذج الحزب الشيوعي الصيني ومفهوم «اشتراكية السوق»، اللذان تُدرجهما بعض المراكز البحثية الغربية ضمن «الماركسيات» السوفييتية والصينية، بما يثير سؤال مدى انسجام هذه النماذج مع المقاربة المادية الجدلية، وحدود اتصالها بماركسية ماركس نفسها.
ومما لا شك فيه أن التحليل والتدقيق بهذا المستوى من العمق قد يسهمان في توفير سند نظري وفلسفي لاستمرار بعض البنى الفكرية والرؤى التي سادت لأكثر من قرنين، وتُعد ركائز أساسية في المقاربة المادية الجدلية التاريخية مثل الحتمية التاريخية التي تفترض أن التاريخ يتجه حتما نحو الاشتراكية، أو إسناد دور حاسم لقوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج في تشكيل البنية الاقتصادية الاجتماعية، أو اعتبار الوعي انعكاسا للوجود الاجتماعي.
وفي مسار التجديد والتحديث الذي بدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي، أدّى حزبنا دورا مهما؛ فقد عُقد اجتماع خاص للجنة المركزية عام 1989 لتقييم قرارات القيادة السوفيتية بشأن إعادة البناء والشفافية. ثم جاء المؤتمر الوطني الخامس، «مؤتمر الديمقراطية والتجديد»، عام 1993 ليقدّم مراجعة شاملة للهوية الفكرية بعد سقوط «النموذج السوفيتي»، فكان أحد أبرز المنعطفات الفكرية والتنظيمية في تاريخ الحزب. وأسهم هذا المسار في إعادة بناء هويته الفكرية والتنظيمية، وتبنّي الماركسية بوصفها منهجا جدليا تاريخيا لا نصوصا جامدة، مع الإفادة من الإضافات النوعية التي شهدتها مرحلة ما بعد ماركس.
وفي المؤتمر الوطني الثامن عام 2007، أُقرّت الوثيقة الفكرية بعنوان «خيارنا الاشتراكي: دروس من بعض التجارب الاشتراكية». وأصبحت مرجعا لتجديد الفكر والممارسة، وأداة تقييمية لا تكتفي بوصف ما جرى، بل تفسّر دلالاته وتحوله إلى معرفة قابلة للبناء والتطوير. كما أضفت على هذا المنعطف في تاريخ الفكر الاشتراكي معنًى أعمق؛ فلم يعد مجرد انطباعات لحظية مشوشة أو رد فعل نفسي نابع من الإحباط والعجز، بل بات يُفهم في سياقه الجدلي بوصفه منعطفا تاريخيا.
وتُعدّ هذه الممارسة في إدارة الصراع الفكري مثالا على المبدئية في التعامل مع تراث ماركس، بخلاف كثير من القراءات اللاحقة التي تعددت تأويلاتها وابتعد بعضها عن مقاصده الأصلية. وقد استند الحزب الشيوعي العراقي في هذا الجهد إلى دعوة ماركس لقراءة أعماله قراءة نقدية، والاعتماد على الملاحظة والخبرة والتجربة في إعادة فهم العالم والعمل على تغييره، مع الحذر من الوقوع في فخ الجمود الآيديولوجي.







