تتسع في المشهد السياسي السوداني خلال السنوات الأخيرة موجة من الهجوم على الحزب الشيوعي، تتخذ أشكالاً متعددة: من التشويه السياسي، إلى المساواة بينه وبين قوى الإسلام السياسي، إلى محاولة إخراجه من دائرة الفعل السياسي أو تقليص أثره في الوعي العام.

لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه ليس مجرد: لماذا يُهاجَم الحزب؟

بل: لماذا يشتد هذا الهجوم الآن تحديداً؟ وما الذي تغيّر في ميزان الصراع السياسي حتى يصبح استهدافه أولوية عند قوى متعددة؟

الإجابة لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن التحولات التي أعقبت ثورة ديسمبر، ولا عن طبيعة المسار الذي حكم الفترة الانتقالية وما تلاها من انهيار انتهى إلى الحرب.

من الهجوم على الحزب إلى صراع على الوعي

لم يكن الحزب الشيوعي في أي لحظة يملك سلطة تنفيذية أو قوة دولة، لكنه ظل يمتلك شيئاً آخر أكثر إزعاجاً لخصومه: القدرة على التأثير في الشارع، وطرح أسئلة جذرية حول بنية السلطة والثروة والدولة.

ومع انكماش المجال السياسي بعد الانقلاب ثم الحرب، لم يعد الصراع يدور حول السلطة المباشرة فقط، بل حول الوعي العام نفسه: من يحدد رواية الأزمة؟ ومن يفسر أسبابها؟ ومن يحدد معنى الثورة وما تبقى منها؟

في هذا السياق، يصبح استهداف الحزب ليس مجرد نقد سياسي، بل محاولة لإعادة تشكيل الذاكرة السياسية للثورة، وفصلها عن أي خطاب يربطها بجذور الصراع الطبقي وبنية الدولة العميقة.

من يقف خلف هذا الهجوم؟

لا يمكن فصل هذا التصعيد عن طبيعة التحالفات الإقليمية والمحلية التي تشكلت حول السودان خلال السنوات الأخيرة، ولا عن القوى التي استفادت من بقاء بنية الدولة القديمة دون تفكيك.

فجزء من الهجوم يأتي من قوى سياسية صعدت في ظل ترتيبات ما بعد الثورة، ثم تحولت تدريجياً إلى جزء من إدارة الأزمة بدل حلها، ووجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع أي خطاب يذكّر بفشل تلك المرحلة.

وجزء آخر يأتي من مراكز نفوذ إقليمية ودولية ترى في أي خطاب مستقل أو جذري تهديداً لمشاريع إعادة تشكيل الدولة السودانية وفق مصالحها، خصوصاً في ظل تعقيد موقع السودان في الإقليم، وثرواته، وممراته، واقتصاده الريعي.

لكن الأهم من ذلك أن جزءاً من هذا الهجوم يأتي من داخل التجربة السياسية نفسها، من قوى كانت يوماً جزءاً من محيطه الفكري أو التنظيمي، ثم انتقلت إلى مواقع سياسية جديدة، ووجدت نفسها مضطرة لإعادة تعريف شرعيتها عبر مهاجمة خطاب النقد الجذري.

من الشراكة إلى الحرب: كيف قادت التسوية إلى الكارثة

بعد سقوط النظام السابق، لم تُحسم قضايا الثورة لصالح الجماهير، بل جرى إنتاج تسوية سياسية أبقت على اللجنة الأمنية للنظام السابق كفاعل مركزي في السلطة الانتقالية.

وهنا بدأ المسار الذي قاد لاحقاً إلى الانفجار. فبدلاً من تفكيك بنية الدولة العميقة، جرى إدماجها في ترتيبات انتقالية هشة. وبدل إخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية للسلطة المدنية، استمرت تمتلك اقتصادها الخاص وشبكات نفوذها. وبدل استرداد الثروات التي راكمتها منظومة التمكين، جرى تجاهل هذا الملف أو تأجيله.

اقتصادياً، لم يتم تفكيك الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية والأمنية، ولا شبكات النفوذ الاقتصادي للدعم السريع، بل استمرت تعمل خارج ولاية الدولة المدنية. وفي المقابل، جرى تبني سياسات اقتصادية قاسية حملت الجماهير أعباء الأزمة دون المساس بالبنية الحقيقية للسلطة والثروة.

أما ملف السلام، فقد تحول من مشروع لمعالجة جذور التهميش وإعادة توزيع السلطة والثروة، إلى سلسلة من التسويات السياسية والمحاصصات.

هكذا لم تُحل الأزمة، بل أُعيد إنتاجها داخل الدولة نفسها.

ومع تراكم هذا التناقض، كان الصدام داخل مراكز القوة مسألة وقت، لا احتمالاً.

فوجود جيوش متعددة، واقتصادات مسلحة، وسلطات متوازية، دون دولة قادرة على فرض سيادتها، يعني أن الانفجار البنيوي يصبح جزءاً من منطق النظام نفسه. ومن هنا، فإن الحرب لم تكن حدثاً منفصلاً، بل النتيجة المنطقية لمسار لم يُكسر منذ البداية.

لماذا كانت تحذيرات الحزب الشيوعي مزعجة؟

لم يكن نقد الحزب الشيوعي للتسوية نابعاً من موقف شكلي أو أيديولوجي، بل من قراءة لطبيعة الدولة السودانية بعد سقوط النظام.

فالسؤال الذي ظل يطرحه هو:

هل يمكن بناء دولة مدنية في ظل اقتصاد عسكري موازٍ؟

وهل يمكن تحقيق ديمقراطية بينما تظل مراكز الثروة والسلاح خارج الرقابة؟

وهل يمكن تحقيق السلام دون تفكيك البنية التي تنتج الحرب نفسها؟

هذه الأسئلة لم تكن مريحة للقوى التي راهنت على التسوية، لأنها كانت تعني أن المشكلة ليست في "سوء إدارة الانتقال"، بل في طبيعة الانتقال نفسه.

ولهذا، فإن تصاعد الهجوم على الحزب اليوم لا ينفصل عن محاولة إسكات هذا النوع من الأسئلة، أو على الأقل إزاحتها من مركز النقاش السياسي.

ما هو البديل؟

كل التجربة التي عاشها السودان منذ الثورة وحتى الحرب تؤكد حقيقة مركزية:

كل تسوية لا تمس بنية السلطة والثروة والسلاح، تنتهي إلى إنتاج أزمة جديدة.

وبناء عليه، فإن إعادة إنتاج نفس المنهج لن يقود إلا إلى تكرار نفس النتائج.

فالبديل لا يمكن أن يكون تسوية جديدة بين مراكز القوة ذاتها، ولا مؤتمرات تُعقد في الخارج، ولا تفاهمات بين نخب معزولة عن القاعدة الاجتماعية.

البديل الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار للقوى الاجتماعية التي صنعت لحظات التغيير في السودان: العمال، المزارعون، النساء، الشباب، النازحون، ولجان المقاومة، والنقابات والتنظيمات القاعدية. هذه القوى ليست مجرد قاعدة اجتماعية، بل هي الطرف الوحيد القادر على إعادة تعريف الدولة نفسها، وتحويلها من أداة لتقاسم السلطة بين مراكز السلاح، إلى دولة تخضع فيها كل أدوات القوة للرقابة المدنية الديمقراطية.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين أحزاب، بل بين مشروعين:

مشروع يعيد إنتاج الأزمة عبر التسويات والانقلابات.

ومشروع يسعى إلى تفكيك جذور تلك الأزمة عبر التغيير الجذري من الأسفل.

إن الهجمة على الحزب الشيوعي ليست معزولة عن هذا السياق. بل هي جزء من صراع أوسع حول الذاكرة السياسية للثورة، وحول اتجاه المستقبل.

لكن التجربة السودانية الأخيرة قالت كلمتها بوضوح:

لا استقرار بلا عدالة.

ولا ديمقراطية بلا تفكيك لمراكز القوة القديمة.

ولا سلام بلا إنهاء لبنية الاقتصاد العسكري والحرب المستمرة.

ولا مستقبل بلا جماهير منظمة وواعية وقادرة على فرض إرادتها.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يُهاجم الحزب؟

بل: أي سودان يُراد بناؤه بعد كل هذا الانهيار؟