يُعدّ سيدريك دوران بكتابه (التكنوـ اقطاعية: نقد الاقتصاد الرقمي) وشوشانا زوبوف (بكتابها عصر رأسمالية المراقبة) ويانيس فاروفاكيس، صاحب كتاب (التكنو إقطاعية: ما الذي قضى على الرأسمالية)، من أبرز من تبنّى فكرة "الإقطاعية الرقمية"، عاقدين مقارنة بين الإقطاعية في أوروبا، حين كان رجل ما يمتلك الأرض التي يعمل فيها الناس، فيأخذ معظم إنتاجهم ويجعلهم يعتمدون عليه في بقائهم، وبين شركات التكنولوجيا الحديثة التي تمتلك المنصات الرقمية وكل الخوارزميات والمعلومات التي نحتاجها، وتتحكم في السوق، لترغمنا على العمل لديها إذا ما أردنا استخدام هذه المعطيات، وتفرض رسوماً على عملنا، وتحصل هي على معظم الربح. وهي بهذا تمتلك "أرضاً رقمية" لا يستطيع أحد أن يعيش دون أن يمر عبرها، ويدفع لها "الأرباح" ثمناً لهذا المرور(1).

ويرى هؤلاء أن انتصار هذا النظام الجديد يُعدّ نهاية للرأسمالية التقليدية، كما أنه يختلف عنها بأنه غير إنتاجي، لأنه ببساطة لا يحقق أرباحاً بل ريعاً (عمولات، إعلانات، بيع بيانات، رسوم)، توفره له سيطرته على السحابة الرقمية وتغييب المنافسة وإجبار الناس على اتباعه.

ويشير هؤلاء إلى أن الأحلام التي رافقت الثورة الرقمية، كإشاعة المعرفة بالمجان، وتوزيع السلطة على الناس، وتحجيم الاحتكار، سرعان ما وُأدت بقيام أنظمة مغلقة حوّلت الإنسان من عامل يبيع قوة عمله إلى مادة خام تُباع للمنصات، لاستغلال وقته وانتباهه وبياناته وسلوكه ومشاعره من أجل جني الأرباح، وتُرغمه عملياً على شراء بياناته الخاصة به من هذه الأنظمة ليستخدمها.

وإذا كانت الرأسمالية قد أنفقت تريليونات الدولارات لتغييب وعي المستغَلّين، فإن قناعاتهم ورؤيتهم للعالم باتت تُحدَّد اليوم بواسطة خوارزميات الإقطاع الرقمي، عبر ما تبثه من أخبار وصور وأفكار وأصوات، والتي باتت تشدهم إليها حدّ الإدمان حرصاً على ألا يفوتهم منها شيء، مما يجعلهم يضيفون لأصحابها في كل لحظة ريعاً جديداً(2).

ومنذ انطلاق هذه الفكرة، جرت حوارات واسعة حولها بين الماركسيين، في إطار الصراع الفكري حول تشخيص المرحلة وتحديد المهام النضالية التي تقود العالم نحو المستقبل، حيث الحرية والعدالة. ولعل من أهم من اتفقوا معها على حدوث تغيير مهم في الرأسمالية الكلاسيكية، المفكرين الذين رأوا أن الرأسماليين اليوم لا يهتمون بالإنتاج الحقيقي (بناء المصانع، صناعة السيارات، تطوير التكنولوجيا)، بل بتراكم سريع للثروة يضمنه لهم الريع، والاستغلال السياسي، والنهب. إنهم يعتمدون أكثر من أي وقت مضى على الربح من الاحتكار والمضاربة والهيمنة واستثمار المعرفة والعمولات والريع دون إنتاج قيمة حقيقية. ولهذا أخذ نظامهم سمة "الرأسمالية الريعية"، كما في شركات الأراضي التي تُقام عليها العمارات السكنية، وشركات الأدوية التي تحتكر ما تكتشفه من علاجات، والمنصات الرقمية. إن الرأسماليين اليوم يستغلون المجال الذي يوفره الاستثمار الإنتاجي للمضاربة غير المنتجة، فيتخلون عن الاقتصاد الصناعي وعن خوض غمار عملية الإنتاج الشاقة والمحفوفة بالمخاطر، ويستغلون قدرتهم على تحديد الأسعار في خلق قيمة من العدم، أي دون عمليات مادية ينجزها العامل، ولهذا لم يعد الريع جزءاً من فائض القيمة كما حدده ماركس، بل إن تراكم الثروة عبر "النهب" قد يعطل جوهر الرأسمالية التقليدية(3).

وقد لاقت فكرة "الإقطاعية الرقمية" انتقادات شديدة أيضاً من بعض الماركسيين الذين لم يروا تغيراً في جوهر النظام الرأسمالي، إذ ما تزال الرأسمالية تعمل وفق قوانينها الكلاسيكية المعتادة، حيث المنافسة قوية وشرسة على الأسعار، وحيث تستمر شركات التكنولوجيا في الاستثمار بكثافة في البنى التحتية الرقمية من أجل تطوير التقنية ومراكز البيانات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، وتحسين وتيرة الابتكار التكنولوجي وحركة السلع والأموال، فيما تبقى أرباحها ضمن إطار فائض القيمة التقليدي وليست دخلاً احتكارياً خالصاً. كما يرون أن شركات مثل جوجل وميتا وأمازون لا تكتفي باستنزاف قيمة الشركات الإنتاجية، بل تبني أيضاً وتشغّل بنى تحتية تستخدمها رؤوس أموال أخرى لتداول السلع وتقليل زمن دورانها وتحقيق فائض القيمة والمنافسة بفعالية أكبر.

ولما كان ماركس قد حدد أن القيمة تأتي من العمل في إنتاج محدد، وتُقسّم بالتالي إلى ربح وفوائد وريع، فإن هؤلاء ينكرون وجود ريع مستقل في غياب إنتاج فعلي، إذ لا يمكن الحصول على جزء من الأرباح دون إنتاج أرباح أصلاً. وبالتالي فهم يرون أن ما يُسمّى ريعاً هو في الحقيقة جزء من فائض القيمة وليس شيئاً منفصلاً عنه.

وفي معرض نقدهم للرأسمالية الريعية، يؤكد هؤلاء أن ما يمنع تحوّل جميع الرأسماليين إلى النشاط الريعي الأسهل والأكثر ربحاً هو الخشية من اشتداد المنافسة وانخفاض الأرباح، إذ إن رأس المال، في سعيه المستمر نحو الربح الأعلى، يتجه حيث تتوفر فرص احتكار تمنع المنافسين، عبر تقنيات يصعب تقليدها أو عبر السيطرة على بنى تحتية ضخمة أو شبكات مستخدمين هائلة. وإذا كان مصدر الربح في المفهوم الكلاسيكي هو الإنتاج أو تسهيل التداول والتوزيع، فإن شركات التكنولوجيا تحقق النوع الثاني، أي إنها تجعل حركة الاقتصاد أسرع وأكثر كفاءة.

وفيما يرتبط الريع عند ماركس بالاحتكار، وتقوم الرأسمالية على "حرب بين الشركات"، فإننا نشهد اليوم منافسة أكثر شراسة وصراعاً أشد على الأدوات والمظاهر، واستثماراً بلا حدود وسعياً محموماً لتطوير التكنولوجيا بسرعة، وكل ذلك بهدف الهيمنة على حصة أكبر من الأرباح وقهر المنافسين وتخفيض التكاليف وزيادة الطلب، في صراع لا تبدو له نهاية.

ويخلص هؤلاء إلى أن الرأسمالية لم تمت أو تتحول إلى “إقطاع جديد”، وإنما دخلت طوراً من التوحش، حيث السعي للربح بلا حدود أخلاقية أو اجتماعية كافية، مع تشديد استغلال العمال، وتحويل كل شيء إلى سلعة حتى الانتباه والخصوصية والمشاعر، مع الحفاظ على خصائصها التي حددها ماركس مثل الأزمات الدورية والبطالة وتركّز الثروة والانهيارات المتكررة وابتلاع الحيتان للسمك الصغير.

كما أن تراجع هيمنة الرأسمالية الصناعية التقليدية لا يعني ولادة نظام جديد، بل تطوراً داخلياً في الرأسمالية نفسها، حيث تراجع الدور المركزي لفائض القيمة الناتج عن الإنتاج الصناعي لصالح أشكال أخرى مثل الشبكات والديون والبيانات وحقوق التكنولوجيا والأسواق المالية والاحتكارات الرقمية وحقوق الملكية الفكرية والتحكم بالمنصات.

ويستمر الحوار الفكري حول ذلك، بما يعد بولادة ماركسية معاصرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

1. Garcia, C.S. 2024. Datafeudalism: The Domination of Modern Societies by Big Tech Companies. Philosophy and Technology, 37/90. 

2. خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2023، كان هناك 510 ملايين مشاهد هندي للإنترنت، أمضوا ما مجموعه 371 مليار ساعة مع 2.9 تريليون مشاهدة، منها 105 مليار ساعة على وسائل التواصل الاجتماعي، و74 مليار ساعة على الترفيه، و10.5 مليار ساعة على الأخبار، و10 مليار ساعة على البيع بالتجزئة، و12.8 مليار ساعة على الشؤون المالية.

https://www.comscore.com/Insights/Events-and-Webinars/Webinar/2023/2023-Year-in-Review-India-Edition.

3. Christophers, B. 2020. The PPE debacle shows what Britain is built on: rentier capitalism. The Guardian.