قد تبدو كلمة “المبتسرون” للوهلة الأولى عادية لا تستوقف الانتباه، غير أن أروى صالح تفتحها على اتساع يتجاوز الطب إلى سؤال الوجود نفسه، فتصير الكلمة حفرة في الوعي لا تشبه معناها الأول. هي لا تشير إلى الولادة المبكرة بقدر ما تشير إلى الوعي المبكّر؛ ذلك الوعي الذي يُقذف بصاحبه إلى ساحة المعنى قبل أن تنمو فيه عضلة القراءة أو رئة الشكّ. جيل خرج من زمن مهزوم يبحث عن نصر، ومن زمن منتصر يبحث عن معنى… فوقع بينهما بلا سند.

الكلمة هنا ليست توصيفًا عابرًا؛ هي تشخيص لنوع من الوجود الذي لم يكتمل، لأن الزمن الذي صاغه كان هو نفسه غير مكتمل.

كتاب “المبتسرون: دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية” ليس بحثًا في التاريخ ولا دفاعًا عن سيرة شخصية؛ إنه اعتراف جماعي يُكتب بصوت فرد قرّر، على نحو فادح، أن يفضح نفسه ورفاقه في آن.

منذ السطور الأولى، تُلمّح أروى إلى أن ما تكتبه ليس "تاريخ الحركة الطلابية”، بل “خبرة جيل” يرى نفسه الآن من الخارج… كأنها تنظر إلى تلك الفتاة الصغيرة، الدقيقة القامة، التي خرجت من بيت برجوازي لتقود تظاهرات ميدان التحرير، ثم تتابعها وهي ترجع إلى بيتها محمّلة بالهتاف وبالخذلان معًا…

المبتسر هنا ليس جيلًا فقط؛ انها صاحبة هذه الدفاتر نفسها: امرأة تكتشف أنها عاشت عمرها كله داخل سردية نضالية لم تكن لها حاضنة حقيقية، فقرّرت أن تُغلق الحاضنة من الداخل… بالقفز من الطابق العاشر لتنهي حياتها.

أروى لم تقدّم جيل السبعينيات كـ “بطولة ضائعة”، بل قدّمته كجرح مفتوح في جسد الحياة السياسية المصرية؛ جيل بدأ وعيه السياسي في ظل هزيمة ١٩٦٧، وانفجر حلمه في تظاهرات ١٩٧٢ و١٩٧٣، ثم استيقظ في زمن السادات ليجد أن الأرض التي ظنها صلبة كانت أرضًا رخوة تُخفي تحتها مستنقع مصالح، وأن الذين هتفوا باسم الشعب كانوا يهربون من مواجهة أنفسهم، وكانوا — في جانب من جوانبهم — يفاوضون أيضًا على مقاعد مريحة في قلب البرجوازية الجديدة.

أقسى ما في الكتاب أنه ينسف “الميثولوجيا النضالية” التي نشأت حول جيل السبعينيات. في الخطاب العام، ذلك الجيل هو جيل “الطلاب الذين مثّلوا الشعب”، و“أصحاب الهتاف النقي”، و“أبناء الهزيمة الذين حوّلوها إلى طاقة”.

أروى تأتي من قلب هذا الجيل لتقول: لا، لم نكن أنقياء كما نحب أن نتذكّر أنفسنا. لقد “قبضنا ثمن وطنيتنا قبل أن ندفع ثمنها”، تسلّمنا شهادة البطولة قبل أن نخوض معركة حقيقية، وتصرّفنا طويلًا كطليعة لشعب لم نختبر نحن أنفسنا عمق آلامه.

في هذا التفكيك القاسي يتردّد صدًى قريب لكلمات غرامشي عن “المثقّف الذي لا يستطيع أن يربط مصيره الشخصي بمصير الطبقة التي يتحدث باسمها، فيتحوّل إلى معلّق بين السماء والأرض”… وهذه التعليقة هي جوهر المبتسر.

تضع أروى جيلها بين جيلين: الستينيات، حيث الدولة تقمع باسم الشعب، والسبعينيات، حيث الدولة تنقلب تدريجيًا على نفسها وتبيع “الانتصار” في حرب ١٩٧٣ كسلعة سياسية، لتفتح بعدها باب الانفتاح الاقتصادي وتترك أبناء الهزيمة يواجهون فراغ المعنى.

في هذا الفراغ تبدو الحركة الطلابية كطفرة قصوى في “منحنى الحلم”: لحظة اعتقد فيها هؤلاء الشباب أنهم يمثلون الشعب، وأن الهتاف في الجامعة هو نطق التاريخ نفسه، وأن شعار “الحرب الآن” يختصر العدالة كلها. ثم بدأ كل شيء يتراجع إلى الخلف: السلطة تعقد صفقات، القيادات تتوزع على المناصب، والمقهى يتحوّل إلى برلمان اليائسين.

هنا يتشكّل وعي المبتسر: وعي عاش ذروة الحلم قبل أن يملك أدوات تحمّل الفشل.

في فصل “المثقف متشائمًا”، تمارس أروى أكثر عمليات التشريح صفاء وقسوة. المثقف الذي تلتقط صورته ليس بطلًا تراجيديًا؛ هو كائن مهزوم يتلذذ بهزيمته، يتباهى بقدرته على وصف الخراب بينما يعيش داخله في ترف صغير. يرفض “أخلاق كل الطبقات” لكنه لا يملك بديلًا، يسخر من البرجوازية وهو يسكن شققها، يلعن الاستهلاك وهو يطارد فرص الظهور في الصحف والندوات، ويكتب عن “الطبقة العاملة” وهو لم يقترب يومًا من عرقها وجلدها. هذا المثقف متشائم ليس لأن الواقع قاتم؛ فالتشاؤم صار جزءًا من صورته عن نفسه، وجزءًا من الأسطرة السياسية التي يَعرض بها بضاعته في السوق الثقافي.

هنا تحضرني جملة روزا لوكسمبورغ: “الحرية دائمًا هي حرية من يفكّرون بشكل مختلف”. لكن حرية الماركسي الذي تتحدث عنه أروى ليست حرية المختلف؛ بل حرية من يفرض على الجميع أن يتشابهوا مع صورته عن “الثوري الحقيقي”.

في التنظيم يُقمع السؤال باسم “الانضباط”، وفي الشارع تُفرض شعارات جاهزة على جماهير لا يُسمع صوتها إلا حين يوافق ما في رأسه، وفي البيت يعاد إنتاج الأبوية بأشد صورها فجاجة. هذه الفصيلة من المثقفين تُحاكمها أروى لا من موقع الخصومة السياسية، بل من موقع الشاهدة التي عاشت بينهم، وشربت معهم الشاي المر في مقاهي وسط البلد، وصدّقتهم… ثم اكتشفت أن تشاؤمهم لم يكن حكمة؛ كان سترًا لجبن عميق.

وحين تنتقل إلى “المثقف عاشقًا”، تسحب أروى ورقة التوت الأخيرة عن هذا الكائن. هنا يظهر الوجه الأكثر فداحة للمبتسرين: الوجه الذي يخلط بين الجسد والأيديولوجيا، بين الحب والخطاب الثوري، ليخرج من ذلك كله بمعادلة رخيصة كتبتها أروى بلا تجميل: “تحرير المرأة هي أرخص وسيلة للحصول عليها… الحب المتحرر هو الحب الرخيص”.

الجملة ليست شتيمة فقط؛ هي كشف لمسرح كامل: مقهى، كوب شاي، حديث طويل عن الحرية، مديح لعقلية “المناضلة”، ثم طريق ينتهي إلى سرير يُقدَّم بوصفه امتدادًا للتحرر. الجسد الأنثوي يغدو هنا آخر مستعمرة يسيطر عليها اليسار بعد أن خسر معظم معاركه في السياسة.

تفكيك أروى لا يكتفي بفضح النفاق، بل يفتح سؤالًا وجوديًا عن العلاقة بين الأيديولوجيا والجسد. ماذا يحدث حين تُحمَّل علاقة حب هشّة بحمولة خطاب “التحرر” و“المساواة”؟ ماذا يحدث حين يتحول الجسد إلى مسرح يختبر فيه اليساري رجولته و“تقدميته” في آن واحد؟

في هذا المزيج تصبح المرأة قربانًا لصعوده الطبقي، شاهدة صامتة على انتقاله من مقاعد الاتهام إلى موائد السلطة. وحين تحاول أن تتكلم، تُتهم بأنها “برجوازية”، أو “رجعية”، أو بأنها لم تفهم جوهر التحرر بعد. هكذا تكشف أروى أن الهزيمة لم تكن في ميدان السياسة وحده، بل في أدق مفاصل الحياة الخاصة؛ وأن التحرر الذي لم يبدأ من الجسد لن يصل إلى المجتمع، وسيظل شعارًا معلقًا في لافتات حزبية باهتة.

في ثنايا الكتاب تتجاور ثلاث طبقات من الفشل: فشل مشروع التحرر الوطني حين تحول إلى دولة بوليسية؛ فشل الماركسية حين ذاب جزء كبير منها في امتيازات الدولة والاقتصاد؛ وفشل الذوات الفردية التي لم تملك شجاعة مواجهة هذا كله إلا على هيئة نكات سوداء أو انسحاب عدمي.

أروى تكتب من منطقة لا تمنح نفسها فيها حصانة أخلاقية. هي جزء من هذا الفشل، ضحية وجانية في آن. تروي كيف صدّقت البلاغة الثورية المطمئنة، وكيف دفعت ثمنًا باهظًا في علاقتها بنفسها وبالآخرين، ثم قررت أن تنتقم لا بالفضيحة فقط، بل أيضًا بهذا الانسحاب النهائي من العالم.

انتحارها في صيف ١٩٩٧، بعد يوم واحد من ذكرى نكسة ١٩٦٧، يبدو وكأنه تركيب مقصود للتواريخ… كأنها تربط بنفسها بين هزيمتين: هزيمة جيل أمام العدو الخارجي، وهزيمته أمام نفسه.

الموت هنا ليس مأساة فردية فقط، بل فصل أخير في سردية المبتسرين: جيل وُضع في الحاضنة التاريخية بدرجة حرارة خاطئة، فخرج إلى العالم بنصف حياة، نصف رئة، نصف إيمان. كأن الرسالة تقول: لقد جرّبنا كل أشكال الإنكار، من تقديس ناصر إلى تمجيد يناير، من الزيف القومي إلى الزيف الثوري… ولم يبق إلا أن نعترف بأن هشاشتنا هي جوهر الحكاية، لا هامشها.

وكما قال والتر بنيامين: “كل وثيقة حضارة هي في الوقت نفسه وثيقة همجية”. كتاب أروى وثيقة حضارة بالمعنى الأجمل: لغة ثرية، حساسية عالية، قدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة في المقاهي والمظاهرات والعلاقات الحميمة. وفي الوقت نفسه هو وثيقة همجية، لأن ما تصفه من كعوب تدوس على الأحلام وأفواه تتغذى على دمعة الآخرين يكشف مقدار العنف الذي كان مستترًا خلف صور الشهداء واللافتات والقصائد.

“المبتسرون” بهذا المعنى مرآة لسردية يسار عربي أحب أن يرى نفسه ضمير الأمة. غير أن صوته، حين يُجرَّد من زينته الخطابية، يخرج مبحوحًا، مترددًا، ومثقلًا بديون لم تُسدَّد.

مع ذلك، لا يتركنا الكتاب في فراغ كامل. خلف الغضب، خلف الفضح، خلف اللغة التي تشبه أحيانًا ضربات مطرقة على جدار متصدع، هناك إصرار على سؤال يتكرر بإلحاح: كيف يمكن ألا يتكرر المبتسرون؟

كيف يمكن لجيل جديد ألا يُلقى به في هواء التاريخ بلا رئتين؟

أروى لا تقدم جوابًا جاهزًا، لكنها تترك إشارات صغيرة: أن نرى القضية الوطنية بوصفها مشروع عدالة لا تمثالًا لقائد؛ أن نتوقف عن استيراد الماركسية كزينة لغوية؛ وأن نتذكر ما قاله غرامشي عن أن المثقف لا يصبح عضويًا إلا حين يبني مع الناس تنظيمًا للحياة، لا حين يبني لهم أسطورة عن نفسه. وكذلك ضرورة أن تُصاغ علاقات الرجال والنساء خارج الطلاء التحرري الذي يلمع شعاراته من الخارج ويخفي في داخله أشكال العنف القديمة.

المبتسرون ليسوا جيل أروى وحده.

كل مرة نرفع فيها شعارًا أكبر من قدرتنا على تحمّل تبعاته نكون مبتسرين.

كل مرة نعلن ثورة ولا نبني لها مؤسسات نكون مبتسرين.

كل مرة نطالب بالحرية ولا نعترف بحق المختلف نكون مبتسرين.

المبتسر ليس فقط من وُلد قبل أوانه، بل من رفض أن يكبر حين جاء وقته، من آثر البقاء داخل حاضنة الشعارات اللامعة — قومية كانت أو دينية أو يسارية — على أن يتحمل وطأة النضج.

ربما تكون هدية أروى لنا، نحن الذين جئنا بعدها بزمن، أنها نقلت كلمة “المبتسرون” من قاموس الطب إلى قاموس الوعي.

لم تعد تشير إلى طفل يلهث على سرير المستشفى، بل إلى أجيال كاملة تتنفس عبر أجهزة اصطناعية اسمها “الزعيم”، “الحزب”، “القضية”، بينما القلب الحقيقي — قلب العدالة والحرية والكرامة — لا يزال يتعلم كيف ينبض وحده.

أن نقرأ “المبتسرون” اليوم يعني أن ننظر في المرآة دون مكياج،

أن نرى هشاشتنا بلا زينة،

وأن نسأل بهدوء موجع:

هل سنظل نكرر مصائر المبتسرين…

أم سنجرب هذه المرة أن نسمح للحلم بأن ينضج،

حتى لو كلّفنا ذلك مواجهة أطول، وجرحًا أعمق،

ووحدة أقل صخبًا من كل الزخارف الثورية التي أدمنّاها؟