
في قديم الزمان، كان رجلٌ صالحٌ يملك مالًا وفيرًا، ومع كل نفحة من كرمه كان الله يزيده رزقًا إلى رزقه. ذات يوم، قرّر أن يحفر بئرًا ويجعل بجانبها عينًا، لتكون ماءً مباحًا لكل عطشان. لم تمضِ إلا أيام قليلة حتى صار حلمه حقيقة، وأصبح كل من يشرب من تلك العين يرفع يديه بالدعاء له، فغدت صدقةً جاريةً لا تنقطع. غمرت الفرحة قلوب الناس، لكن الفرح لا يدوم طويلًا؛ ففي صباحٍ غائم استيقظوا ليجدوا البئر مطموسة بالتراب والحجارة. هرعوا إلى الرجل، والقلق يسبق أنفاسهم، فلما سمع الخبر أطرق برأسه وقال بصوتٍ متهدّج: "لا حول ولا قوة إلا بالله… من ذا الذي يجرؤ على إفساد الخير؟". ثم أمرهم أن يعيدوا تنظيفها، غير آبه بالفاعل، فعادت العين تجري من جديد، وارتوى الناس في ذلك اليوم. لكن الغدر تكرّر في صبيحة اليوم التالي. عندها قال الرجل بحزم: "هذه المرة، لا بد أن تُحرس البئر حتى نكشف المستور". وفي الليل، حين لفّ السكون المكان، اصطدم الحراس بما لم يتوقعوا. ومع بزوغ الفجر، وقفوا أمام الرجل، وجوههم شاحبة، وأعينهم هاربة إلى الأرض. صاح بهم: "تكلموا! من الذي يطمس البئر؟". تردّدوا طويلًا، حتى نطق أحدهم بالكاد: "ابن عمك… فلان". تجمّد الرجل لحظة، كأن الزمن توقف، ثم قال بصوتٍ خافت لكنه صارم: "إياكم أن تفشوا هذا الأمر، دعوه لي وحدي". في الصباح، قصد السوق، واشترى لحمًا وفاكهةً، ثم مضى إلى بيت ابن عمه. طرق الباب، فخرج الرجل متوجسًا: "خير إن شاء الله، ما الذي جاء بك؟". ابتسم صاحب البئر ابتسامةً دافئة وقال: "اشتقت إليك يا ابن عمي… أنت في قلبي دائمًا، لكن قسوة الحياة حالت بيننا". جلسا طويلًا، يتبادلان ذكريات الطفولة وأيام الأخوّة، ولم يذكر له حادثة البئر قط. بل طلب منه أن يسامحه على تقصيره، ووعده أن صلة الرحم لن تنقطع بعد اليوم. عاد الرجل إلى بيته، والفرحة تضيء وجهه، وأمر أصحابه أن يحرسوا البئر تلك الليلة. وحين أرخى الليل سدوله، رأى الحراس مشهدًا لا يُصدّق: ابن العم نفسه، الذي طمس البئر بالأمس، ينحني الآن لينظفها ويزيل عنها كل ذرة أذى.
أسرعوا إلى صاحب البئر، وأخبروه بما رأوا. فأطرق طويلًا، ثم قال بصوتٍ مبلل بالدمع: "سامحنا الله… هذا ابن عمي، أقرب الناس إليّ، وكان محتاجًا لي أكثر من أي أحد. لكنني انشغلت بالخير للناس ونسيت أن أبدأ به. حقًا .. الأقربون أولى بالمعروف".







