كنتَ يا أبي تطيلُ ابتسامتك،

كأنكَ تزرعها في وجهي

كي يزهر الفرحُ على شفتيّ،

وأنا لا أدركُ سرَّ الضوء في عينيك،

ولا كيف كانت يدُك تمسحُ عني

أحلامًا صغيرة لم تكتمل،

كأنك كنتَ تقول لي دون كلام:

"النجاة ليست في الحلم، بل في القلب الذي لا ييأس."

كنتَ تعودُ كل مساءٍ

بشيءٍ لا يُشبه اللعبةَ التي تمنّيت،

لكنّه يُنسي قلبي الصغير

أن الحلمَ مؤجَّل لا مفقود.

كنتُ أمدّ يدي إلى جيب معطفك،

فلا أجدُ سوى أقراص النعناع،

واحدٌ فقط،

أضعه في فمي

كأنني أذوقُ العالمَ كلَّه

بطعم الغياب المؤجَّل.

كبرتُ قليلًا...

وصرتَ تعلّمني كيف

تتحوّل الوردة إلى حقل،

وكيف يعزف المطر أنغامَه

فوق نوافذِ الروح،

وكيف تنضجُ الزهور

حين تتشابكُ الأيادي،

وتذبلُ حين نتفرّق.

قلتَ لي يومًا:

"لا تكبر بسرعة... فالكبارُ لا يجدون من يشتري لهم الحلم."

لكنني كبرتُ، يا أبي،

كثيرًا...

دون أن ألمح ابتسامتك الأخيرة.

رحلتَ

كما يرحل الضوءُ عن المرايا،

صامتًا، نقيًّا،

ودون أن تلوّح بيدك،

ودون أن تضع في جيب معطفك

آخر قرصِ نعناع.

واليوم...

يلعبُ ابني معي

اللعبةَ التي لم تشترِها لي،

وحين يرى صورتك

يسألني عنك،

ولا يعرف أن قلبي

قد صار الآن

أضيقَ من سماءٍ غابت شمسُها،

وأن ابتسامتك، يا أبي،

صارت تُضيؤني أكثر من النهار.

يجيء البكاءُ

كما تأتي الريحُ من نافذةٍ مكسورة،

غصّةٌ،

ثم اتّساعٌ فارغ،

ثم وجعٌ لا ينطق،

لأن بعض الوجع يا أبي

يتكلّم بصمتٍ أنقى من كل الكلام.

أمضي بدونك

بين أماكنَ خاويةٍ

وزمنٍ مهدر،

بلا حقيبة،

بلا يدٍ تُمسك بي...

أتعلم؟

ما زلتُ أفتّشُ في جيب الغياب

عن قرص نعناعٍ واحد،

لعلّ طعمه يعيد لي طمأنينة الأيام القديمة.