
ليست كل الأعمال الدرامية مجرد حكايات تُروى على الشاشة. بعضُها يوقظ في القلب ذاكرةً كاملة، ويعيد إلينا وجوهًا غابت، وأسماءً ظلت معلّقة في الروح كنجومٍ بعيدة. ومسلسل «اسمي حسن » لم يكن قصةً فنية حسب، بل كانت صفحاتٍ من ذاكرة العراق، تلك الذاكرة التي كُتبت بالحزن والصبر والدموع. في كل حلقة كان اسم حمّام نور يتردد في مخيلتي ، لم يكن أسمه كاسمٍ لشخصية درامية فقط، بل كاسمٍ يعيدني إلى صديقٍ حقيقي من زمنٍ لم يكن فيه العمر آمنًا، ولا الكلمة مأمونة العواقب. ذلك الزمن الذي غيّب كثيرين من أحبّتنا وأصدقائنا، حتى صار العراقي يحفظ أسماء الغائبين كما يحفظ أسماء المدن التي هُجِّر منها.
أتذكر رزّاق… ذلك الشاب الذي أُبعد إلى الخطوط الأمامية للحرب، وكأن القدر وضعه في مواجهة الموت كل يوم. وقع في الأسر، وحين عاد، عاد إنسانًا آخر؛ يحمل في عينيه تعب السنوات، وفي صوته صمتًا ثقيلاً لا تقوى الكلمات على تفسيره. وأتذكر آخرين دفعتهم الظروف إلى المنافي البعيدة، فصاروا غرباء عن الوطن على الرغم من أن الوطن ظل يسكنهم. كانت الغربة بالنسبة لهم حكمًا غير مكتوب، لكنه أقسى من أي حكمٍ معلن. أما حمّام نور، فقد صار اسمه جزءًا من ذاكرة الفقد. أُعدم مع أخيه كاظم في زمنٍ كان الموت فيه قرارًا سريعًا، وكانت الحياة أقلَّ قيمةً من كلمةٍ تُقال أو موقفٍ يُتخذ. وفي مكانٍ ما من ظلمات السجون، غاب (علي صبري)، كأن السنوات ابتلعته ولم تترك وراءها إلا السؤال. وفي ساحات الحرب، حيث اختلط التراب بالدم، سقط باسم ناجي شهيدًا، كما ارتقى د. رعد موسى في حرب الأنصار، تاركين وراءهم حكاياتٍ لم تكتمل. أما كثيرون غيرهم فقد عادوا بجراحٍ لا تُرى؛ بعضهم حمل آثار السلاح الكيمياوي في جسده، وآخرون حملوا في أرواحهم ذاكرة الألم التي لا يداويها الزمن.
هكذا كان العراق في تلك السنوات: بلدًا يمشي أبناؤه بين الخوف والأمل، ويكتبون حياتهم على حافة المأساة. لذلك، حين أشاهد عملاً مثل «اسمي حسن»، أشعر أن الشاشة لا تروي قصة شخصٍ واحد، بل تستحضر ذاكرة جيلٍ كامل. جيلٍ عرف السجون والحروب والمنافي، لكنه ظل يحمل في قلبه إيمانًا عميقًا بأن العراق أكبر من الألم، وأبقى من الظلم. قد لا يكفي مسلسل واحد ليحكي كل تلك المآسي، فذاكرة العراق أوسع من أي عملٍ فني. لكن يكفي هذا العمل أنه أعاد فتح أبواب الذاكرة، ووضع النقاط على الحروف، وذكّرنا بأن خلف كل اسمٍ من تلك الأسماء إنسانًا عاش وحلم وقاتل وصبر. ولهذا، فإن مشاهدة هذا المسلسل ليست مجرد متابعة لعمل درامي، بل هي وقفة صامتة أمام ذاكرة وطن… ووقفة وفاءٍ لأصدقاءٍ ورفاقٍ رحلوا، لكن أسماءهم ما زالت تنبض في القلب، مثل ضوءٍ صغيرٍ لا ينطفئ في ليل العراق الطويل.







