لم يفتح الشيبُ أبواب رأسي فجأةً، كما تَبيضُّ سنابلُ القطنِ عند هبوبِ عاصفةٍ خاطفة، بل تسلّل إليّ كضوءِ قمرٍ خافتٍ، يزدادُ وضوحاً ليلةً بعد أخرى. كنتُ ألمسُ في صمتٍ ذَوبانَ السوادِ كأنما الوقتُ نفسه يَنسلُّ منّي خُصلَةً خُصلة. حتى صوتي لم يَخذلني فجأةً، بل أخذَ يهبطُ درجةً درجة، حتى صارَ كصَدى، ثمّ اخشوشنَ وصارَ كأنّه صوتُ غريبٍ يَهمسُ مِن عالمٍ آخر. كنتُ أتحولُ إلى ظلٍّ لرجلٍ كنتُه، إلى بقيّةٍ شاحبةٍ من ماضٍ يَتبخّر، وحدسيُ يُخبرني أنّ هذا الظلّ آيلٌ إلى زوالٍ قريب. وفي يومٍ من الأيام التي تذوبُ فيها الأزمنةُ في رَحمِ العزلة، انفتح بابُ الزنزانةِ فجأةً. لم يكن الصوتُ مألوفاً، بل كانَ صرخةً في جسدِ الصمت. وإذ برجلٍ عملاقٍ يقفُ في إطارِ الباب، يملأهُ بِجسدهِ وكأنّه بَابٌ آخر. كانت سحنته صفراءَ كشمسٍ بلا دفء، وملامحُه مُحايدةٌ كصفحةِ كتابٍ فارغ. أومأ لي بيده أن أخرجَ، بإيماءةٍ كانت أبعدَ ما تكون عن البشر، كحركةِ آلةٍ مُبرمجة. لم أعرفْ، هل في قلبهِ ذَرّةُ عطفٍ على من تآكلَ السجنُ روحَهُ، أم هو مجرّدُ ناقلٍ لأمرٍ لا يعنيه؟ سارَ خلفي، وأمسكَ بذراعي بيدٍ باردةٍ لم أشعرْ بحرارتِها حتى من خلالِ ثيابي البالية. وبدأنا رحلةً عبرَ ممرٍّ طويلٍ ضيّق، تُحيطُ بنا على الجانبين كُوًى صغيرةٌ، تُذكّرني بِكُوّتي أنا. آه، كم من عوالمَ موازيةٍ تُحتجزُ هنا! كم من أنفاسٍ مُقيّدةٍ، وقلوبٍ تَخفقُ في الظلام! أحببتُهم في تلك اللحظة. سمعتُ هَمهماتِهم، كرفرفةِ أجنحةِ فراشاتٍ حبيسة، وتمنّيتُ لو أستطيعُ أن أُسمعَهم صوتي: "لا تَهِنوا، فكلُّ هذا سينقضي. لا شيءَ يستحقُّ كلَّ هذا الخوف". تمنّيتُ أن أرى وجهاً واحداً منهم، لعلّ في عينيهِ بارقةَ أملٍ تدفئني، أو لعلّه يُشفقُ على حالي وأنا أسيرُ كالدميةِ في قبضةِ هذا العملاقِ الأصم. لكنّي سرعانَ ما استدركتُ. من أنا لأمنحَ التعاطفَ؟ ومن هم ليَستحقّوه؟ ربما كانَ بينهم قاتلٌ بلا رحمة، أو لصٌّ انتهكَ حُرمات. صَفّيتُ ذهني من كلِّ شيءٍ إلّا من خطواتي الثقيلةِ على الأرضِ الباردة، ومن مصيري المجهولِ الذي يُقبِلُ. شعَرتُ بِهدوءٍ غريبٍ يغمرني، كأنّي أتفرجُ على مشهدِ نهايةِ رجلٍ آخر. لم يتفوّه رفيقي العملاقُ بِكلمةٍ واحدة. كم تمنّيتُ أن يسألني عن اسمي، عن جريمتي، عن أي شيء... لأجيبَهُ بكلِّ ما تبقّى فيّ من صدقٍ وجُرأة. وكم خطرَ لي أن أسألَه: "إلى أينَ تأخذني؟" لكنّي آثرتُ الصمتَ مثله. تحدّثتُ إلى نفسي: أتراهُ في بيتهِ هكذا؟ أتراهُ لا يحضنُ أولادهُ، ولا يَضحكُ مع أصدقائِه، ولا يَهمسُ بكلماتِ الغزلِ لزوجته؟ لا بُدَّ أنّه يفعل. فلماذا يُجرّدني أنا من إنسانيتي، وكأنّي كبشُ محرقةٍ لا يستحقُّ النظرةَ ولا الكلمة؟ آلمني تجاهلُه أكثرَ من قسوةِ السجّانين. لأنّي، وبشكلٍ لا أستطيعُ تفسيره، شعرتُ أنّه قريبٌ مني، كأنّه أخٌ ضالٌّ جاءَ في اللحظةِ الخطأ لينقذَني! كانَ يأخذني إلى عالمٍ مجهول، لكنّه كانَ على الأقلّ عالماً مختلفاً عن عالمي الضيّقِ المُظلم. كان هذا بحدِّ ذاتهِ أملاً. لم أرَ هذا الممرَّ من قبل. عندما جاءوا بي أولَ مرةٍ، استقبلتني أكفٌّ خشنةٌ وعصيٌّ غليظةٌ، وضبابٌ من الألمِ والخوف، ثمّ وجدتُ نفسي فجأةً في ذلكَ الكهفِ الحجريِّ الذي صارَ كوني بأكمله. في الزنزانة، كانَ الزمنُ سائلاً لا شكلَ له. في الأيّامِ الأولى، كانت خيالاتي ترفرفُ كالطواويسِ في مرابعي القديمة. كانت تَصُبُّ فيّ شوقاً وحنينا إلى شوارعِ مدينتي المزدحمة، إلى ضحكاتِ الأصدقاءِ في المقاهي، إلى دندنةِ الموسيقى من النوافذِ المفتوحة، إلى أضواءِ السياراتِ المتلألئةِ تحتَ المطر. لكنّ شيئاً فظيعاً حدثَ مع الأيّام. بدأتْ تلكَ العوالمُ الجميلةُ تخيفني. صارتْ غريبةً عنّي، بل شعرتُ بأنّي لو خرجتُ فجأةً إلى ضجيجِ الحياة، لن أستطيعَ أن أتنفّسَ هواءها. تعلمتُ أن أتنفسَ في عالمي الضيّق، بل وسّعتهُ بخيالي حتى صارَ يضيقُ به. تعلمتُ حبَّ جنوني الوحيد. لكنّ عالماً واحداً لم يكفَّ عن تعذيبي: عالمُ أمّي، وخطيبتي، وأخي الصغير. كنتُ أنفجرُ أحياناً بِبكاءٍ مرٍّ يهزُّ كياني، ثمّ فجأةً أنقلبُ إلى الضحك، ضحكاً هشّاً كالبكاء. كنتُ أغنّي، وأصفّقُ لنفسي، وأصفّر، وأحياناً أعوي كالذئبِ في الليلةِ المقمرة. كنتُ أتساءل: أَجننتُ؟ ثمّ أُجيبُ نفسي: المجنونُ لا يسألُ إنْ كانَ مجنوناً. كنتُ أتخيلُ أنّي شخصٌ آخرَ تلبّسني، أو أنّ كلَّ هذا كابوسٌ طويلٌ سأصحو منه لأجدَ نفسي في غرفتي الصغيرةِ المُطِلّةِ على نهرِ مدينتنا الهادئ، حيثُ رائحةُ الشاي الباكرةِ والدخانِ المتصاعدِ من السطوح. أخيراً، انعطف بنا العملاقُ إلى غرفةٍ صغيرةٍ مُربعة. كانَ فيها ستةُ رجالٍ بانتظاري، كأنّهم قطعُ شطرنجٍ وُضعتْ على رقعةٍ محسومة. سلّمني العملاقُ إليهم بِحركةٍ بارعة، كبائعِ أزهارٍ يضعُ باقةً ذابلةً على رفّ العرضِ ثمّ يغادر. نظرتُ في وجوهِهم الستة، أبحثُ عن بصمةِ إنسان. ولكنْ، كانوا كتماثيلَ من شمع. لم يَنبسْ أحدهم بِبنتِ شفة، بل كانوا يتهامسونَ فيما بينهم بهمهماتٍ ميتة، كأنّ أفواهَهم مُقفلةٌ بأقفالٍ غيرِ مرئية. لم تَبرقْ في عيونهم شرارةُ تعاطف، ولم تتقلّصْ إحدى عضلاتِ وجوهِهم. لماذا كانوا هكذا؟ لماذا كانوا كتلةً واحدةً من الجليدِ تعملُ بتناغمٍ ميكانيكيٍّ ضدَّ قطعةِ لحمٍ ودمٍّ وروح؟ غمرَني في تلك اللحظةِ ندمٌ عميقٌ، مُرٌّ كالعلقم. ندمتُ على كلِّ ساعةِ رعبٍ قضيتُها في زنزانتي، أتخيّلُ هذهِ اللحظةَ كأعظمِ لحظاتِ الرعب. واكتشفتُ الآنَ أنّها بسيطة، ساكنة، وسريعة. وبشكلٍ مفاجئٍ، كالومضةِ في ظلامٍ دامس، انبعثَ في صدري شعورٌ جديد: لقد صِرتُ حرّاً. نعم، أنا حرٌّ الآن. لا سجنَ بعدَ هذهِ اللحظة. لا مللَ يؤرّقُ الساعات. لا جوعَ يُنهشُ الأحشاء. لا ذلَّ يَنهشُ الكبرياء. انسكبَ في روحي سلامٌ غريب. كنتُ سعيداً لأنّ الرعبَ الأكبرَ قد زال، رعبٌ كانَ يقضُّ مضجعي طوالَ سنين: أن تكونَ أمي قد ماتتْ وحيدةً تنتظرُ عودتي ، أو أنّها تنوحُ وتتلوى من وجعِ الفراق. أن تكونَ خطيبتي، بعدَ أنْ يَئستْ منّي، قد رمتْ خاتمَ الوعدِ واستقرّتْ في حضنِ رجلٍ آخر. لطالما تراءتْ لي في زنزانتي. كنتُ أمدُّ يدي الخشنةَ لأتحسّسَ حريرَ شعرِها، وأستنشقُ عبقَ جسدِها الذي كانَ كرائحةِ الياسمينِ بعدَ المطر. كنتُ أتذكّرُ طعمَ عسلِ شفتيها، وأسمعُ صدى ضحكتِها الطويلةِ المتقطعة، التي كانتْ كجرسِ إنذارٍ جميل. كانتْ تحدّثني، وتُناغيني، فأغني لها بصوتي الذي كانَ حلواً: "أكتبُ اسمَكِ يا حبيبي على الحورِ العتيق...". كانتْ تعشقُ تلكَ الأغنيةَ بصوتي. وكنتُ أخشى أن يطيرَ خيالُها بعيداً عنّي، فتنسى ملامحي، وتُعدُّ نفسَها لحياةٍ أخرى بلا ظلّي. ولا أدري لماذا، في تلكَ الغرفةِ الباردة، تذكّرتُ بوضوحٍ غريبٍ ذلكَ اليوم: يومَ قطَعنا ضفيرةَ أخي الصغيرِ "حمادة" الطويلة. كانَ يبكي بمرارةٍ قلبتْ كبدي. هدّأتهُ قائلاً: "لا عليكَ يا حمادة، لا تبكِ. أصبحتَ رجلاً الآن. صارَ عمرُك أربعَ سنوات، ولابدّ أن نقطعَ ضفيرتَك". هل مرّتْ عليّ أربعُ سنواتٍ في هذا الجُحر؟ لا أعرف. الزمنُ هنا نهرٌ أسودُ بلا ضفاف. ساعدني الرجالُ الستة، بِرفقٍ غريبٍ وكأنّهم يحملونَ تابوتَ زميل، على ارتقاءِ منصّةٍ خشبيةٍ عالية. كانتْ الهيكلَ الوحيدَ في الغرفةِ الفارغة. وقفتُ هناك، وكأنّي على مِنبرِ العالم. وفي ذروةِ تلكِ اللحظة، انكشفَ لي بصرٌ داخليٌّ حادٌّ: كم كنتُ أستطيعُ أن أكونَ أكثرَ طيبة! كم كنتُ أستطيعُ أن أُحبَّ الحياةَ أكثر! كم كنتُ أستطيعُ أن أمنحَ أمي قبلاتٍ أكثر، وألعبَ مع أخي أكثر، وأقولَ لخطيبتي كلماتِ حبٍّ أكثر! لقد أضعتُ أوتارَ العمرِ وهي تعزفُ أجملَ الألحان. رغمَ ذلك، لو أُعطيتُ فرصةَ حياةٍ أخرى، لَأمسكتُ بها بكلتا يدي. لكنّ الفرصةَ الوحيدةَ المُتبقيةَ كانتْ أن أبتسمَ لهم. فابتسمتُ. ابتسمتُ لكلِّ الوجوهِ الباردةِ من حولي. لكنّ ابتسامتي سقطتْ على الأرضِ كقطعةِ زجاجٍ لا قيمةَ لها. لم يَرها أحد. كانوا آلاتٍ مُحنّطة، تؤدّي مهمّةً دونَ أن تضطرب مشاعرُها الميّتة. لأولِ مرةٍ منذُ زمنٍ بعيد، رأيتُ وجهَ أمي مُتهلّلاً كشمسِ الصباح. رأيتُ عيني خطيبتي تلمعانِ بِسعادةٍ، ورأيتُ أخي الصغيرَ "حمادة" يلعبُ بدُميتهِ ويضحك. ورأيتُ، كالمعجزة، قوسَ قزحٍ يتشكّلُ في سماءٍ صافيةٍ، تُعلّقُ عليها غيومٌ بيضاءُ كالقطن.  ثمّ، وبسرعةٍ خاطفةٍ لا ترحم، أحاطَ بي الرجالُ من الجانبين. فجأةً، تحوّلتُ إلى ثعبانٍ غاضبٍ. حاولتُ أن أُخرِجَ لساني لألعقَ بهِ شفتيَّ اليابستينِ مِن العطشِ والخوف، لكنّ فمي كانَ كصحراءَ قاحلة. أومأتُ بإصبعي إلى حلقي، طالباً الماء. فتقدمَ أحدهم وكأسٌ في يده. سقاني إيّاه. كانَ ألذَّ ماءٍ شربتهُ في حياتي. ارتويتُ، وتمنّيتُ كأساً ثانيةً، لكنّي لم أطلب. خفتُ أن أُفسدَ جلالَ اللحظة، وهيبةَ الموقفِ الذي كنتُ فيه. لعلّ كلَّ هذا حلم! لعلّي سأصحو الآن على فراشي الرثّ في الزنزانة. لا يُعقلُ أن يقرّرَ مصيري هؤلاءُ الأشباحُ الصامتون! لا يُعقلُ أن تنتهي كلُّ أحلامي وأشواقي وخيالاتي بِدفعةٍ من يدٍ باردة.  ترنّحتْ قدماي قليلاً تحتَ وطأةِ الفكرة. فأسرعوا يمسكوني. لكنّي استحيتُ. رغمَ الوهنِ الذي أصابني، تماسكتُ. تصلّبتُ كالجذعِ القديم. فتركوا ذراعي. ودونَ أن ينظروا إليّ، أو يُودّعوا روحي بنظرة، دفعوا بِرأسي إلى الأمام. رأيتُ حلقةَ الحبلِ المعلّقةَ تتربّصُ بي. وفي اللحظةِ الأخيرة، لم أرَ إلّا خطيبتي. رأيتُها باسمةً ومشرقةً، كعروسٍ في يومِ زفافها، تُدخلُ حلقةَ العرسِ الذهبيةِ في إصبعي، وتهمسُ: "إلى الأبد".

.. خفيفًا.. طائرًا.

لا أدري متى بدأت الجلوس على كرسيّه بعد أنْ رأيته، يومًا، مهملًا في زاوية الصالة. ثمّ أعدْتُ تشغيل مذياعه. أتذكّر كلّ ذلك، الآن، وأنا على سريره. أمدّ يدي محاولًا التقاط المذياع. وحين رأى أبي ذلك نزل من صورته.. سحب الكرسيّ وجعله ملاصقًا لسريره. تناولتُ المذياع وأنا أتابعه يخطو خارجًا ليعيد ترتيب أشيائي المبعثرة، وربما يقف عند النافذة المطلّة على الزقاق.. أو قد يفعل شيئًا لمْ أرَه يفعله منْ قبل، فكثيرًا ما كنت أتركه وحده وأخرج.