
بين يديّ كتاب (الموقف الشعري إلى أين؟ وحوار مع عبد الوهاب البياتي) للناقد مالك المطلبي/ وزارة الثقافة العراقية/ سلسلة الكتب الحديثة/ المؤسسة العامة للصحافة والطباعة/ دار الجمهورية – بغداد 1389- 1969) الكتاب بسعة 58 صفحة. يتكون من قسمين: عنوان القسم الأول(الموقف الشعري إلى أين) ينتهي القسم الأول في ص26، يبدأ الفصل الثاني ص29( حوار مع عبد الوهاب البياتي)..أقطف صفحات من الحوار مع الشاعر البياتي.
(*)
مالك المطلبي: اعتقد أنني استطيع أن ألمح في شعرك مرحلتين مختلفتين.. أن صح ذلك فهل من الممكن التحدث عنهما بدلا مني؟ وهل ديوان(الكتابة على الطين) الذي سيصدر، مرحلة جديدة؟
البياتي : يمكن أن أقسم شعري إلى أربع مراحل: الأولى ديواني(ملائكة وشياطين). المرحلة الثانية ديوان (أباريق مهشمة) أما المرحلة الثالثة فهي دواويني (أشعار في المنفى) و(عشرون قصيدة في برلين) و(كلمات لا تموت) و(النار والكلمات) أما المرحلة الرابعة فهي (سفر الفقر والثورة) (الذي يأتي ولا يأتي)
(الموت في الحياة). واعتقد أن ديواني الجديد (الكتابة على الطين) سيمثل مرحلة خامسة. ولا يعني هذا التقسيم أن دواوين المرحلة الثالثة والرابعة مثلا متماثلة بل يعني أن هذا التقسيم وهذه المراحل
تشكل تطوراً تاريخيا وفنيا لأعمالي.
المطلبي : حركة الشعر الحديث، أين انتهت، لا بالنسبة للشعر التقليدي بل بالنسبة لذاتها كحركة؟
البياتي: بالنسبة لي ليس هناك شعر قديم أو حديث، حر أو كلاسيكي، وإنما هناك شعر أو لا شعر، أن صح التعبير. الشعر العظيم عطية نادرة ندرة أزهار الجبال وأنها لا تمنح بشكل اعتباطي للجميع. أن الشعراء الحقيقين كانوا نادرين جداً في كل المواسم والعصور وأن ازدهاره واضمحلاله يناقض قوانين الطبيعة وقوانين الاجتماع والسياسة أحياناً. أثبت تاريخ الشعر أنه كان يتفجر كالبراكين والزلازل في كافة العصور والمجتمعات
في مواسمه وفي غير مواسمه، أما بالنسبة لحركة الشعر فأنا لا أعتقد بالمدارس والحركات الشعرية على الاطلاق، فالشعر موهبة ذاتية أصيلة والشاعر العظيم أن ترك وراءه تياراً أو مدرسة فمعنى ذلك أن تلامذة هذه المدرسة أو هذا التيار السالكين محكوم عليهم
بعدم النبوغ. أن الشاعر العظيم لا يخلف وراءه ذرية أو نسخاً مكررة منه وطبعات جديدة ليس لها أية قيمة فنية.
المطلبي: لو طبقنا هذا المفهوم على الشعراء وأنت واحد منهم، الشعراء الذين طرحوا المضامين بصيغتها الجديدة فهل نستطيع أن نعيد السؤال فنقول: أين انتهت هذه الحركة بالنسبة لذاتها؟
البياتي: أن الجيل الجديد من الشعراء تنتظرهم أكثر من حمامة لكي تحط على رؤوسهم وما عليهم إلا الانتظار.
المطلبي : أيعني ذلك أن (الحمامة) لم تحط بعد؟
البياتي : الحمامة تطير الآن وهذا ما أشعر به صدقاً، لأن جيل الستينات والسبعينات الذي سيولد قريباً يبشر بارهاصات كبيرة في حياتنا.
المطلبي : أنني الاحظ في كثير من قصائدك انك استخدمت الرمز كإشارات عارضة
البياتي : إذا صح رأيك هذا على بيت من الشعر أو على استخدام جانبي لهذا الرمز أو ذاك فلا يعني أن هذا الرمز الجانبي قد استخدم في القصيدة الفلانية مثلاً لذاته، أنه حجرة أو حجيرة يتكون منها جسد القصيدة التي عبارة عن كل لا يمكن تجزئته، ولذا فأنا لا استطيع أن أنظر إلى هذا الرمز أو ذاك كجزء منفصل من القصيدة.
المطلب: النقاد يرونك والسياب أساسيّ الحركة الشعرية الجديدة على الأقل في العراق. فهل هناك من تشابه بينكما باعتباركما
قد بدأتما الأساس؟
البياتي : لا أغالي أو أقع في إقليمية ضيقة عندما أقول أن الشعر الحديث الحقيقي ولد ونما وترعرع ومازال ينمو ويترعرع في العراق. السيّاب وأنا ابتدأنا بدايات متقاربة أي أننا من جيل واحد
أننا ولدنا في 1926 ولكن بيئته الريفية كانت تختلف عن بيئتي التي ولدت فيها كل الاختلاف في العادات والتقاليد. بدأنا وكأن واحد منا كان يقاتل أو يتشوف أو يستشرف رحاب جبهة مخالفة مختلفة. عالم السياب الأول عالم القرية والمجابهة الرومانسية للحياة والأشياء، ظل يحمله معه إلى آخر ديوان شعر كتبه. وبذلك كان السياب نسيج وحده بالنسبة للشعر العراقي الحديث. أي أنه كان أول شاعر استطاع أن يستبطن الطبيعة ويضمن أشواقها وتغيراتها وعمقها وأصالتها في أشعاره وتجاربه الشخصية، وظلت رائحتها تفوح من قصائده الأخرى التي كتبها في كافة الموضوعات التي عالجها. بالنسبة لي فهناك كانت مراحل شعرية. لقد تخطيت في كل ديوان كتبته الواقع أو حياتي الأولى أنني أعتبر السيّاب
من أكبر شعراء العراق، لا في عصرنا هذا فقط وإنما في كافة العصور الأدبية. أنه شخصية نموذجية فريدة استطاع أن يعبر عن جوهر الطبيعة العراقية والريف الذي ظل مهملا طوال عصور وهو امتزجت روحه بتراب الطبيعة وأستطاع أن يعبر من خلال البروق والمطر والفصول عن جوهر هذه الطبيعة التي ظلت كامنة.
المطلبي: في الآونة الأخيرة تميزت بإنتاج غزير يعني ذلك ، الإنتاج الغزير المتلاحق، لدى الكثيرين أنه يوقع الشاعر في هاوية الغث
البياتي: لا يمكن لنا أن نحكم بغزارة هذا الإنتاج أو قلته من ناحية الكم، وإنما يجب أن ينظر إلى الكيف أي إلى الجودة. أنا اعتقد أن السياب وغيره قد كتبوا أشعاراً كثيرة، ولكنها كانت جميعها متميزة فريدة في موضوعها وتجاربها
المطلبي: كثيرون جدا ً في الوطن العربي مارسوا كتابة الشعر.. الا اختفوا في بداياتهم
البياتي: اتفق معك في هذا. وأذكر ُ أن ثمانية من عشرة من أصدقائنا الذين درسوا معنا في دار المعلمين العالية – كلية التربية – كانوا ينظمون الشعر ويقرضونه حتى أن بعضهم كان قد نال جوائز أدبية في المسابقات التي كانت تجري في تلك الآونة ولكنهم بعد فترة وجيزة اختفوا عن مسرح الشعر والحياة. أن نظم الشعر سهل ولكن كتابته هي أصعب الأمور. وهذا ما يميز الشاعر عن الناظم. أن الشعر موهبة أصيلة وليس عارضاً في حياة الفنان. يخطر لي أن المتنبي العظيم لو قيض له أن يعيش عشرة آلاف سنة لا ستمر في كتابة الشعر العظيم.
المطلبي : في هذه اللحظة لو أتيح لعبد الوهاب البياتي أن يقرأ لشاعر عربي وشاعر غربي. على أي شاعرين يقع اختياره؟
البياتي : لا أستطيع أن أختار شاعراً واحداً خاصة في شعرنا العربي الحديث لأن شعراءنا المجددين يؤلفون سمفونية واحدة متكاملة واني لا استطيع مثلا أن أختار(السيّاب)، وحده ولو أني أفضله على الآخرين، لكي أترك مثلا (خليل حاوي) أو (أدونيس)
أما الشعراء الغربيون لو خيرت لا خترت الشاعر المسرحي الكبير
(بيتر فايز) الألماني.
المطلبي: في رأي أن نازك الملائكة معلمة ناقدة قبل أن تكون شاعرة.
البياتي: مع الأسف أنني منذ عام 1958 حتى الآن لم أقرأ لنازك الملائكة شيئا وهذا يعود إلى سنوات الغربة التي قضيتها بعيداً عن الوطن. أما أشعارها التي كتبتها في نهاية الأربعينات والخمسينات فهي تبوئها لكي تكون الشاعرة العربية الوحيدة في الوطن العربي.
المطلبي: وسلمى خضراء الجيوسي؟
البياتي: أنا أعتقد أن بعض أشعار سلمى خضراء الجيوسي أكثر عمقاً وأصالة من نازك نفسها، ولكن مع الأسف لم أقرأ لها إلا القليل. أما كونها معلمة (هنا يعود البياتي للكلام عن نازك) فأرفضه رفضا قاطعا فكتابها (قضايا الشعر المعاصر) كتاب تافه ومتهافت يمتاز بالسطحية والتسرع واطلاق الاحكام الميكانيكية ومن ثم فهو لا يصلح أن يكون كتاباً مدرسيا. ورأي أن نازك الملائكة مفكرة بقدر ما هي شاعرة. ولكن شاعريتها تنتهي عند شطآن معينة.
مالك المطلبي: أدري أن الشعراء اللبنانيين، لا أحدد أحداً، من أجل الاستثناء، مهوسون داخل(الحمى الغربية) يقولون أن إنسان القرن العشرين وحياته نتجا في معامل الثورة الصناعية الغربية وكل حديث بالقديم أو عن القديم زيف
البياتي: ليس هناك وجود مستقل لشيء اسمه الشعر اللبناني وليس هناك اتجاه أو مدرسة واضحة له، وكما أننا أدنا الذين يخرجون من المعاطف القديمة فكذلك ندين هنا أيضا الشعراء الذين يخرجون من المعاطف الجديدة المجلوبة المستعارة، وأنا مع خليل حاوي الذي يقول (أبعدوا هذه الوجوه المستعارة)، وقد أصاب خليل حاوي كبد الحقيقة في تشخيص بعض ظواهر الحمى الجديدة.
المطلبي :أنا لم أقل الشعر اللبناني بل قلت الشعراء اللبنانيين.
البياتي: ليس هناك فرق كبير بين أن نقول الشعر اللبناني أو الشعراء اللبنانيين.
المطلبي : خليل حاوي شاعر مثلا واسميه أنا وأقول عنه من لبنان
فهو شاعر لبناني، أما أن أحدد الشعر كظاهرة واجعله منتميا، كناقد، لبلدٍ ما، فهذا مالا أفعله، وهنا أختلف معك في أن هناك فرقا كبيراً.
البياتي: إذا كان الأمر على هذه الشاكلة فأنا موافق.
المطلبي: هل تتفضل وتذكر لنا أعز قصائدك على نفسك
البياتي : (المرتزقة) أحدى قصائد ديوان (الكتابة على الطين الذي سيصد.
المطلبي : ليس لديّ شيء آخر
البياتي : أود أن أشكرك في الختام
القاهرة 18- 3- 1969
(*)
قبل سنوات أثناء مهرجان المربد، ونحن نغادر قاعة القراءات الشعرية في جامعة البصرة، اخبرتُ دكتور مالك أنني عثرتُ على نسخة ٍ فريدة ٍ من كتابٍ له.. تبسمَ متشوقاً وقال لي:
(عليك َ الله..!!) فقلتُ (الموقف الشعري إلى أين..؟)
ثم غادرنا فندق العيون هو وأنا. وسألني عن رأي في الكتاب
ونحن نتنزه في الكورنيش.. سألته لماذا لا تعيد طبعه؟
سألني مستغربا وضاحكا : (من كل عقلك؟)..
أدرتُ حديثي لجهة ثانية: قلتُ له لا أعرف كيف يكون الشكر؟ قال عن ماذا؟ قلت له : مقالتك في مجلة نعمان النقاش، عن قصيدتي( النوم)... حين عدنا من النزهة، ما أن دخلنا صاح الأستاذ محمود عبد الوهاب؟ أين كنتما؟ أجابه دكتور مالك مبتسماً:
(مقداد عزمني على طاسة لبلبي)
طيّب الله ثراك يا أبا لبيد
وجعل قبرك روضة ً من رياض الجنة.







