
في أمسية أقامها المقهى تميزت لندن وقتها بحرارة جو غير الاعتيادية، توقعنا ان ذلك سينعكس على حجم حضورها، لكن هذا التوقع سرعان ما زال حين ابتدأت الأمسية وسط حضور كبير وكان ذلك في مساء الخميس المصادف ٢٨ ايار/ مايو ٢٠٢٦ حيث استضاف المقهى د. نجم الدين غلام ليقدم أمسية عن السيدة (الست) أم كلثوم وكانت محاضرته تحت عنوان "أم كلثوم الهرم الرابع".. والمفارقة ان الدكتور نجم الدين متخصص بطب الاسنان لكن له اهتمامات في الدراسة والبحث في شؤون فنية وأدبية، ونذكر انه في العام الماضي قدم أمسية عن عمر الخيام .
ابتدأت الأمسية الاعلامية سلوى القزويني بتمهيد جميل عن الأمسية وبكلمات مركزة موجزة إستهلتها بـ:
" مساء الخير .. أهلا وسهلا بالحضور الكرام .. أمسية اليوم سوف تكون شيقة وممتعة جدا، لأنها عن معجزة صوتية ..عن ظاهرة أبهرت العالم الغربي وليس العالم العربي فحسب ..بسبب مداها الصوتي .. بسبب انتقائها المتأني لكلمات اغانيها، التي أدخلتها إلى قلوب الملايين ." وهنا أضاف الدكتور غلام: "وكان لها تأثير اجتماعي" وضحت القزويني عن هذا الموضوع سيأتيكم في سياق المحاضرة وواصلت تقديمها للأمسية بالقول:
"مرحبا بالحضور الكرام وكل عام وأنتم بخير لمن يحتفل بمناسبة عيد الاضحى المبارك .. اهلا بكم بهذه الأمسية الممتعة الشيقة عن الظاهرة والمعجزة الا وهي أم كلثوم حيث ان محدثنا لهذه الليلة شخصية مولعة بأم كلثوم ولذلك هو يمتلك معلومات غزيرة عنها والتي سوف يقدم جزءاً يسيراً منها فالحديث عنها يطول، لهذا سيحاول ان يختصر قيد الإمكان ثم يتاح المجال للأسئلة والمداخلات منكم ". اما تعريفها بسيرة الضيف الذاتية فكان بايجاز شديد وعلى النحو التالي :
"طبعا نجم الدين غلام معروف لدى الكثيرين منكم، لكن لمن لا يعرفه هذه نبذة مختصرة عن حياته :
ولد الدكتور نجم الدين في بغداد ونشأ وأكمل دراسته فيها، خدم في قاعدة المثنى الجوية، وعمل في أطراف أهوار الناصرية ومستشفى أبو غريب .. غادر الوطن إلى بريطانيا عام ١٩٨١، حيث عمل في مستشفيات شمال ويلز ثم حصل على زمالة كلية الجراحين الملكية عام ١٩٨٦وحصل على دبلوم في التخدير، كما عمل في عيادات طب الأسنان وأسس عيادته الخاصة التي عمل فيها ولمدة ٢٥ عاما، ثم عمل في عيادة أخرى في مقاطعة يورك شاير ..ترك المهنة منذ مدة قصيرة ليتفرغ لممارسة هوايته المفضلة في البحث والتقصي في مجالات مختلفة ومنها البحث الذي سيقدمه هذا المساء عن كوكب الشرق أم كلثوم أو كما يحلو له ان يسميها الهرم الرابع" .
ثم أعطت الإعلامية القزويني الحديث للدكتور نجم الدين الذي استهل محاضرته :
"شكرا عزيزتي سلوى .. قبل كل شيء أحب ان أقول لكم ايامكم سعيدة وتمنياتي لكم بالموفقية والسعادة وان يحل علينا العيد السنة القادمة مرة أخرى والجميع بصحة جيدة وان يعم السلام على العالم كله.
الحديث عن ام كلثوم صعب جدا ولا أستطيع ان أختزله بساعة .. على العكس إذ يمكن للحديث عنها ان يستغرق أياما، فهي كما ذكرت سلوى ا ظاهرة إنسانية، سياسية، ثقافية، لنسمها ما شئنا، لكنها ظاهرة .. ليست انسانة عادية .. لعبت دورا في المجتمع العربي، وعرفها الناس في أرجاء العالم وكتبت عنها صحف عالمية عديدة منها التايمس ولايف وديلي ميرور ..الخ ".
وقبل ان يتكلم المحاضر عن أم كلثوم بدأ بالحديث عن أهمية المغني في حياة الشعوب، او ما اسماه روح الشعوب، فذكر ان :" اول من تكلم عن العلاقة بين روح الشعوب والمغني هو أبو الفلاسفة أفلاطون قبل حوالي ٢٤٠٠سنة اذ قال ان اردت ان تعرف مدى رقي أمة فأستمع إلى أغانيها. وكذلك أرسطو تلميذه وهو اب الحكماء، قال : لا أبالي إذا انا وضعت أغاني أمة وان يضع غيري قوانينها " وهو بهذا أكد ما ذهب اليه استاذه، وحين تعلم على يديه الأسكندر الذي راح يسأل عن أي البلدان التي يحتلها لكي يوسع الإمبراطورية الرومانية فأجابه ارسطو :" ابحث عن المغني، أولا، عند دخولك أي بلد، لأن المغني هو ضمير الأمة التي يميتها ان كذب او غش ويحييها ان أبدع عن صدق" . اما ابن خلدون فقال :" ان اول مظاهر انحدار حضارة ما، هو انحدار أغانيها " وأود ان أورد في هذا المضمار ما قاله الفيلسوف نيتشه :" إذا اردت الحكم على مستوى شعب، فاستمع إلى موسيقاه ".
ثم قدم د. نجم الدين سردا عن ولادة ام كلثوم ونشأتها، حرص فيه على تتبع مسارها خطوة بخطوة، ولأن المحاضرة توفرت على معلومات تاريخية وأشرت على مراحل بناء شخصية فذة نحاول ايجاز ما عرضه المحاضر بسلاسة وانسيابية بالنحو التالي :
"هناك حوالي ١٤ تاريخ لولادة ام كلثوم، الا انه هناك اتفاق على انها ولدت في ليلة القدر ٢٧ رمضان المصادف السبت ٣١/١٢/١٨٩٨ في قرية طماي الزهايرة، بلدة السنبلاوين، محافظة الدقهلية.
في تلك الليلة كان والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي، مؤذن جامع القرية، يتهجد في ليلة القدر، وأخذته سنة من النوم، فرأى في المنام سيدة تجللها الثياب البيض، ويشع وجهها نورا وتقدمت منه واعطته لفافة خضراء، فلما فتحها متهيبا، وجد في داخلها شيئا له بريق يخطف الابصار، فسأل السيدة عما الشيء الذي يحمله بيده، فقالت له : هذه جوهرة وبشرى السعد، حافظ عليها " .. والتفت اليها الشيخ إبراهيم يسألها عن شخصيتها متوسلا ومن تكون فكان جوابها :" انا أم كلثوم بنت النبي " .وعندما وضعت فاطمة زوجة الشيخ إبراهيم طفلتها، احتارت في تسميتها، فأجاب الشيخ على الفور نسميها (أم كلثوم) على اسم بنت النبي .
بعثها والدها وهي طفلة ذات ٥ سنوات إلى الكُتاب لتتعلم .. وكان والدها ينشد الموشحات الدينية في مدح الرسول مع ابنه الصغير خالد وكانت الابنة الصغيرة تستمع اليهما وتحفظ ما ينشداه.. وحين سمعها والدها استحسن الصوت الجميل لابنته فضمها إلى فرقته التي كانت تجوب البلاد على ظهر الدواب تارة وبالقطارات تارة أخرى وعانت من مصاعب التنقل في أرجاء مصر، وفي أجواء البرد والحر إلى ان وصل بها المطاف إلى القاهرة في ١٥/٩/١٩٢٣ وهناك التقت بصديق والدها الشيخ أبو العلا محمد، وكان سيد ملحني القصائد يومذاك، وغنت بعض قصائد من الحانة، أهمها ( الصب تفضحه عيون) و ( أفديه ان حفظ الهوى أو ضيعا).
ثم تعرفت على أحمد صبري النجريدي وكان اول من لحن أغان خاصة بها .
ثم جاء محمد القصبجي الذي وجد ضالته المنشودة في صوت ام كلثوم وأطلق مكنوناته الموسيقية المختزنة في عقله فانتج روائع غنائية، ووضع اول لحن لها: ( ان حالي في هواها عجب) وهي من كلمات احمد رامي عام ١٩٢٥ . . ولازم القصبجي ام كلثوم وفرقتها حتى مماته في ٢٥/٣/١٩٦٦.
ثم لحن لها داود حسني وزكريا أحمد ابتداءً من العام ١٩٣١، ثم تبعهما رياض السنباطي الذي شكل معها ثنائيا مدهشا، فكان ملحنها الأثير لنزعته الصوفية ولجذورها في الانشاد الديني .
كان السنباطي فنانا ذا كبرياء، وهو أكثر ملحنيها تمردا عليها، من جراء آنفة فيه تجعله يثور لمجرد ظن المساس به في فنه الذي يعتز به، فهو لا يقبل، أثناء التمرين مخالفة اللحن الموضوع، إلا إذا جاز التغيير رجاءً رقيقا .. ويحدد السنباطي الأجر الذي يرضيه وكثيرا ما يجاب اليه .
عاد أحمد رامي من الخارج في ٢١/ ٧/١٩٢٤ وبعد يومين دعاه صديقه محمد فاضل ليسهر معه في سور الأزبكية وكان فيها كشك أمام مدخل تياترو حديقة الازبكية وهناك كانت ام كلثوم تغني وبدون ان تصاحبها آلات موسيقية، وكان سعر تذكرة الدخول لهذا الكشك عشرة قروش، عندها سمعها رامي لأول مرة تغني وتعرف عليها، وكان جالسا مع صديقه في الصف الأول، وشجعه صديقه ان يطلب من أم كلثوم ان تغني إحدى قصائده.
فغنت أم كلثوم لرامي من شعره :" الصب تفضحه عيونه وتنم عن وجد شؤونه ".
وقع رامي في حبها وعشقها وفجرت في داخله ينابيع الشعر واتحفنا بـ ١٣٨ أغنية من وحيها .
قالت ام كلثوم لرامي : " لقد غنيت لك شعرا وأريد أن تقدم لي أغنية من الزجل"، فدهش رامي وقال لها :" انا لم أنظم الزجل في حياتي ...". فردت عليه :" ألم يعجبك صوتي " أجابها بنعم فحاججته اذن ما الذي يمنعك من ان تضع شعرا في كلام دارج يكون أقرب إلى فهم الشعب .
وكتب رامي نزولا عند رغبتها اول اغنية (خايف يكون حبك في شفقة عليِّ) لحنها النجريدي فسمعها الناس فأقبلوا عليها مرحبين بها، طربوا لها، ووجدوا فيها لونا لم يك معروفا في ذلك الوقت .
كان حب رامي لأم كلثوم حبا صادقا وعميقا.
هناك ثلاث شخصيات قاهرية وضعها القدر في طريق ام كلثوم، ساهمت كل شخصية فيها بنسبة ما في إيجاد القاعدة الصلبة التي انطلقت منها إلى سيدة الغناء العربي الكلاسيكي على امتداد القرن العشرين.
وهذه الشخصيات هي :
١-الشيخ مصطفى عبد الرازق : أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة القاهرة، ثم صار وزيرا للأوقاف، ثم شيخا للأزهر ـ لعب دورا كبيرا في زج ام كلثوم في المجتمعين السياسي والثقافي ورعاها لتحتل موقعا متقدما فيهما .
٢- الشيخ أبو العلا محمد : كان استاذها الأول الذي دربها على الغناء والنطق ومخارج الألفاظ بل كان دوره الأساسي في صقل مواهبها الغنائية .
٣ – أحمد رامي : كان أستاذا ثقافيا وأدبيا لأم كلثوم .. خصص يوم الاثنين لها فكان يحمل لها دواوين عيون الشعر العربي كالبحتري وأبو نؤاس وأبو فراس الحمداني وأبو تمام والمتنبي والشريف الرضي ومهيار الديلمي .. واعترافا منها بفضل استاذها عليها كانت تطلق على يوم الاُثنين " يوم رامي " وبالمقابل كان هو يسميه يوم " أم كلثوم" . ولابد هنا من الإشارة ان من عمل على استكمال ما بدأه أبو العلا .. كان أحد الضليعين بالثقافة الموسيقية وواحد من كبار العازفين، القصبجي، فكان أستاذا حقيقيا لها، درسها أسرار المقامات والعزف .. وهو الذي كان له الدور المهم في تثبيت أقدام ام كلثوم في دنيا الإحتراف .
وفي العام ١٩٢٦ اتفقت ام كلثوم مع القصبجي ومصطفى رضا بك رئيس معهد الموسيقى على تشكيل تخت أم كلثوم من كبار العازفين آنذاك .
اما الشيخ زكريا احمد فقد انضم إلى ملحني ام كلثوم في عام ١٩٣١ حيث قدم لها لحنا من كلمات رامي ( يللي حبك ماضناه ..في نعيمه وشقاه) ..
وفي ١٩٣٥ جاء دور السنباطي ليلحن لها " على بلد المحبوب " ومنذاك كون السنباطي وأم كلثوم ثنائيا مدهشا في تاريخ الموسيقى العربية .وفي تصريح لها عن عملها معه قالت :" انه توأم روحي، يحس بي وأحس به، ينفعل مع صوتي وأنفعل مع الحانة، وانا اعترف بان ملحني الخاص هو السنباطي " .
ومع افتتاح الإذاعة المصرية في ٣١/٥/ ١٩٣٤ كانت تحيي حفلات كل جمعة، ثم انتقلت إلى خارج الإذاعة وتحيي حفلات اول خميس من كل شهر، على مدى أربعين عاما، وقدمت اول حفل لها بمسرح دار الاوبرا في ٧/١/ ١٩٣٧.
اما تسجيلها للأسطوانات فتعتبر اغنية ( اراك عصي الدمع ) اول اسطوانة لحنها لها عبده الحامولي وكانت مسجلة على أسطوانات (اوديون ) عام ١٩٢٦ .
كانت تتدخل بالالحان بعد ان حصلت على خبرة سنوات في الغناء، ولعل قصتها مع محمد الموجي في أغنية (للصبر حدود) كانت دليلا على تدخلها حيث اشتكى الموجي من ذلك التدخل وتلكأ في إكمال اللحن ووصلت القضية إلى المحاكم وأخيرا أكمل لحنها وغنتها في ٢/١/١٩٦٤وقيل وقتها :" أم كلثوم كلثمت الموجي ..لكن الموجي ثأر لنفسه في اغنيته لها (إسأل روحك) فقالوا بعدها ان :" الموجي موَّج أم كلثوم ".
كانت أم كلثوم مطربة المثقفين والبسطاء، المتصوفين والعشاق، الجيل القديم، الجيل الجديد، النساء والرجال .
مجلة "التايم " من بين صحف عالمية كثيرة، كتبت :" اتفق العرب على ان لا يتفقوا .. لكنهم متفقين، أجمعين، على ام كلثوم ".
واكبت أم كلثوم الحركة السياسية فكانت اول من غنت القصيدة الوطنية، وإبان ثورة ١٩٥٢ كانت هناك أصوات تدعو إلى منعها باعتبارها مغنية الحقبة الملكية لكن تدخل عبد الناصر شخصيا حسم الأمر فاصبحت مغنية العهد الجديد فارتبطت برباط وثيق بالحقبة الناصرية .
أقامت أم كلثوم حفلات خارج مصر .. فمثلا كانت حفلتها مشهودة في باريس في ١٩٦٧وحين غادرت فرنسا أرسلت برقية إلى الرئيس الفرنسي ديغول قالت فيها :" قبل ان أغادر فرنسا العظيمة، أحيي فيك وقوفك مع العدالة، وفي جانب السلام " ورد عليها ديغول :" لقد لمست في صوتك أحاسيس قلبي، وقلوب الفرنسيين جميعا ".
واختتم الدكتور نجم الدين غلام محاضرته بتناوله لفترة الستينيات وذكر انها شهدت زيادة مؤلفي، وملحني أغاني أم كلثوم بصورة لم يسبق لها مثيل، فمن بين المؤلفين الذين تعاونت معهم عبد الفتاح مصطفى، عبد الوهاب محمد، مأمون الشناوي، مرسي جميل عزيز، أحمد شفيق كامل وصلاح جاهين .. ومن الملحنين، بليغ حمدي، محمد الموجي، محمد عبد الوهاب وسيد مكاوي .
وأكد ان محمد عبد الوهاب نجح في جذب فئة الشباب، وجمهور كبير إلى رحاب مستمعي ام كلثوم، خصوصاً بعد أغنية " أمل حياتي ”، فحصل عبد الوهاب على جمهور أم كلثوم، وحصلت ام كلثوم على جمهور عبد الوهاب.
ساهم الحضور في نهاية الأمسية بطرح مداخلاتهم واسئلتهم وجرى حوار جاد بينهم وبين المحاضر









