في غلاف الكتاب نقرأ الكتابة التالية (تاريخ الفلسفة الإسلامية) المستشرق الفرنسي هنري كوربان. راجعهُ وقدّم لهُ الإمام موسى الصدر. في الصفحة الأولى نقرأ مع العنوان واسم المؤلف الكتابة التالية: ترجمة نصير مروة وحسن قبيسي، يليه: راجعهُ وقدّم لهُ الإمام موسى الصدر وعارف تامر. في الصفحة الثانية، يعلم القارئ أن هذه الطبعة الجديدة 2025 جميع حقوق الطبع محفوظة. المكتبة الفلسفية. ولا يوجد اسم الدولة أو المدينة التي تم طباعة الكتاب فيها!!

(*)

هنري كوربان منذ سنوات قرأت له كتابا يتناول الخيال عند ابن عربي ونضدت ُ الكتاب ضمن الرف الخاص بما لديّ من مؤلفات ابن عربي، صارت ذاكرتي بين الحين والآخر تشتاق فصلا من فصول الكتاب، وحين أجدد قراءتي أشعرني كأنني لم أقرأ هذا الفصل إلاّ الآن، لكن هوامشي السابقة على الصفحات تسخر من ذاكرتي.

(*)

موسى الصدر: شمس صورته لم تغب عن روحي. بعد سنتين سيكون قد بلغ هذا الرجل القيادي مئة عام من المحبة والمجد والخلود. لستُ من المجاهدين تحت رايتهِ لكنني أعتز بشخصيتهِ المعرفية

(*)

عارف تامر (1921- 1998): علاقتي مع مؤلفاته عن الإسماعيلية والقرامطة بدأت منذ خمسة عقود ونصف العقد،

بين الحين والآخر تشتاق ذاكرتي نزهة ً في بساتينيه المعرفية

(كلمة حق)

ما بين القوسين هو عنوان ما كتبه المؤرخ والشاعر السوري عارف تامر. يحدثنا عارف تامر عن علاقتهِ مع هنري كوربان واللقاء الأول كان في 1951 في أمسية على شاطئ بيروت الجميل فعرف في كوربان (الزهد في الشهرة والابتعاد عن كل مديح وتقريظ، والانقطاع لخدمة رسالته الإنسانية، بصوفية، وصمت، وتجرد) ونعرف من خلال تامر أن كوربان حافظ على سجاياهِ وعزلتهِ المعرفية، وأنه من أعمق الباحثين في قضايا الفلسفة الإسلامية، وتطورها، ومن أدقهم معرفة بها. أما تمكنه من اللغة العربية، والفارسية، فلا غبار عليه، وأما سعة اطلاعه وغزارة مادته، فنترك الحكم عليها للقارئ الكريم الذي لم يتسن له الاطلاع على بحوثه العديدة ومؤلفاته القيمة، التي جلا بها فضل فلاسفتنا، ودل على أثرهم في مجال الفكر والحضارة. وفي تقديمهِ يعلن عارف تامر) أشعر بفخرٍ واعتزاز لأني أقدم مستشرقا ذا ضمير حي كرس نفسه لخدمة الفكر الإسلامي بتجرد، وباحثا جليا كان تفكيره أوسع مدى من محيط الجمود الفكري، والانكماش المقيت. أقدمه داعياً الباحثين والعلماء في عالمنا العربي والإسلامي للدخول إلى مدرسته الفكرية والاطلاع على النظريات الجديدة) يختم عارف تامر مقالته القصيرة والعميقة، موجها كلامه إلى القوة الدافعة لنشر الكتاب (لا يسعني إلا أنوه بفضل الأستاذ أحمد عويدات الذي مازال يدأب على اختيار المراجع العلمية المفيدة، وإصدار الكتب القيمة ذات الأثر البارز في عالم الفكر الإنساني القديم منه والحديث.

(تصدير)

هذا عنوان مقالة الشهيد موسى الصدر (ص5- 28) فيها يقيّم جهد كوربان ويختلف معه بلغة ٍ معرفية شفيفة ٍ.

يبدأ الشهيد الصدر مقالته قائلا: (لقد فتح هذا الكتاب أمام العالم الغربي باباً واسعاً جديداً للثقافة الشرقية وكشف له كنوزاً غنية بالإنتاج الديني الفلسفي والتصوف الأصيل)

ويثمّن موسى الصدر كتاب(تاريخ الفلسفة الإسلامية) قائلا : بذل الأستاذ المؤلف البروفسور هنري كوربان في هذا العمل الكبير جهداً متواصلاً يدهش القارئ ويلزمهُ بالتقدير والاعجاب، لأنه تجاوز فيه طاقة الفرد والافراد، ذلك أن الأبحاث التي يتحدث عنها المؤلف كانت في الكثير منها مودعة في صدور العلماء الراسخين في العلم وفي أوراق الكتب المخطوطة. وقد تفرق العلماء وانتشروا، وتبعثرت الكتب في خزائن المكتبات الخاصة والعامة في مختلف بلاد العالم. ثم ينتقل السيد الصدر من الكتب إلى الكاتب هنري كوربان فيقول(والمؤلف مع ذلك يحاول بصبرٍ وجلد متناهيين سبر أغوار هذه الأبحاث واكتشاف جواهرها وترجمتها وتنسقيها واخراجها، وهذا عمل يتجاوز جهود كثير من الباحثين) ثم يخاطب السيد الصدر القارئ العربي

(أما القارئ العربي فسوف يجد في ترجمة هذا السفر الجليل متعة فكرية واعتزازاً بما انتجته بلاده وبما انتجه الشرق كله) ينتقل بعدها إلى المترجمين قائلا(ترجمة هذا الكتاب تقدم بدورها الفكر ما يتناسب مع المشقات التي تحملها المترجمان الفاضلان والجهد المتواصل الذي بذلاه للعثور على النصوص ومصادرها ولإتقان الترجمة) بعدها ينتقل السيد الصدر لموجهاته المعرفية الدقيقة قائلا(ولكن هذا الكتاب يحتوي على أبحاث أساسية تقبل النقد العلمي وتستحق النقاش العادل) ويتوقف ثانية ً عن دور المستشرق كوربان (وفضل المؤلف مضاعف لأنه أثار هذه النقاط التي كان المهتمون بها

يفضلون عدم الخوض فيها إيجابا أو سلباً) ثم ينتقل للتفريق بين الرأي الخاص والرأي العام، قائلاً (أنما التحفظ الكلي في إسناد هذه الآراء إلى مذاهب المؤلفين واعتبارها جزءاً من عقائد تلك المذاهب. فالثابت هو أننا لا يجوز لنا أن نحاسب المذهب الحنفي عما تجده في كتاب فصوص الحكم لمحي الدين بن عربي، أحد أساطين التصوف في الشرق) يحاول السيد الصدر في هذه المقدمة توضيح المبادئ والآراء في الأصول والتفسير والعقيدة وهي جزء من المذهب والعقيدة وفي الوقت نفسه يعلن (نحن لا نقصد انكار ما نقله الأستاذ المؤلف عن المفكرين ولا التنكر له، فالفكر معين لا ينضب ينتج ويعطي ولا يقف بداً. فكل مفكر مسؤول عما يقول ومعتز بما يقول والصرح الثقافي يعلو ويرتفع بهذا أو ذاك)

هنا يؤكد السيد موسى الصدر إيمانه ُ المطلق بحرية الإبداع

وبهذه الحرية يؤمن بالاختلاف ويرفض الخلاف. ويضرب لنا مثلاً واقعيا(أنبه فكر القارئ الكريم إلى مثل من الواقع الذي نعيشه، فالوردة ينظر إليها الطفل كلعبة حلوة، ويفهما المريض أو المسافر هدية طيبة، ويفسرها الفنان الرسام بغير هذين المفهومين، أما العالم الطبيعي فأن مفهومه عن الوردة يختلف عن جميع المعاني. فهو يتعمق فيما يخفي عن أبصار الآخرين ويرى من النشاطات في خلايا الوردة وفي أوراقها

الظريفة ما لا يراه غيره) بهذا المثال الجميل يوضّح السيد الصدر أن لكل حقيقة، العديد من الحقائق ولها آثار متفاوتة. ثم يستثني قائلا (ولكن الكلمة تختلف عن سائر الحقائق، وتفسيرها يكاد أن يكون محدوداً بحدين: الحد الأول هو مدلول الكلمة ومعناها الاستعمالي من حقيقة ومجاز وكناية، فلا يمكن تفسير الكلمة إلا في حدود محتواها ومدلولها، أما إذا تعدينا هذا الحد فتصبح الكلمة رمزاً وتتغير الدلالة الوضعية وتتحول إلى الدلالة العقلية) والكلمة هي الحد الأول والحد الثاني (هو مستوى معرفة المتكلم وقصده من التكلم والكلام، حيث لا يمكن أن تفسر كلام شخص بمعنى لا يعرفه أو بحقيقة ما وصل إليها) الحد الثاني يسبق تكلمنا نحن بالحداثة والتلقي ونظرية آيزر ومشتقاتهُ. والحد الثاني يتفرع نسقيا: النسق الأول: يشترط المحمول الثقافي للمتكلم. النسق الثاني قصدية المتكلم. والنسق الثالث يجسد العام في قوله: قصدهُ من الكلام. وهذا التناسق تعود فائدته للنسق الأول المتكلم وكلما ارتفع مستوى معرفة المتكلم وازداد علمه وثقافته، ارتفعت معاني كلامه وكثرت مدلولات ألفاظه. والمستثنى من الحد الثاني فهو (الكلام الإلهي فلا يحد بالحد الثاني) والسبب هو أن علم الله عين ذاته ولا حد له (وسع كل شيء علما).

(*)

تكتفي كتابتي بهذا القدر، على أمل ٍ المعاودة فهذه المقدمة  تستحق وقفة ثانية : نقتبس من السيد موسى الصدر وقفاته الهامة عند الموضوعات التالية في كتاب(تاريخ الفلسفة الإسلامية): الظاهر والباطن. فواتح السور. الإمام. استمرار تاريخ الإنسانية الديني. التصوف والتشيع. القطب. الإمام الغائب.