
يقدم الشاعر والناقد مقداد مسعود رؤيته الفلسفية للحياة من خلال عمق الفكر الانساني وبلاغة المفردة النصية في مجموعته (رأيتهُ يغسل الماء) فمنذ العتبة الاولى (عتبة المفارقة) (الغسل/ الماء) وسيولة الماء وفيوضته الفكرية التي تسقي نصوص المجموعة نجد ان الشاعر لم يجنس نصوصه الشعرية فهي ابعد دلالة من الشعرية ذاتها ، لأنها من النصوص التي تثير الاسئلة الكبرى في وجود الانسان وتحول النظريات المجردة الى صور شعرية مليئة بالوجدان والحميميمة عبر لغة بلاغية مكتنزة بالمجاز والايحاء والتأمل ، وتهيمن على هذه النصوص حميمية المكان في الحيز الجغرافي النابض بالذاكرة والذكريات والتألف الوجداني ليتحول الى سيرورة دينامية بين ذات (ذاكرة الشاعر) وبين هويته الفلسفية ورؤيته للأشياء وفقا لرؤية ظاهراتية فينومينولوجيا في اختبار واختيار المكان للتعايش والتفاعل بوصفه من جزئيات الهوية الانسانية والوجدانية والسيكولوجية ،اذ حول الشاعر هذا المكان الى حالة من الدفء والالفة عبر انسنته وتواصليته الاعتبارية والرمزية مع (المشاعر الداخلية) التي يثيرها المتن المكاني ، ففي مجموعة (رأيتهُ يغسل الماء) تتمظهر الالفة في المكان (امكنة حميمية دافئة) وبخاصة البيت والحدائق والمكتبة وغيرها ، فتحضر الاشجار والحدائق بوصفها من رمزيات الكبرياء والصمود والشموخ والتجذر في حميمية الارض لمواجهة ازمات الحياة، وكذلك النماء واستمرارية الحياة وتقديم الحكمة الوعظية بجانبها الصوفي الناصع، فتلك الاشجار وعلاقتها بالمكان انما يفضي لما يختلج الانسان ذاتيا لتكون ضمن المعادل الموضوعي للتعبير عن الشوق والحنين للذاكرة ، فقد تمكن الشاعر مقداد مسعود بابتكار تشبيهات جمالية واصفة بطريقة شعرية تتجسر ضمن متنها درامية مشحونة من خلال قوة المفردة واختيارها في بناء تراكيبه الشعرية، فهو يقول في نصوص مجموعته هذه : ((فيضيء الحديقة عطرُ ...ثمرة البمبر تهبط الأرض هامسة ..
لا احد يسمع صراخها ،سوى العشب والشجرة وقبلهما : أنا / ص11)) مع الإيقاع الصوتي المميز والمتفرد لمفردة (للبمبر) الا انها تمثل رمزية الهوية للمكان القديم والذاكرة الوجدانية بوصفها تمثل الصلابة والمقاومة والصمود وفي الوقت ذاته تمثل رمزية الشفافية ، وكذلك يقول : ((الهي من يضع قدمي في الطريق المؤدي الى بيتنا؟/ص12))
((الادعية : بنات القران . غسق وشموع على عتبات البيوت/ ص16)) ويتجاوز الشاعر في رمزية (العودة للمنزل) البعد الجغرافي الفيزيائي الى اللحظة الوجودية لمزاج الذات والبحث عن المكان الاول (المفقود) دلالة الرحلة الوجودية والتساؤلات الشاقة (للاستقرار) والعودة الى الجذر الاساس، وهي فاصلة بين (عتبة عامة مفتوحة/ الشارع) بما يحمل من منغصات وخطورة الى عتبة (خاصة / حميمة دافئة مغلقة) تمثل الذات المطمئنة. ويقول الشاعر في نصياته كذلك : ((في مركبة مهجورة يقرفص الامل ، يرتجف
يقطر المطر قطرة ...قطرة من بقية اسماله/ ص18)) المركبة المهجورة او الوقوف على الاطلال رمزية زوال المؤثر الانساني او الذاكرة الانسانوية دلالة الركود والعجز او عتبة موازية بين الماضي والحاصر ضمن فضاء فاصل بين الزمنين، عبر هذه الضدية (مركبة مهجورة/ قطرة الماء) بما تحمل دلالة المكان المعادي من تماثل مع (المركبة المهجورة) كما يقول في نص اخر يتجسد فيه المكان المعادي:
((معتقل بعقوبة 13/11/ 1986 زنزانة الاحكام الثقيلة بعد التعداد الصباحي للسجناء
وقبل ان نشرب الشاي همسني صاحبي: حلمت رأسي مقطوعًا ويهرول امامي/ص23)) يتحول المكان هنا الى لحظة صراع مع السلطة صراع الحرية والقيود فينفجر القيد ليحلق خارج اسوار هذا المكان الذي يركد فيه الزمن والحركية الديناميكية للذات الى ستاتيك خامل فيتحول الى لحظة تأمل ناقمة تتجاوز ولحظات اليأس من عتمة هذا المكان، ورتابة اليومي الناقم وهو يعيد ترميم حياة السجين الذي ينتظر الموت المؤجل.
وفي مكانية الحديقة بوصفها من الكائنات (الحية) فهي نابضة بهذه الحياة ومتشكلة وفق سيرورتها التأريخية، اما مكانية المكتبة فثمة حميمة خاصة لدى الشاعر فتتحول المكتبة الى (شخصيات) ففي الفلسفة الحديثة تتحول الكتب والمكتبة الى ارواح ضمن الابعاد الميتافيزيقية فالكتاب هنا يتحول الى كائن حي ينمو ويتجدد عبر فعل القراءة الدينامي المتواصل، وهذا ما يراه على الاقل الالماني فولفغانغ إيسر، و الالماني الاخر (ياوس) فيقول مقداد مسعود : ((حين هجرته الفوهات..سلمني مفاتيح بيته لاسقي الحديقة والمكتبة
وحبال الغسيل وتكون الوان طيوره في رعايتي. والقطط الثلاث..دنا مني وهامسني:
انت الان هنا وتمشي هناك على السياج/ص24))
ويقول في نص اخر : ((كتب في غرفة النوم. في الهول في الديوانية والمطبخ والدرج في كل درجة ثلاث كتب...من حبال الغسيل تتدلى كتب ، توصلك كتب في الطارمة
الى كتب في الحديقة قبيل الضحى ، من ذا يعيد الكتب الى رفوف المكتبة ؟
وحدي من يرى هذا التوزيع اليومي للكتب، كيف تألفت مع ما يجري...وصنت السر!!/ص30))
ويقول أيضا: ((العائلة اخذت الاخف الاغلى للرفوف/ تركوا كتبًا فوقها كتب. للجدران : التصاوير، للجيران كائنات حديقتهم ...لم تبادر يد وتفتح باب القفص . كانوا منشغلين بأحلام حقائبهم/ص32))
وان كانت الكتب والمكتبات تأخذ الحيز المادي الملموس ضمن القضاء التقليدي الى انها تتحول في هذه النصوص الشعرية الى فضاء درامي مشحون بالرمزية العالية التي تتسق والنسق الوجودي والذاكرة الانسانية والروحية ، فيعمل الشاعر على انسنة تلك المكتبات والكتب بطريقة فلسفية باذخة المعنى والتأويل.
ويتأمل الشاعر جذر أدوات العداء والاذى والعنف ويعيدها الى مرجعياتها المكانية، فبدلاً من ان تتحول الأشجار الى (مقاعد دراسية في صف تعليمي) تحولت الى (الهراوات لضرب الناس) و (الكراسي التي يجلس عليها الحاكم الفاسد والظالم) فهذا يؤول الى رؤية ناقمة وناقدة لهذا (المستقبل) السلبي والجانب الأسود من التحول والسيرورة، كما في هذا النص: ((يتأمل أشجار الشارع ويسأل ظله: بسعة كم عكاز هذه الشجرة؟ يجيبه الظل: الهراوات والكراسي مستقبل الشجر/ص25)) ويقول مقداد مسعود كذلك ((لا نعرف كيف نتحاشى جدراناً لا نراها، ترتطم بنا كل يوم في الشوارع/ص26)) هذه الجدران هي لشخصيات تحولت الى (جمادات صلبة وصلدة ومتجمدة المشاعر والسلوك والأسلوب فصارت كبقية الجمادات) لا تمتلك ادنى مشاعر الإحساس بالاخر ، وهي إحالة دلالية بغاية البلاغة، اما الرمزية الكبيرة لبواطن الاسرار والذات من منظور سيكولوجية فتكون عبر وصفية مكان (البئر) في نصيات مقداد مسعود ،فالبئر حسب (يونغ) رمزية الى اعماق النفس البشرية واللا شعور ، وكأنما ينظر الشاعر هنا الى ذاته بصورة اعمق واكثر دلالة عبر ثنائية العمق والسطح والحقيقة المغيبة فهو يبحث في طياتها عن الجوهر المتمثل بنقاء الحياة والماء فهو يقول في نصوص مجموعته هذه : ((البئر العاقر يتسع قاعها حين اظل فيها..لا أرى من الاباعر سوى الاسمنة تواصل النفاذ في منفذ لا تراه عيناي. عند ارتفاع الضحى لا شيء في قاع البئر سوى همس نحيل يبتعد ...ابتعدت صارت البئر خلفي رأيت اقفية تتماوج في سراب يتلاصف رأيت سماء عارية من السحاب والطيور ولم ارني في صحراء/49)) عبر تفكيك (البئر العاقل/ منفذ لا تراه عيناي/ صارت البئر حلفي/ لم ار في صحراء) ضدية الماء في عمق البئر / مع فضاء الصحراء وما تقدم من هذه المفردات تحيل الى رمزية عالية وظفها الشاعر لكي تتلاحم مع البحث عن عمق الجوهر والذات ورؤيته للاخر، والمحيط بدلالة الصفاء المتجسد في (سماء عارية من السحاب والطور) لتفضي الى فكرة فلسفية بطريقة وجدانية وعبر مرموزات مكانية وظفها الشاعر في بناء نصه مما اضفى الجمال والدلالة معًا، ان الشاعر مقداد مسعود في مجموعته هذه يقدم العديد من النصوص التي تتسق مع النصوص الحداثوية بطريقة يمزج فيها الأسلوب الفلسفي بالشعري والادبي بالواقعي ليخرج بهذه النصوص الجميلة التي تمثل إضافة مهمة للشعرية العراقية فهي مجموعة حافلة بالمفارقات والرؤى الفكرية والشعرية الباذخة التي تمثل اجنحة القصدية الحداثوية في العراق.







