
استمرت عجلة الزمن تتخطى خطوطا حمراء وحدودا ملتهبة ويأتلف دخانها مع غبار زوبعة الحرب، التي يلوّح اقتراب انفجارها على مدى الطوق الذي ينصّب بتواصل مجيء البوارج والطائرات المحملة بوسائل الموت، لم يكن ما يجري مجرد إبراز قوة وابتزاز شرس، بقدر ما هو عدوان مطلق مقصود الأهداف. غير انه قد تميز ظاهرياً عن أية مقدمات حرب سابقة اذ تضللت ستراتيجته.. فلا هو غزو ولا هو بهدف إسقاط النظام الإيراني ولا هو صدمات مُنهكة.. يبدو انه ينطوي على كل ما ذكرناه ، لكن تتجلى في كينونته بدعة حرب غايتها تشتيت قدرات ايران وتمويه افق هذا العدوان.. عملاً بمفهوم الحرب تجيز الخدعة وتضليل الخصم، مستندة على قواعد اشتباك غير ملزمة. فالعدوان لن يمر في حضور التضامن الروسي الصيني الفاعل مع إيران، بقوة تضاهي ما لدى الادارة الأمريكية، فهي قادرة على إغراق حاملات الطائرات والمدمرات العسكرية.
من موجبات الادراك لما يجري ويحيط ببلدنا وان كنا غير منغمسين بملزمات الحرب، الا اننا قد سُحبنا عنوة اليها من قبل القائمين على الحكم " الإطار لتنسيقي " الموالي لإيران، وبفضل ذلك أدرج العراق الرسمي ضمن قائمة النفوذ الإيراني، وعليه جاءت الاشتراطات الأمريكية غير المقبولة بصدد اختيار رئيساً لمجلس الوزراء، وعدم اشتراك المليشيات في تشكيل الحكومة، بل ودمجها في وزارة الدفاع العراقية. والكف عن تهريب العملة.. انه تدخل سافر في شئوننا الداخلية. وان التبحر بالأمر يكشف لنا نشوء العوامل الفاعلة التي خلقت ثغرة مسخمة إضافية مهدت لتجاوز الإدارة الأمريكية على خطوط العراق الحمراء السيادية.. وهنا نعيد القول ان من يتحمل المسؤولية كاملة على ذلك هم اصحاب سلطة المحاصصة، التي لم تتوان الإدارة الأمريكية عن ان تأخذ حصتها من الغنيمة ايضاً دون أدنى رادع.
وفي ذات السياق وبلا اي تحفظ وبعجالة راح ترامب يعطي مهلة الى ايران عشرة ايام، ابتداءاً من تاريخ عشرين في هذا الشهر وبعدها سيسدد ضربته اي في نهاية الشهر، وفي ذات التاريخ اي نهاية الشهر يعلن انه سيزور روسيا.. ان الغاية المحسوسة لهذه الزيارة هي الخشية من قواعد اشتباك تهزم جحافل البلطجة الامريكية، وبذلك يمضى ترامب مخادعاً يزيد فعل مكره باستهتار بدائي" شريعة الغاب ".. ان هذه الهمجية باتت طاغية على سياسة واشنطن ورئيسها طبعاً. انها ليست جديدة فقبل ايام شاهدها العالم متجلية في التصرف المتسم باخلاق "الكاوبوي" اتجاه فنزولا باختطاف رئيسها مادورا.. وقبلها كانت ابادة الشعب الفلسطيني في غزة وغيرها من قبل يد الولايات المتحدة الضاربة في الشرق الاوسط الكيان الاسرائيلي، حيث استخدم الفيتو الامريكي مرتين لايقاف قرار مجلس الامن الدولي الداعي لانهاء الحرب والعدوان اسرائيلي.. طبعاً كان ومازال العالم متفرجاً بل والبعض يصفق وينثر الزهور السوداء على جثمان مجلس الامن الدولي الذي غدا فاقد الروح ومقطوع من النسب لحقوق الانسان والسلم العالمي.
نعم في اثناء هذا الزمن المختل القطبية.. اصيبت الجمعية العام للامم المتحدة بعلة التراخي والاستهانة بالقرارات الاممية، وما عادت تحكم العلاقات شروط وقواعد التعامل بين دول العالم، بل العكس حيث وصلت الامور الى التسلكات البدائية المتوحشة، وهذا ما تجلى في منهج الإدارة الأمريكية التي وضعت عنواناً لحربها مع إيران " السلم بالقوة " اي استسلام وإلا " شلع قلع " على طريقتها البربرية المعتادة. ان الإطالة بمناخ الرعب من شأنه ان يبدد قوة الصمود، سيما وان التفكك الداخلي يشكل أبرز فواعل الانهيار، وهنا لابد من التنويه بأن مسؤولية هذا الأمر تقع على من بيده السلطة.. مثلاً قتل آلاف المتظاهرين السلميين الإيرانيين بدم بارد، يعلن أن أخطر ثغرة داخلية يبحث عنها العدو قد توفرت، مما يشجعه على التلمس بيسر لطريقه العدوانية.. لأن العامل الداخلي هو الحاسم في تغيّر موازين القوى .







