
عندما ننظر إلى الدول العربية ومفهوم سيادتها الذي يفترض أنه حق مطلق لتلك الدول، نجد أنفسنا أمام واحدة من أكثر التجارب غرابة في العالم، بلدان بلا سيادة حقيقية. وليس ذلك لعدم وجود تجارب مشابهة لها في عالم السياسة الدولية، بل لأن اثنتين وعشرين دولة تتحدث اللغة نفسها وتشترك في الثقافة والدين، وتمتلك إمكانات بشرية وثروات هائلة، ومع ذلك لا تملك سيادة فعلية على بلدانها. فمعظم الدول العربية تمتلك سيادة ظاهرية، بينما النفوذ الحقيقي والكلمة الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية، وكأنها دول تشبه جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية.
نشأ مصطلح جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية لوصف دول تعتمد اقتصاديا على سلعة واحدة هي الموز. وكان أول من أطلق هذه التسمية، على سبيل السخرية، الكاتب الأمريكي أوليفر هنري (ويليام سيدني بورتر) في روايته بعنوان (الملفوف والملوك). وقد استخدم الكثير من المثقفين واليساريين هذا المصطلح لاحقا لوصف الدول الدكتاتورية التي يحكمها أصحاب رؤوس الأموال، وهي دول تمكنت الولايات المتحدة من السيطرة عليها ليس عبر الجيوش أو الحروب المباشرة بل عن طريق شركاتها الكبرى، مثل شركة United Fruit Company، أو كما حدث في الهند مع شركة الهند الشرقية التي كانت تعمل تحت سلطة التاج البريطاني. وقد سيطرت هذه الشركات على مفاصل تلك الدول سياسيا واقتصاديا، مما جعل حكوماتها ضعيفة وفاقدة للسيادة ومرهونة بالكامل لتلك الشركات ومن ثم للولايات المتحدة الأمريكية.
اليوم يمكن استخدام المصطلح نفسه في وصف الدول العربية وخصوصا الخليجية ذات الاقتصاد الريعي، لكن بمعنى سياسي ومالي وعسكري أوسع. فالدول الخليجية تنتج ما يقارب 32.2 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي من النفط و10.8في المائة من الغاز. كما تمتلك هذه البلدان نحو 32.6في المائة من احتياطي النفط العالمي و21.4 في المائة من احتياطي الغاز. ومع ذلك، فإن كثيرا من الشركات المسؤولة عن إنتاج النفط وتوزيعه وتطوير حقوله ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالشركات الغربية وخاصة الأمريكية.
ومن الناحية السياسية، يُعد الولاء للولايات المتحدة شرطا أساسيا لبقاء هذه الأنظمة في الحكم. وهذا ما يمنح واشنطن تأثيرا كبيرا في القرارات السياسية لتلك البلدان، وكذلك لبقية الدول العربية. فدخول بعض الدول الخليجية بأموالها في أفغانستان خلال فترة الحرب ضد الاتحاد السوفيتي لم يكن قرارا سياديا، بل جاء في سياق الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة الاتحاد السوفيتي آنذاك، واستثمار التيارات الإسلامية في ذلك الصراع. كما شاركت هذه الدول بدرجات مختلفة، في صراعات إقليمية في سوريا واليمن وليبيا والعراق ولبنان والسودان، وهو ما ساهم في تعقيد الأوضاع ونشر الدمار في تلك المناطق. وتحولت القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضي بعض هذه الدول إلى نقاط انطلاق لعمليات عسكرية استهدفت دولا مثل العراق واليمن وسوريا، وايران اليوم وغيرها.
في الواقع يتجاوز النفوذ الأمريكي العلاقات الدبلوماسية التقليدية بين الدول ذات السيادة، ليصل إلى مستوى من السيطرة المالية المباشرة. فمعظم الأموال النفطية والاحتياطيات السيادية للدول الخليجية موجودة في البنوك الأوروبية والأمريكية الكبرى، سواء على شكل أصول نقدية أو استثمارات في أسواق المال الغربية.
وهذا يمنح الولايات المتحدة والغرب القدرة على تجميد أو مصادرة هذه الأموال إذا ما خالفت تلك الدول السياسات الغربية، كما حدث مع أموال شاه إيران في الولايات المتحدة بعد الثورة الإيرانية، أو كما حدث مع الأصول الروسية بعد العقوبات الغربية الأخيرة. هذه السيطرة المالية تجعل أي تحرك سياسي مستقل أمرا بالغ الصعوبة دون مراعاة موقف واشنطن، إذ تبقى القرارات الاستراتيجية لهذه الدول مرتبطة بدرجات متفاوتة بالمصالح الأمريكية.
ولو أخذنا مثال تجميد الأصول الروسية رغم أن روسيا دولة عظمى وذات قدرات نووية بل وجرى الحديث عن استخدام جزء منها لدعم أوكرانيا، فإن ذلك يعطينا تصورا عن مدى هشاشة موقف الدول الأصغر أو الأضعف مقارنة بها. وينطبق الأمر نفسه على إيران، التي ما تزال مليارات الدولارات من أموالها المجمدة منذ عهد النظام الشاهنشاهي موجودة في البنوك الأمريكية.
اعتقد انه يمكننا القول هنا إن استمرار النفوذ الخارجي خاصة الأمريكي، يجعل تحقيق سيادة سياسية حقيقية في معظم الدول العربية أمرا صعبا للغاية، وتظل القرارات الاستراتيجية لهذه الدول مرتبطة بدرجات متفاوتة بمصالح القوى الكبرى. ومع ذلك، يبقى وجود الموارد والثروات الطبيعية إضافة إلى الإمكانات البشرية، عاملا قد يمنح هذه الدول هامشا محدودا من الاستقلال إذا ما تم توجيهه بحكمة وعقلانية نحو سياسات أكثر استقلالية واستغلال المصالح الوطنية، وهذا الامر غير ممكن الحدوث لا على المدى القصير ولا على المدى المتوسط.







