لا يمكن لأي مراقب سياسي موضوعي أن يتجاوز التاريخ النضالي للحزب الشيوعي العراقي في كثير من المراحل الهامة من تاريخ ونضال الشعب العراقي برمته وبكل قواه الوطنية من اجل عراق حر مستقل ونظام ديمقراطي يحقق للوطن والشعب كل مقومات الحياة المدنية والتواصل الاممي الحضاري.   

التضحيات التي قدمها الحزب الشيوعي العراقي والتي سجلها بفخر كإشراقات لا يمكن حجبها ، لما لها من أهمية ليس في تاريخه فقط ، بل وفي تاريخ العراق السياسي الحديث أيضاً ، إذ ان الإجراءات القمعية التي واجهها الحزب في مراحل النضال السري كافة ، كانت قد انصبت لتحقيق هدف أساسي يتلخص بالقضاء النهائي على الحزب الشيوعي العراقي . ومن هنا جاءت خطورتها ومن هنا جاءت ايضاً أهمية نتائجها التي لم تؤد إلى ما خطط له أعداء الحزب والمتربصون به .

لقد خاض هذا الحزب بعمره الشاب أعتى سوح النضال واخطرها قمعاً وملاحقة وسجوناً ونفياً بدأ بها وعمره في اربعينات القرن الماضي لم يزل لم يبلغ الحلم ، كما يقال عن وصف الشباب من الذكور والإناث البشرية. ولم تخلوا خمسينيات ذلك القرن من انتفاضات جماهيرية عارمة استجابت لنداء الغوث من إجراءات حكومات عميلة ارادت بالشعب سوءً، او ناصبت حركة التحرر العربي العداء ،كما في انتفاضة حرب السويس.

وحينما كان الحزب الشيوعي العراقي في عمر الشباب اليافع في التاسعة والعشرين من العمر، كان ذلك العام بالنسبة له عام الشؤم والسواد الذي نشرته عصابات الحرس القومي سنة 1963 . لقد ركز انقلابيو الثامن من شباط الدامي على قتل هذا الشاب الذي قدم في عمره القصير هذا كثيراً من الإنجازات الوطنية التي تبلورت من خلال الملاحم البطولية التي خاضها على سوح النضال العراقي والمتمثلة بالانتفاضات والإضرابات والاعتصامات والمظاهرات الجماهيرية . إضافة إلى دوره الفعال الرائد في بث الوعي الوطني ونشر الروح الثورية المتجسدة في العداء لكل اشكال الاستعمار والاستغلال ومحاولات ربط وطننا العراق بالمعاهدات الجائرة التي كان غرضها الأساسي ترسيخ الاستعمار واستغلاله لخيرات هذا البلد والسيطرة عليه وبالتالي على توجيه إمكانات تطوره ونموه بالاتجاه الذي ترسمته الحكومات السائرة في ركاب وسياسة قوى الاستعمار العالمي آنذاك . وقد لقن التاريخ عصابات البعث الدرس الذي ظل هاجسهم المرعب والمتمثل بفشلهم القاتل في تحقيق ما خططوا له بعد أن برز الحزب الشيوعي العراقي مجدداً على سوح النضال الوطني في كل ربوع العراق التي احتضن اهلها مناضلي الحزب وسارعوا في تضميد جراحاته ، فكان ضماد الشعب هو الواقي وهو الفاعل في نهوض الحزب بعد ان كسر شوكة أعداءه وكل القوى الرجعية التي راهنت على فناءه .

وظل الحزب الشيوعي العراقي يواصل النضال بنفس روح الشباب التي شب عليها قبل الجرائم التي مارستها عصابات البعث بحق مناضليه والتي تنوعت بين القتل والسجن والملاحقة والفصل والإبعاد والتهجير وتوظيف كل ما لدى هذه العصابات من وسائل كم الأفواه وإسكات اي صوت يجرأ على المطالبة بأي حق من حقوق الإنسان التي من المفروض ان يمارسها اي مواطن في وطنه . لقد خابت ظنون أولئك الذين راهنوا بالقضاء على الحزب الشيوعي العراقي بالرغم من توظيف دكتاتورية البعث لكل الوسائل القمعية والفتاوى الدينية والافتراءات الأخلاقية ومساعدات القوى الرجعية للنيل من سمعة هذا الحزب والتجريح بوطنيته والانتقاص من افكاره والوقوف بوجه مبادئه وتوجهاته الفكرية على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي جسدها جميعاً في شعاره الذي تبناه منذ ولادته في الحادي والثلاثين من شهر آذار لعام 1934 وعمل على هداه في سبيل تحقيق وطن حر وشعب سعيد.

 وانقضت السنون ومرَّت الأعوام وسوح النضال الوطني العراقي لم تخلوا في اية حقبة من نضال الشيوعيين العراقيين حتى وإن تكلل هذا النضال بالمد حيناً وبالجزر حيناً آخر تبعاً للواقع السياسي السائد في وطننا العراق وفي المنطقة عموماً وفي العالم أجمع . إذ أن حزباً كالحزب الشيوعي العراقي الوطني النزعة والأممي التوجه لا يمكنه أن يعمل بمعزل عما يجري حوله محلياً وإقليمياً وعالمياً . وظل عمل الحزب الشيوعي العراقي ونضال مناضليه يتقدم ويزداد شباباً بالرغم من تقدم سنين عمره .

ولم تثن هذا الحزب العميق الجذور في ارض العراق تلك المحنة الكبيرة الأخرى التي واجهها في كهولته في نهاية سبعينات القرن الماضي حينما حاول غباء دكتاتورية البعث في هذه المرة ايضاً أن يجرب حظه العاثر مرة اخرى في مكافحة الشيوعية في العراق . لقد ظنت اجهزة البعثفاشية القمعية الواسعة الانتشار والمجهزة بكل وسائل القتل والقمع والملاحقة والتجسس والتي تمتلك السجون الكثيرة الرهيبة أن تحقق ما لم تستطع تحقيقه في انقلابها الفاشي في الثامن من شباط الأسود عام 1963. لقد جندت هذه العصابات كل ما لديها من إمكانيات الحكم والتسلط على مقدرات الدولة العراقية لمحاربة الحزب الشيوعي العراقي والسعي إلى إنهاء وجوده والقضاء على تنظيماته بحيث لا تقوم لها قائمة بعدئذ ، لاسيما وأن جل هذه التنظيمات لم تكن ، مع الأسف الشديد ، تتمتع بالمأمن الحصين تجاه هذه الهجمة الجديدة الشرسة وهذا ما نتج عنه من استشهاد أو اعتقال الكثير من المناضلين الشيوعين واختفاء القسم الآخر منهم داخل وخارج الوطن أو الالتحاق بفصائل الكفاح المسلح ، بصفوف الأنصار، في كوردستان العراق .واستمر نضال الحزب داخل الوطن مع صعوبة وخطورة العمل السري آنذاك، إضافة إلى مضاعفة النشاط خارج الوطن ذاتياً وبالاشتراك مع القوى الأخرى المعارضة لدكتاتورية البعث. وبعد أن سقطت دكتاتورية البعث عام 2003 كان عمر الحزب الشيوعي العراقي آنذاك قد قارب السبعين . فإذا ما تناولنا عمر الحزب هذا بصفته المجازية المتعلقة بالناحية الفسلجية فإن المنطق يحتم علينا القياس الكمي لهذه السنين وبالتالي النتيجة الطبيعية التي يتمخض عنها هذا التراكم الكمي للسنين والمؤدي طبيعياً إلى تراجع القوى وتقلص النشاط . إلا أن الحزب الشيوعي العراقي اثبت غير ذلك تماماً . لقد اثبت من خلال نشاطه الملحوظ داخل الوطن في الساعات الأولى لسقوط دكتاتورية البعث مدى ارتباط هذا الحزب بالشعب العراقي ومدى تفاعله مع الأحداث التي تتبلور في محيط هذا الشعب . وقد برز ذلك بشكل لا يقبل الشك من خلال تبني الحزب الشيوعي العراقي لمهمات المرحلة وواقعها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وحتى العسكري منها وما يترتب على ذلك من الخروج بسياسة تنعكس على ارض الواقع وتتناغم مع المستجدات المختلفة على سوح النضال الوطني والإقليمي والأممي . إن هذا التقييم للمرحلة الذي خرج به الحزب إن دل على شيء فإنما يدل على استمرار تمتع الحزب بروح وفكر وتصرف الشباب الذكي الذي لا يتجاهل الماضي وينطلق لبناء المستقبل مما يوفره له الحاضر بكل مميزاته التاريخية وخصائصه الفنية التي لا يمكن استيعابها دون النظر إليها والتعامل معها بعقلية الحداثة لا بجمود الفكر على طروحات الماضي التي كان لها ما يبررها آنذاك .

إن أبرز معطيات التطور الشبابي المتجدد في عقلية الحداثة هذه هي التفاعل مع سمة العصر التي اتخذت من الديمقراطية وسيلة للتعبير عن تغير المجتمعات وتطورها وتطلعها لإنجاز مهامها المرحلية والمستقبلية عبر تبني الأسس الحقيقية للديمقراطية والابتعاد عن التبجح بها كبديل عن تطبيق مبادئها بالشكل الذي يعكس نتائجها الإيجابية على مجمل حياة الشعب وعلى كل مجالات حياته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية . وهذا الفكر الشبابي المنطلق من تبني مفاهيم سمة العصر هو الذي ميز سياسة الحزب الشيوعي العراقي في السنين الأخيرة التي تلت سقوط دكتاتورية البعث . وهذا يدل بشكل واضح على أن التقدم في العمر لا يزيد هذا الحزب إلا شباباً وأكثر التصاقا ووعياً وتفهماً لكل ما يجري حوله من تطور في المفاهيم والأطروحات التي تتطلب ردود فعل تناسبها وتصب في تحقيق الأهداف الوطنية والأممية التي يسعى الحزب إلى تحقيقها من خلال تحقيق قاعدتها الأساسية في وطن حر وشعب سعيد .

ولا نريد أن نتناول كل سياسة الحزب الشيوعي العراقي في السنين التي تلت سقوط دكتاتورية البعث لنثبت تبني الحزب لسمة العصر المتمثلة بالديمقراطية التي تعكس بدورها قوة نبض الشباب المتجدد لدى هذا الحزب رغم مرور السنين . ولكننا نكتفي بظاهرة واحدة قد تشكل نموذجاً حياً لذلك .

إن طرح أخص ألخصوصيات التنظيمية للحزب الشيوعي العراقي المتمثلة بنظامه الداخلي على الشعب العراقي للاطلاع عليها ومناقشتها وإغناءها بأفكار جديدة ومقترحات فعالة لتطوير العمل التنظيمي , يعكس الوعي النّير الذي يهتدي به هذا الحزب الذي لا يمر بتجربة إيجابية كانت أو سلبية إلا ويشبعها تحليلا ونقاشا ليخرج بالخط الجديد الذي ينسجم والتطور الذي تمر به الحياة الإنسانية، إذ لا جمود أو توقف مع استمرار التطور الذي يجري بالثواني ليضيف تغيرا نوعيا جديدا لكل ما يمس الحياة اليومية للإنسان الذي لا يستطيع ألتعامل الجدي المثمر مع هذه الحياة دون التعامل مع ما تؤدي إليه تراكماتها العلمية والتقنية والاجتماعية والسياسية من قفزات نوعية سريعة لا تنتظر من يظل سائرا خلف الركب . إن عرض النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي، واسمه يدل على خصوصيته الداخلية، على الشعب العراقي خطوة جريئة جبارة من خطوات هذا الحزب الذي ما انفك، طيلة عمره النضالي المديد، من التأكيد على ارتباطه بهذا الشعب الذي وِلِد وترعرع وشب بين أحضانه، يصارحه بكل شيء ويستعين به في كل محنة . ولم يبخل هذا الشعب فعلا بأفواج المناضلات والمناضلين الذين برروا ثقة الحزب هذه بهم ولم يكن أمام الحزب إلا أن يرد الثقة بثقة أعلى والتصميم على مواصلة المسيرة مع الشعب بتصميم أصلب فلم يثنه القمع والتشريد والقتل والاضطهاد عن الالتصاق بالشعب العراقي وهمومه وآلامه وطموحاته بحيث ان تاريخ الساحة السياسية العراقية لم يعرف حزبا ظل لصيقا بشعبنا العراقي منذ بدء تاريخه الحديث ولحد الآن أكثر من الحزب الشيوعي العراقي . فلا عجب إذن أن يلجأ له اليوم ليغنيه بما يراه ينفع الشعب والوطن أولا ومن ثم الحزب ثانيا حتى ضمن خصوصيات العمل التنظيمي الداخلي الذي يمارسه الحزب . فالعمل التنظيمي الداخلي يهدف أولا وأخيرا لتحقيق التوجه العام لسياسة الحزب التي صاغها في شعاراته الوطنية والذي رافق عمله النضالي منذ اليوم الأول لولادته كتنظيم سياسي منذ اثنين وتسعين عاما.

وما يُقال عن النظام الداخلي ينعكس أيضا على البرنامج السياسي للحزب الذي وضعه بين يدي الشعب ليقول كلمته فيه . هناك من يعتبر مثل هذا الطرح العلني لطبيعة العمل السياسي المستقبلي للحزب تضييقا لمساحة تحركه تكتيكيا وإستراتيجيا من خلال المتغيرات التي تطرأ على الساحة السياسية العالمية والإقليمية عموما وعلى الساحة العراقية على وجه التحديد . نعم قد يكون ذلك صحيحا بالنسبة لأي حزب أو تنظيم سياسي حديث العهد بالعمل الجماهيري أولا ومقتصرا في نشاطاته الميدانية على قطاع معين من الجماهير ثانيا . أما بالنسبة لحزب كالحزب الشيوعي العراقي الذي لا يشمله هذا الوصف ولا ذاك فإن تاريخه السياسي ونضاله الدائب بين جميع طبقات الشعب العراقي وتجاربه الغزيرة سلباً وإيجاباً جعل منه حزبا لا يستطيع رسم سياسته ضمن دوائره التنظيمية فقط، بل ومن خلال ما تراه جماهيره خارج ألأُطر التنظيمية أيضا.

انطلاقا من العمر الذي لا يشيخ وإيماننا الراسخ الذي لا يطاله الشك بأن الحزب باق واعمار الطغاة قصار ،جعلنا لا نتباطأ كل عام بالاحتفال بعيد تأسيس الحزب بحسب الظروف السائدة وطبيعة الأجواء السياسية، وكان لابد من ان ننشد لهذا العيد وللأعياد الوطنية الأخرى ، سواء في السجن او خارجه ، اضافة الى النشيد الأممي: هبوا ضحايا الاضطهاد .... ضحايا جوع الاضطرار، أناشيد الحزب: ما همته الصدمات سالم حزبنه... والحزب حي ما مات يخسى اليضدنا. أو : الحزب حي ما مات وابداً فلا ايموت .... لو فاته نصر اليوم باجر فلا ايفوت.

وها هو اليوم يقف، بعمره الثاني والتسعين الذي لن يشيخ ، في مقدمة القوى اليسارية التقدمية الساعية للدولة العلمانية الديمقراطية ، ليواصل مسيرته ضمن ما تتيح له امكانياته بكل معطياتها السلبية والإيجابية ، وضمن ما يتبلور على الساحة السياسية العراقية التي تضج بالمتناقضات والسلبيات التي افرزتها سياسة المحاصصات اللصوصية لأحزاب الإسلام السياسي الحاكمة وشركاؤها في النهب والسلب وإشاعة التخلف والفقر والإهمال لكل ما يحتاج اليه المواطن العراقي وما يتطلبه تطور الوطن الذي وضعه هؤلاء الحكام اللصوص على اسفل سلم الحضارة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

يقف الحزب الشيوعي العراقي اليوم على الساحة السياسية العراقية مرفوع الهامة ومنتصب القامة رغم كل المعوقات والعراقيل. فسلام عليك يا وليد الربيع ، يا توأم الشعب ولصيق الوطن طالما بقي شعب على ارض اسمها العراق