في العشرين من آذار يحلّ يوم مولدي؛ يومٌ لم يُسجَّل رسميًا، لكنه ظلّ حيًا في ذاكرة أمي، التي كانت تقول إنها أنجبتني قبل "دخول السنة" بيوم. وفي ظهيرة يومٍ من آذار، قبل "الدخول" بيوم أيضًا، تسلّمت بطاقة عضوية الحزب. منذ ذلك الحين، تداخلت البدايات في حياتي، واكتسب التاريخ معنى مضاعفًا. مع كل ذكرى لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، أعود إلى تلك العلاقة التي لم تكن انتماءً سياسيًا عابرًا، بل تجربة حياة كاملة، صاغت وعيي الإنساني والفكري، ورافقت مسيرتي كإنسان وكاتب.

نشأت في عائلة عمالية، قريبة من عالم الكتب والفكر التقدمي ونضالات الحزب الشيوعي، فكان طبيعيًا أن أتشرّب مبادئه منذ الصغر. كما أن فقر العائلة، بما حمله من معاناة يومية في سبيل العيش الكريم وتعليم الأبناء، فتح وعيي مبكرًا على قضايا الناس والعدالة الاجتماعية. وما كنت أقرأه عن الظلم والفوارق الطبقية، كنت أراه مجسدًا في حياة من حولي، بل في حياة عائلتي نفسها. فمنذ طفولتي، دفعتني الحاجة إلى العمل في مهن شتى لتأمين ثمن الكتب ودخول السينما ومساندة العائلة، فكان ذلك جزءًا من تكويني ووعيّي الاجتماعي والسياسي.

جاء انتمائي إلى الحزب الشيوعي تعبيرًا عن توقٍ عميق إلى العدالة، وإيمانٍ بإمكانية بناء مجتمع أكثر كرامة وإنصافًا. لم يكن الحزب إطارًا تنظيميًا فحسب، بل مدرسة تعلّمت فيها الالتزام والصبر والعمل من أجل الآخرين. وفيها أدركت أن الشيوعيين، كغيرهم، أبناء هذا الواقع: بشرٌ بنقاط قوة وضعف، بتناقضات وانكسارات. فمنهم من يتراجع أو يخذل، ومنهم من يسيء. لكن ما يميّزهم هو وعيهم الطبقي وثقافتهم وإيمانهم بقيمٍ سامية تدفعهم إلى مجاهدة ذواتهم، والتسامـي على المغريات، والاستعداد لمواجهة الصعاب، وصولًا إلى التضحية من أجل كرامة الإنسان وحرية الوطن. ومن خلال هذه التجربة، انكشفت أمامي صفحات طويلة من النضال والتضحيات في مواجهة الاستبداد والدفاع عن المهمّشين.

لم تكن علاقتي بالحزب الشيوعي سياسية فحسب، بل تداخلت فيها التجربة الإبداعية مع العمل العام. كثيرًا ما يُقال إن الانتماء السياسي يقيّد حرية المبدع، وربما يحوله الى تابع وصدى لشعارات جاهزة، غير أن تجربتي قادتني إلى آفاق أخرى. إذ عمّق وجودي في صفوف الحزب رؤيتي للعالم، ودفعني إلى الموازنة بين الكاتب والسياسي في داخلي، بحيث لا يُقصي أحدهما الآخر، بل يتكاملان. ورغم أن العمل السياسي كان يزاحم الكتابة ويستنزف الوقت والطاقة، فقد حرصت على أن تظل كتابتي حرة، لا تخضع إلا لشروط الفن ووعيه النقدي.

في صفوف الحزب، الذي أسهم في فتح آفاق تقدمية للثقافة العراقية، تعلّمت أن الأدب لا ينبغي أن يكون تابعًا للسياسة، بل محتفظًا بمسافته النقدية. لذلك سعيت في كتابتي إلى تمثيل الواقع بكل تعقيداته، حتى حين يتضمن ذلك نقدًا لتجارب الحزب نفسه. فالأدب، في جوهره، أسبق من أي انتماء، وهو المجال الذي تُختبر فيه حرية الإنسان وقدرته على مساءلة ذاته والعالم.

ومن أبرز محطات هذه العلاقة كانت تجربتي مع حركة الأنصار الشيوعيين، التي التحقت بها في أيار عام 1982، انطلاقًا من قناعتي بأن المثقف لا ينبغي أن يكتفي بوصف الواقع، بل عليه أن يسهم في تغييره. في جبال كردستان، لم تكن التجربة عسكرية فحسب، بل إنسانية وثقافية عميقة؛ فقد كان الأنصار، إلى جانب حملهم للسلاح، يحملون مشروعًا ثقافيًا بديلًا، يمارسون فيه الشعر والقصة والمسرح والغناء، ويؤسسون لوعي مختلف في مواجهة القمع البعثي الدموي.

امتدت تلك المرحلة حتى سنوات الحصار القاسية في جبال گارة عام 1988، ثم أعقبتها فترة احتجاز قسري في إيران حتى مطلع عام 1990. خلال تلك السنوات، تعلمت الكثير من رفاقي: الصبر والمثابرة والقدرة على مواجهة الخوف، ليس فقط في المعارك، بل في تفاصيل الحياة اليومية. كما كانت تجربة مراجعة عميقة للذات، حيث يمكن القول إنه في ظل تلك الظروف القاسية بدأت تتشكل بذور التجديد داخل بنية حزبنا الشيوعي نفسه. ورغم صعوبة تلك المرحلة، فقد خففت المحبة والصداقة وروح التضامن من قسوتها، ومنحتها معنى إنسانيًا عميقًا. كما أن انخراطي في النشاط الثقافي بين الأنصار أتاح لي التعلم من رفاقي الكتّاب والفنانين، مما عمّق اهتمامي بالكتابة ومنحني أبعاداً إنسانية وفكرية جديدة. لذلك بقيت تلك السنوات مرجعاً روحياً أعود إليه كلما كتبت، لأتذكر الإنسان قبل البندقية، والذاكرة قبل الشعارات.

واليوم، تزامنًا مع الاحتفالات بالعيد الثاني والتسعين من عمر حزبنا، وأنا أشعل شمعة السبعين عامًا من عمري، أستعيد هذه الذاكرة، وأدرك أن هذه العلاقة لم تكن خالية من التساؤلات أو التحديات، بل كانت دائمًا مساحة للنقد والتفكير وإعادة التقييم. لكنها، رغم ذلك، تظل واحدة من أغنى تجاربي، لأنها منحتني إيمانًا أعمق بقيم الحرية والعدالة، ورسّخت في داخلي فكرة أن الإنسان، قبل أي انتماء، هو جوهر كل قضية. إن علاقتي بالحزب الشيوعي العراقي، بكل ما فيها من نضال وأسئلة وتجارب، ستبقى جزءًا لا يتجزأ من هويتي، ومرجعًا روحيًا وفكريًا أعود إليه كلما كتبت، لأتذكر أن الكتابة، كما النضال، هي في جوهرها دفاع عن الإنسان وكرامته.