
كان على علم بمخاطر الحرب، حتى قبل أن يتم استدعاؤه والآلاف من الشباب لحربٍ لا يعرفون أسباب اندلاعها. وحتى عموم الناس فوجئوا بها، بدءاً من الخُطب النارية لرموز النظام البائد، إلى حشود القوات على الحدود، إلى توالي سقوط الضحايا من الجنود والمراتب في المعارك وانتشار اللافتات السوداء في شوارع المدن!
وانعكست هذه الأحوال المتوترة في البلاد على حياة الناس وعلى الحياة المعيشية واقتصاد البلاد الذي كان يبدو متعافياً إلى حدٍّ ما في ظل الوفرة المالية في البلاد في مطلع الثمانينيات!
هذا المشهد كان يلمسهُ عند عودته من خطوط القتال ويلمس خوف الناس على أولادها، ومنهم والداه اللذان كانا ينتظران رؤيته سالماً في كل مرّة يعودُ فيها مثقلاً بالأحزان ومُرهقاً.
ومع مرور الأشهر وتوارد أعداد الضحايا من الجنود الذين كانوا يتساقطون بالآلاف، كانت تقفز إلى ذهنه فكرة الفرار! بل أنه كان يعلم ومن خلال أحاديث الناس تزايد أعداد الجنود الهاربين من جبهات الحرب رغم كل ما يترتب على ذلك من عقوبات صريحة تُفضي إلى عقوبة الإعدام فوراً.
هذا الرفض الشعبي وهذه المعلومات المتداولة، كانت تختمر عنده لتجد لها حضوراً أمامه، بل وكان يتناولها في أحاديثه مع والديه عندما يعود اليهم في إجازته الدورية! ولهذا كان يمتزجُ خوفهم على حياته، مع شعوره هو بأن الخلاص من هذه المخاطر برّمتها، سيحملُ شيئين لا ثالث لهما، إما الفرار مؤقتا من موت قد يطلُّ في أية لحظة أو البقاء في خطوط القتال وما يعنيه ذلك! لهذا فقد أخبرَ والديه بذلك خلال إحدى إجازاته بما ينوي عليه، واستطاع إقناعهما بأنهُ سيعود ثانية لهما عندما تنتهي الحرب!
أخرجَ عابد أجملَ ما لديهِ من ملابس كان قد جلبها من زيارته قبل الحرب بأعوام من إحدى البلدان، كي يرتديها قبل أن يترك البيت، حيث قرّر أن تكون محطته التالية بعيداً عن مدينته.
كانت تلك الساعات عصيبة على جميع من في البيت، فقد اختلطت دموعه مع أحضان والدته وهي ترى ولدها يرتدي ثياباً كانت تتمناه أن تراهً فيها عرّيساً أمامها يوما ما..
في موقف السيارات، استأجرَ عابد المقعد الأمامي في السيارة المتجهة للعاصمة، جالساً بأناقته الجميلة. وطوال الطريق وحيث تنتشر نقاط التفتيش بكثافة، كان عابد يُبرز الهوية الشخصية للدائرة التي كان يعملُ فيها والنافذة المفعول، فكان يُلاقي ترحيباً واعتذارا لطيفاً: (تفضّل اُستاذ.. بالسلامة)!
عند بيت أخته في العاصمة لم يجد ممانعةً في البقاء بعد إخبارهم بحقيقة تواجده، رغم علمهم بخطورة إخفاء أو احتضان (عسكري هارب من الحرب) والتي تصل عقوبتها إلى اعتقال ربّ الأسرة على الأقل أو استدعاء العائلة بأكملها، لهذا أوصوه بالتزام البيت وعدم التجوال حتى في الحديقة الداخلية خوفاً من أعين الجيران ولربما تساؤلاتهم!
كان ثقل الأحداث يحملُ توتراً متزايداً لأهل البيت وحيث يُقيمُ عندهم. لهذا كان يبحث عن وسيلةٍ كي يترك بها مكانه هذا مؤقتاً. فأهتدى إلى فكرة الانتقال إلى طرف آخر من العاصمة، وأتخذ قراره الشخصي بالخروج قبل طلوع الفجر، متنقلاً عبر باصات الأجرة الأهلية ومتجهاً إلى أقارب آخرين له، قبل أن تنتشر مفارز الانضباط العسكري والاستخبارات في الساحات العامة ومواقف السيارات، والتي كانت تبحث عن الجنود المتخلفين عن الالتحاق بوحداتهم العسكرية أو حتى عن المعارضين للنظام! لهذا ظلّ يتنقل فجراً من شرق العاصمة لأطراف أخرى بعيدة، حتى زارهُ يوماً ما أحد رفاقهِ القدامى الذي تربطه به صلة قرابة للاطمئنان على أحواله، عارضاً عليهِ توزيع النشرة الداخلية للحزب الشيوعي التي كانت تصدر حينها بشكل سرّي، على أكبر عدد ممكن من البيوت في الأحياء السكنية وفقاً لمكان تواجدهِ!
لم يكن حينها أمامهُ، والبلاد تشهدُ معارضةً شعبية وخفية للحرب، عنوانها الواضح تمرد الأعداد المتزايدة من الجنود عن الاستمرار بالحرب والتي بلغت كما كان يتم تناقلهُ، إلى ما يقارب النصف مليون جندي، لم يكن أمامهُ رفض مثل هذا (العمل الثوري) وبدون تردد، رغم المخاطر التي هو بها أصلاً، فكيف لو اُلقي القبض عليه وهو يوزع منشورات الحزب الشيوعي المحظور؟!
كانت المهمة تتطلب أولاَ الاستنساخ كتابةً لأكبر عدد من النشرة الداخلية تلك، مستخدماً (ورق الكاربون) المعروف. ولهذا كان يمضي أوقاتاً طويلة هو ورفيقه حتى ساعات متأخرة من الليل لإتمام هذا العمل. وأختار هو بعد ذلك وتحديداً أيام الجمعة، لتوزيع نسخ من النشرة على أكبر عدد من البيوت في كلّ مرّة، وهو يرمي بها عبر أسيجة الدور السكنية، ماضياً في طريقهِ لصعود عجلات الركاب التي كانت تنقلُ فجراً عمّال المساطر والكسبة والجنود العابرين وغيرهم إلى ساحات ومناطق العاصمة المختلفة!
كان الدافع الرئيس، هو تحدّي السلطات الحاكمة، بأن الحزب الشيوعي لا يزال ناشطاً في المدن العراقية رغم التصفيات التي قامت بها الأجهزة القمعية آنذاك في منتصف السبعينيات وما تلاها والإعدامات وهروب الآلاف من أعضاء وكوادر الحزب الشيوعي إلى جبال كردستان وبلدان مجاورة وأخرى بعيدة. لهذا كان لا يُبالي بكل المحاذير والمخاطر وهو يتجوّل في دروب العاصمة فجراً حاملاً خطر الموت معه في أية لحظة!
كانت تلك الأيام بأيامها وأعوامها عصيبة للغاية، لا يزال عابد يتذكر تفاصيلها جيداً هو ورفيقه الذي لم يلتقه للآن منذ عقود، مستذكراً نكهة ساعات الفجر وهو يحملُ بريد الرفاق والحزب إلى بيوت وأزقة وساحات العاصمة!







