
إنّ فكرة التعبئة تقتضي بدءاً أن يتم إعداد القوى الذاتية وتمكين بناء الحزب من امتلاك أفضل الكفاءات في التعبير عن هوية الذات وقدراتها بخاصة هنا تفعيل أدوات اتصالها وتأثيرها في بيئتها.. فما مغزى بيانات تتحدث عن كسب الشبيبة للتجديد وضخ الدماء الحيوية وأخرى تتحدث عن نشر برامج التنوير فيما الصلات وجسور العلاقة لا ترتقي إلى مستوى الهدف الأسمى لتلك البيانات وتطلعاتها؟
وللبدء بحركة التعبئة لابد من البدء بمستوى الذات الجمعي للحزب حيث قدرات الأعضاء والأصدقاء بأفضل مستوى من جهتي التمكن الثقافي والفكري السياسي بجانب الفاعلية الاجتماعية بمعانيها الأوسع والأشمل.. وفي الرؤية الثقافية عُرِف الشيوعي بثقافته وبأنه شغوف بتمكين وجوده الذاتي من الثقافتين الشعبية والمعرفية ربما الموصوفة بالنخبوية لكن بعيدا عن الانفصال عن الواقع قريبا من التعبير عما وصلت إليه المعارف والعلوم وخطاب الثقافة بعامة من أدوات متقدمة في عصره..
ولابد من التأكيد على اهتمام الشيوعي رفيقا أو حزبا بتثقيف نفسه ليس من بوابة مهمة البناء وظيفيا وكأنها مفروضة من خارجه بل انطلاقا مما هو أبعد من ذلك، كون تلك الخصلة أو السمة السلوكية هي رديف وجودي يتحد مع هوية العيش بوصفه مثقفا عضويا في عصره يمتلك أدوات العيش والانتماء الأنجع سلامة للعصر. وهذا ما توسع ليشكل اهتماما بثقافة الناس والبيئة المجتمعية وهي الثقافة الشعبية إذ يختار منها أفضل مخرجاتها وأكثر سلامة وصوابا وهو ما يتحصل عليه من جسور علاقته ببيئته المباشرة وتلك الأوسع أو غير المباشرة مما يحياه وسط الوجود الجمعي للشعب ومكوناته وتجاريب مساراته..
يُضاف هنا إلى فعل البناء اشتغاله على آخر ما توصلت إليه المعارف والعلوم من منجزات وإلى اختبار مستمر دائم لما يتحصل عليه بالحوارات المباشرة مع رفيقاته ورفاقه في كل ما يكتسبه وتدقيق سلامة الخيارات والتعرف إلى مفردات تلك المعارف وما تمتلكه من كنوز البشرية وما وصلت إليه..
إن تلك الفعالية الثقافية واختباراتها الحياتية بمستوياتها الفلسفية الفكرية والسياسية تعني ممارستها في تفاصيل اليوم العادي والتجربة الاجتماعية للفريقة أو الرفيق.. ما يؤكد كونه نموذج وخلاصة للإنسان الأكثر وعيا وتقدما في وسطه والأنضج قدرة على التأثير وتفعيل دوره وسط بيئته..
مثل هذا حاولت قوى طبقية بمرجعيتها الفكرية القائمة على منطق الخرافة ودجلها وبتجسيدها للفكر الظلامي أن تسجل طعناتها في تشويه الحقيقة وفي أبعد تلك المحاولات أضافت فكرة بقصد الحد من تأثير رفاق الحزب أنها تتحدث عن قدراتهم ليس بواقع الحال بل أن الشيوعي سجل (تاريخا) مضى من اتسامه بالثقافة وبقدرة التحليل في صورة خديعة تحاول أن تنزع عنهم استمرار الخصلة في الولع بالقراءة والتزود بكل ما يغني ثقافتهم التنويرية وينشرها..
من هنا بات مهما الالتفات إلى ضرورة توكيد تلك الحقيقة بوصفها مسلَّمة مازالت حية فائقة الفعل والأثر حتى يومنا وهي تستمر كون من ينتمي إلى حركة اليسار التنويرية باتساع هذا المفهوم يمتلك الاستعداد والدربة على فعل إدامة اكتساب زاد الفكر من ثقافة تمكنه من التحليل والاستنتاج والتطبيق..
وإذا انتقلنا من الأداء الفردي في بناء العقل العلمي للرفيق إلى الجمعي فإن الحزب بمجابهة نوعية مع عاملين الأول خطابه الفلسفي والفكري السياسي بأحدث ما توصلت إليه نظريات الفكر السياسي وعلى وفق منهجية ماركسية واضحة المعالم عادة ما يواصل السعي في الحصول على آخر ما توصل إليه الماركسيون من خطاب ورؤاه ومعالجاته فيما يتبنى برامج تصاغ في مؤتمراته بتجاريب حزبية تستقي معالمها من واقع الحياة وتستند إلى مناقشات وحوارات تنفتح حتى الآخر غير الشيوعي في استنطاق التجربة وتدقيق مخرجاتها..
وفي ضوء تلك المسارات ووسط واقعنا العراقي المحلي منه والمرتبط بتداخلات مختلفة وسط بيئته الإقليمية والعالمية فإن قرار كسب أوسع جمهور تبقى مهمة شديدة التعقيد بناء على متغيرات الواقع وتراجعاته التي حلت بسبب هوية المنظومة القيمية فكريا سياسيا واجتماعيا.. ففي المستوى الاجتماعي تعاني الجموع من سطوة الأمية لا الأبجدية والوظيفية بل أبعد من ذلك الجهل القائم على تسلل قناعات تعبر عن الخرافة ودجلها في سلب القدرة على التفكير والجدل والتعرف إلى المنظومة الحضارية وقيم التمدن وهنا تظهر عقبة كأداء في الاتصال بالفرد الذي تمكنت منه تلك القيود والأغلال من أشكال الأمية وتحولها إلى متاريس وخنادق بوجه محاولة تنويره واستعادة فعله الإنساني ودفاعه عن حقه في العيش الحر الكريم.. وأسوأ وغير هذا وذاك تتضخم الحياة الاجتماعية بمشاغلات مشكلات استفحلت وأعضلت بما أعاد الأفراد الذي وقعوا أسراها إلى مرحلة استعباد من نمط جديد للرق والعبودية؛ أذكّر على سبيل المثال لا الحصر بسطو فكرة تكفير التنويري وتكفير كل ما يعنيه إعمال العقل ما يفاقم أزمة الاتصال والتعبئة بصورة بديلة وهنا نجد أن الفقير في مرحلة ولادة الدولة كان بحاجة للإجابة على أسئلته بشأن فقره لكنه اليوم راهنيا تسطو عليه إجابة منطق الخرافة التي توغلت ج تقديسها عقائديا بمنطق التدين الطقسي بديلا عن الاعتقاد السليم للإنسان..
هذه الطروحات ومؤشراتها تفرض جدلا أن يكون إعداد الرفيقة والرفيق بصورة يمكنها التمعن في مفردات ما يحيط بها من بيئة لتتمكن من تفكيك شبكة التعقيد المصطنعة بوجه تحرير الإنسان من قيوده وأغلاله
ما جديد برامج الحزب الشيوعي بهذا الاتجاه هو ما يجيب عن أسئلة الواقع المريض المثخن بتلك الظواهر السلبية ويشكل منطلقا في بناء الشخصيتين الفردية لكل رفيق ورفيق والجمعية للحزب وأرضيته الفكرية الأحدث تناولا ومعالجة للقضايا المطروحة عليه وعلى مجمل حركة التنوير والتقدم في العالم..
ومع ظاهرة سياسية أخرى فرضتها شروط بعضها موضوعية ولكن أغلبها غير موضوعية إنما هي جزء من لعبة من يسطوا على الواقع وعلى السلطة بمعناها الأوسع فقد أكدت التجربة السياسية أن فعل كل حزب تنويري منفردا غير كافية لخلق أرضية شعبية قادرة على التغيير ومن هنا جاءت قضية التحالفات في جبهة شعبية واسعة تستجيب لمطالب المرحلة وتستطيع بدقة برامج العمل أن تقتحم أوسع ميادين التعبئة الجماهيرية..
فالشعب في المنتهى لديه خبرة ودربة وإحساس بأن ممارسة التعددية في إطار التحالف التنويري الواسع وتجاوز مواضع التنوع والاختلاف وكبح ما يثير الخلاف يعني سلامة من يتصل به من قوى التنوير وتسقط في أيدي المحرضين المعادين إمكانات تكفير طرف أو عزله ومحاصرته أو قطع الطريق عليه في محاولته مد جسور العلاقة المباشرة مع الجموع الواسعة.. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن أرضية كونفديرالية شعبية تمنح الثقة لقواها في ممارسة مهمة التعبئة والتحشيد بالضد من ظواهر التشظي بخاصة هنا إشارتنا إلى اختلاق أحزاب دكاكينية بقصد التشويش على الجمهور..
أما لماذا اقترحت منذ سنوات الكونفدرالية الشعبية فإن ذلك يعود لطبيعة التركيب السائد اليوم وسط بنية الشعب أو المجتمع العراقي من جهة التنوع القومي والديني والفكري السياسي وحتى الاجتماعي ما يتطلب أعمق احترام لتلك السمة البنيوية لمجتمعنا ولشعبنا في العراق.
إن جملة تلك المؤشرات ي مجرد مدخل مختصر التناول والمعالجة كان الحزب الشيوعي السباق نتيجة تاريخه وخبراته في عقد التحالفات بأسس موضوعية وإذا كان من ملاحظة أو أخرى في تلك التجاريب فإنها بالمحصلة تضخ مخرجاتها البناءة الإيجابية لتجاوز ما قد يكون مما ظهر اختلاف أو جدل بشأنه لكن الحتمي أن التوجه نحو تلك التحالفات يبقى ركنا مكينا مهما ضروريا بمسيرة التعبئة والانتقال إلى جماهيرية الفعل وكسر حال الحصار الكمي باستثمار القدرات النوعي الكيفية لحركة التنوير بأجمعها.
وأتذكر كتجربة شخصية أن سلطة النظام السابق كانت مارست كل أشكال الضغط والمصادرة للحقوق والحريات وبين ذلك ما طاول الطلبة وتنظيمهم وعلى الرغم مما ظهر عدديا كميا محدودا وسط المدارس والجامعات إلا أنه في أول انتخابات انتصر بالتفاف جموع الطلبة حول اتحادهم، اتحاد الطلبة العام وحصد أغلبية فرضت على طرف تنظيم السلطة نتيجة فاجأتهم وقوى السلطة الدكتاتورية التي وقفت وراءهم..
الفكرة إذن تكمن في النوعية وحجم تأثيرها وقدراتها وكفاءتها في التعبئة وطبيعة خطابها وكيفية تفكيك ما يحاول فرض الحصار مع كسب قرار الفاعلية لا الرد السلبي بالمقاطعة بل الرد الإيجابي القادر على إبراز حجم التعبئة ونتائجها في التطبيق الفعلي..
وينبغي هنا ألا نغفل أن جمهور التنوير وحركة اليسار الديموقراطي وعموم الحركة الوطنية من خارج مسميات تيار ديني يلزم أن تُنهي لعبة تيار ديني وعهود وعود عرقوب التي يمنحها من مفاتيح الجنة إلى مكاسب العالم الغيبي لتتفتح الأعين على أن كسب الجنة لا يتعارض مع كسب الحياة بل يوجب أن تحيا بكرامة واحترام وبروح العدالة والمساواة وأن ترفض بيع العقل لمن يسلبك إرادتك في قرار امتلاك ما تنتجه بقدراتك من خيرات وفي توزيع عادل للثروة..
إنني أخذ هنا وجها آخر من مناقشة بناء الحزب وتقوية قدراته وبينها تحالفاته وتقوية الحركة الوطنية ما لا يلغي بل يفرض واجبا ملزما في استكمال الحوار ومناقشة جملة الشروط التي ينبغي وضعها في إرادة الفعل مخصوص الهوية وذاك الذي ينتظر أن يكون عبر التحالف الأوسع لقوى التنوير.
ثقتي وطيدة بأن فتح ملف لمثل هذا الحوار مطلوب تنضيجا لمهمة استدعاء الخبرة والتجربة وتفعيلا لمهمة الوصول إلى مخرجات ذات تأثير أبعد من تحقيق الحدث وإعلان الكونفدرالية الشعبية لقوى التنوير وهو أعلى نجاح وأغلاه سواء لحزب الشيوعي أم لقوى التنوير الحقيقية ما يستثني هنا الأشكال الدكاكينية والتشكيلات المضللة وخطاباتها التي تحاول عرقلة المسيرة ولكنها لن تنجح بفضل إرادة قوية وعزيمة عركتها التجاريب والتاريخ الوطني والطبقي للصراع..
وبمناسبة ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي أجدني هنا وضعت في وجه من جدل التعبئة موضع السؤال ومنطلقات لربما تعمقت وتوسعت أثق بأنها ضرورة بل حتمية بالارتباط مع ثقة شعبية بدور هذا الحزب التنويري ومسيرته..







