قراءة في دور المؤسسات الثقافية للإسلاميين في العراق ومهمة اليسار في مواجهتها

 ينظر إلى الصراع الطبقي من أنّه صراع بين طبقات اجتماعية مختلفة تتنافس على الثروة ووسائل الإنتاج والسوق. ويتجلّى هذا الصراع بين عامل يبيع قوة عمله ورأسمالي يمتلك وسائل الأنتاج. غير أن حصر الصراع الطبقي في هذا البعد الاقتصادي وحده يُغفل جانبا آخر لا يقل أهمية في تشكيل المجتمع وتوجيه مساراته، وهو إنتاج الوعي والثقافة والمعرفة. أن المجتمعات المتقدمة اليوم لا تقوم على إنتاج السلع التي نحتاجها فقط، بل تقوم بإنتاج الأفكار والقيم. وإذا كان العامل ينتج سلعة نحتاجها في امورنا الحياتية اليومية، فإن المثقف والمعلم والكاتب والفنان والباحث والصحفي والشاعر ينتجون بدورهم سلعا تتمثل في المعرفة والثقافة والوعي. و نتاجات هؤلاء تؤثر في حياة الناس وسلوكهم، وقد يكون تأثيرها أعمق وأطول من أثر السلع التي ينتجها العامل.

 نسنتج من هذا إن الصراع الطبقي لا يقتصر بالسيطرة على وسائل الإنتاج ، بل يمتد للسيطرة على وسائل إنتاج الوعي. فالمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية من مسرح وسينما وغيرهما فضاءات منحازة ومختلفة في توجهاتها وفق الجهة التي تمتلكها، كما يمتلك الرأسمالي وسائل الأنتاج ويحدد ما تنتجه وما يكسبه من بيعها. بمعنى آخر هو صراع بين قوى أجتماعية تتنافس من أجل ترسيخ مفاهيمها في السلطة والحياة العامة، أي ان أنتاج الثقافة ومعها الوعي يكون هدف لعملية انتاج السلطة وديمومتها والهيمنة عليها.

 أنّ نفوذ القوى الاسلامية في العراق واسع ويمتد الى حضور سياسي فاعل ومؤثر في السلطة، وبرلماني كبير وميليشياوي حاضر كسلاح قمع كلما دعت الحاجة لأستخدامه. ونفوذها هذا لا يقتصر بتلك التي ذكرناها فقط، بل يمتد إلى شبكات واسعة من المؤسسات الإعلامية والدينية والثقافية والتعليمية والتربوية. فقد تمكنت الأحزاب والتيارات الإسلامية منذ هيمنتها على السلطة ونتيجة ثراءها الفاحش من بناء فضاءات مؤثرة تشمل القنوات الفضائية والإذاعات والصحف والسوشيال ميديا، علاوة على المدارس والجامعات الأهلية والمؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية. وتعتبر هذه المؤسسات أدوات فاعلة لإنتاج المعرفة التي يريدونها والرموز التي يراد عبادتها والقيم التي تسهم في تشكيل الوعي الاجتماعي وإعادة إنتاجه بصورة مستمرة، بما يخدم صراعهم مع غيرهم للاستمرار في السلطة.

 أذن فأن هذه المؤسسات تعتبر وسائل إنتاج، فالجامعة رغم بؤس التعليم فيها لا تخرّج اكاديميين فقط، بل تساهم في تكوين رؤية معينة للمجتمع والدولة. والمدرسة لا تكتفي بتعليم الطلبة فقط رغم بؤسها هي الاخرى، بل تقوم ببناء منظومة من القيم والتصورات الأسلامية/ الطائفية خصوصا مع مناهج دراسية تضعها هذه الاحزاب. أما وسائل الإعلام الموجهّة فأنها تمنح الشرعية لبعض الأفكار والأحداث أكثر من غيرها وأحيانا دون غيرها. وهكذا تتحول الثقافة إلى ميدان للصراع لا يقل أهمية عن ميدان السياسة والاقتصاد.

 أنّ الاسلاميين وهم يمتلكون هذه القوة السياسية وهذا الحضور الواسع داخل المجال الثقافي والتعليمي والإعلامي، لا يكتفون بالمنافسة على السلطة السياسية وهم يمتلكونها اليوم فعلا، بل يدخلون في منافسة أعمق وغاية بالأهمية والتي تتعلق بتشكيل الوعي. وهنا يصبح الصراع حول المناهج والخطاب الإعلامي والهوية الثقافية جزء من الصراع على النفوذ داخل المجتمع، بل ربما يصبح أكثر أهمية من الصراع الانتخابي نفسه الذي يعتبروه "ديموقراطيا"، كونه ينتج بضاعة سهلة التسويق في مجتمع منقسم دينيا طوائفيا وقوميا ويعاني من أزمة وعي.

 ماذا عن اليسار العراقي الذي يعتبر واحد من اكثر المتضررين من هذا التحول السياسي والفكري والثقافي؟

اليسار الذي كان يمتلك حضورا فاعلا ومؤثرا في الأوساط العمالية والطلابية والثقافية خلال مراحل تاريخية سابقة، نرى اليوم تراجع دوره في ميدان إنتاج الوعي علاوة على جماهيريته، لينحصر نشاطه في المواقف السياسية أو البيانات الاحتجاجية، في الوقت الذي نجحت فيه القوى الإسلامية من بناء مؤسسات اجتماعية وثقافية وتعليمية واسعة. وقد أدى هذا الاختلال إلى فقدان اليسار جزء كبير من قدرته على التأثير الجماهيري رغم سخط هذه الجماهير من الأوضاع السياسية والأقتصادية والأجتماعية السائدة اليوم.

 إن أزمة اليسار العراقي لا تكمن فقط في ضعفه التنظيمي أو الانتخابي، ليس لأنه يخسر الأنتخابات قبل أن تجرى وتحسم عبر صناديق الأقتراع لأسباب تتعلق بآليات الأنتخابات فقط، بل كونها تحسم قبل كل شيء في المدرسة والجامعة ووسائل الأعلام وكل الفضاءات الثقافية، وحين يخسر اليسار هذه الأسلحة، فأن النتيجة هي ترك هذه الساحات الى الاسلاميين لصياغة الوعي الجمعي للمجتمع مثلما يشتهون ويريدون.

 ولهذا فإن مهمة اليسار اليوم لا ينبغي أن تقتصر على نقد السلطة أو فضح الفساد أو المطالبة بالإصلاحات السياسية، ولا الدفاع عن مصالح الفقراء فقط، بل التحول من خطاب نخبوي الى خطاب يغوص في عقول الناس ليزرع فيها وعيا يستطيع من خلاله مواجهة السلطة فكريا وثقافيا كبوابة لمواجهة سياسية، إضافة الى ضرورة وحدته أو تنسيق المواقف وتجاوز نقاط الخلاف من أجل مواجهة عدو مسلح بالسلطة والمال والسلاح ومؤسستين تلعبان دورا بارزا في تغييب الوعي الجمعي، أي الدينية والعشائرية.

 إن الصراع في العراق اليوم لا يدور حول من يحكم، بل حول من يملك القدرة على تشكيل وعي الأجيال القادمة. وإذا كان الإسلاميون قد نجحوا في بناء نفوذهم من خلال السيطرة على جزء مهم من فضاء إنتاج الوعي، فإن استعادة التوازن لن تتحقق إلا عندما ينجح اليسار والقوى الديموقراطية في بناء فضائهم الثقافي والمعرفي الخاص بهم، وتحويل الثقافة من هامش للعمل السياسي إلى قلبه النابض .

أنّ الأزمات التي يمر بها نظام المحاصصة تجعل تغييره ممكن لكن ليس بالسهولة التي نتوقعها، فهذه القوى ستدافع عن مصالحها بشراسة. فالأزمات والمشاكل التي سببها النظام القائم تعتبر أرضية لنضال القوى المتضررة من أجل تغيير اوضاع البلد، وعدم استغلال الفرص سيدفع ثمنها شعبنا واليسار والقوى الديموقراطية باهضا، ولنا تجارب عديدة في تفويت فرص تاريخية كانت كفيلة في ان يتجاوز شعبنا من خلالها محنه التي لازال يعيشها.

يقول غرامشي "العالم القديم يموت والعالم الجديد يكافح ليولد - الآن هو زمن الوحوش". لو عرّقنا مقولته نستطيع القول: أنّ العراق القديم يموت والعراق الجديد يكافح - الآن هو زمن الأسلاميين الذي على اليسار والقوى الديموقراطية ومن اجل مستقبل شعبنا ووطننا، أن يتفقّوا على اصغر القواسم المشتركة في مواجهتهم.

 المادة من وحي قراءة لتراث غرامشي