من منا من الذي عاش في ستينيات القرن الماضي لا يتذكر نهائي كأس العرب عام 1966 على ملعب الكشافة في بغداد. يومها احتشدت الجماهير العراقية لمساندة منتخبها في مواجهة المنتخب السوري القوي الذي كان يقوده الحارس الأسطوري فارس سلطجي.

تقدم السوريون أولاً عبر نور الدين إدلبي، لكن المنتخب العراقي لم يستسلم. كان في الميدان رجال حملوا أحلام الجمهور على أكتافهم، مثل حامد فوزي في حراسة المرمى، وسلمان داود قائد الفريق، وشدراك يوسف، وقيس حميد، وهشام عطا عجاج، ونوري ذياب، بينما تألق النجم إسماعيل كوركيس الذي تحول إلى بطل المباراة. فقد نجح في تسجيل هدفين في مرمى فارس سلطجي، أحدهما أعاد الأمل للجماهير والآخر أشعل مدرجات بغداد فرحاً قبل نهاية اللقاء.

أما المنتخب السوري فضم أسماء بارزة مثل فارس سلطجي وأحمد جبان وطارق علوش وعزمي حداد وحفيظ أبو لبادة ونور الدين إدلبي وأحمد عليان وأفاديس كاولكيان، وهو جيل يعد من أفضل الأجيال في تاريخ الكرة السورية. ورغم الخسارة، بقي أداء فارس سلطجي حديث الجماهير والصحافة لعقود كثيرة لما قدمه من تصديات رائعة أمام الهجوم العراقي.

وعندما أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً فوز العراق 2-1، لم تكن الفرحة فرحة فريق فاز ببطولة فحسب، بل كانت فرحة وطن كامل وجد نفسه موحداً خلف عَلم واحد ومنتخب واحد. لذلك بقي ذلك النهائي محفوراً في الذاكرة العراقية بوصفه واحداً من الأيام التي جمعت العراقيين حول حلم مشترك وانتصار لا يزال يُروى بعد عقود طويلة.

وفي عالم تتعدد فيه أسباب الاختلاف، تبقى كرة القدم واحدة من القليل من الظواهر القادرة على جمع الناس حول مشاعر وأحلام مشتركة. وفي العراق على وجه الخصوص، تتجاوز كرة القدم حدود الرياضة لتصبح مساحة وطنية يلتقي فيها الجميع، مهما اختلفت انتماءاتهم أو مناطقهم أو خلفياتهم الاجتماعية.

فعندما يخوض المنتخب العراقي مباراة مهمة، تتراجع مؤقتاً الكثير من الانقسامات التي قد تظهر في الحياة اليومية. ففي تلك اللحظات لا يعود العراقيون أبناء مدن أو طوائف أو قوميات مختلفة، بل يصبحون جمهوراً واحداً ينتظر الهدف ذاته ويحلم بالانتصار نفسه. يرفرف العلم العراقي فوق الجميع، وتتحول المدرجات والشوارع والمقاهي إلى ساحات للتعبير عن هوية وطنية مشتركة.

واليوم يعود العراق إلى المونديال للمرة الثانية في تاريخه بعد غياب دام أربعة عقود، ليواجه منتخبات كبيرة مثل فرنسا والسنغال والنرويج. لكن قيمة المشاركة لا تكمن في النتائج وحدها، بل في ذلك المشهد الذي يتكرر كلما لعب المنتخب الوطني: ملايين العراقيين يتركون خلافاتهم جانباً، ويرفعون العلم نفسه، ويهتفون بالاسم نفسه، ويحلمون بالحلم نفسه.

أن كرة القدم في العراق ليست مجرد لعبة. إنها ذاكرة تمتد من مدرجات بغداد في ستينيات القرن الماضي إلى ملاعب كأس العالم في القرن الحادي والعشرين. وهي الخيط الذي يربط بين جيل شاهد فارس سلطجي وإسماعيل كوركيس في نهائي كأس العرب، وجيل ينتظر اليوم رؤية أسود الرافدين وأيمن حسين وزيدان إقبال وعلي جاسم في أكبر مسرح كروي في العالم. وبين هذين المشهدين تبقى الحقيقة واحدة:

عندما يلعب العراق، يلعب الوطن.

 15 حزيران 2026