
عمّت مشاعر الفرح المواطنين العراقيين أخيراً بعد سماعهم ب " عملية الفجر " للقبض على الفاسدين واعتبروها بداية جديدة للاقتصاص منهم، تدعو للتفاؤل بحكومة السيد علي الزيدي.
أن تاريخ الدعوات الشعبية والوطنية في محاربة الفساد وإجهاض نهج المحاصصة الطائفية - العرقية ومنظومات الفساد، طويل، بدأ مباشرة مع تشكيل مجلس الحكم بعد إسقاط النظام البائد ، وبها كان يمكن معالجة معضلة أزمة الحكم وبنية النظام والمحاصصة ومنظومة الفساد والدولة العميقة، وتفادي ما آلت إليه الأمور، لا أن تقتصر اليوم على اعتقال شخوص الفاسدين.
الترحيب الشعبي بهذه العملية نابع من توق نحو العدل ولجم الفاسدين من التمادي الوقح في نهب ثروات ومقدرات العراقيين واكتنازها، ووجدوا في قرار الشروع بالقبض على رموز الفساد موقف جريء وضروري لخير البلاد ورفعتها للبدء في توجه جديد لخدمة الشعب، بعد فقدان الأمل بإمكانية التعرض إلى هذه المنظومة الفاسدة، بعدما أصبح السلاح يحمي الفساد والفساد يغذي السلاح.
شرعية أي أحزاب ماسكة للحكم مرتبطة بقدرتها على تحسين مستوى المعيشة وتحقيق التنمية، وهو ما فشلت به الأحزاب الإسلامية المتمثلة بالإطار التنسيقي الشيعي وحلفائه المتحاصصين وعمّدته بالنهب، فأصبحت مجموعةً خارج دائرة الثقة الشعبية.
كان أحد أسباب الارتياح والاطمئنان الشعبي الأساسية، رؤية منتسبي ودبابات جهاز مكافحة الارهاب الوطني الذي يحظى بثقة وتقدير العراقيين لمهنيته وكفاءته ودوره البطولي في كسر ظهر الإرهاب الداعشي ومحق دولته البربرية وتحرير مدن البلاد من ربقته، هو صاحب الصولة، ويحمل على عاتقه مهمة تخليص الشعب من زمر الفساد، ولكون كفاءته وولاءه الوطني يؤهلانه لذلك الفعل،
المطالب الشعبية تدعم هذا الإجراء، بحرارة، لكنها ليست مع الاكتفاء بهذا المستوى المحدد من الفاسدين، الذي لا يشفي اعتقالهم غليل المواطن، فحتى المحلل السياسي المقرب من الإطار أبو ميثاق المساري أطلق عليهم تسمية " حرامية دجاج " وسمّاهم آخرون " سمك زوري - سمك صغير ".
بينما المواطن يصرخ : أن " تحت الأزهار أفعى " !.
أما هاجس الخشية من النكوص فهو أمر متوارث، بعد سلسلة الخيبات من أداء رؤساء الحكومات السابقة وسياسيي الزمان الصعب الذين أغدقوا الوعود البراقة والعهود، لكنهم حنثوا بها، جملةً وتفصيلا، بينما أثرى حيتان الفساد بفحش على حساب معاناة العراقيين.
رغم الإشادة الشعبية بمبادرة السيد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي إلا أن التجارب السابقة جعلت منح الثقة التامة يكتنفها بعض الحيطة والحذر لأنه يبقى المرشح الاضطراري للاطار التنسيقي الشيعي راعي الفساد بعد الاملاءات الامريكية برفض مرشحهم نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء، وهذا لا يدعو للاطمئنان، مكرر، لأنه مرشح الإطاريين والامريكان بنفس الوقت.
كما أن مفارقة تأييد أساطين الفساد وأحزابهم لعملية مكافحته من خلال برقيات التأييد لعملية فجر اصطياد الفاسدين التي أطلقها السيد علي الزيدي، قد تعني إنحناء مؤقت أمام العاصفة حتى مرورها والتضحية بالرؤوس الصغار لتنجو الرؤوس الكبار. وقد يكون هدفها إحباط المواطن المستبشر بالحملة من جهة وزرع الشكوك في جدية السيد الزيدي في المضي بشكل جدي بإجراءاته، وترحيبهم الكاذب قد أيقظ هواجس كامنة من تجارب سابقة جعلت من ريب المواطن شكاً، خصوصاً وأنهم لا يستطيعون الجهر بالدفاع علناً عن فاسديهم لأن تهم الفساد راكبه عليهم.
وقد شهدنا في أوقات سابقة قفز على اللوائح والقوانين بوسائل ملتوية مثل إطلاق سراح مجرمين بكفالات أو إعلانات عفو عام عنهم أو تعيينهم كمستشارين أو سفراء أو دسهم في البرلمان لحمايتهم بالحصانة أو إحالتهم على التقاعد في أسوأ الأحوال، للإفلات من المحاسبة القانونية، أما ما تفتق عنه عقل الماسكين بالسلطة ابتكار وسيلة جديدة لإفلاتهم، ما أطلق عليه " التسوية المالية " معهم، في حين لا يمكن للسلطة التنفيذية التنازل قانونياً عن " الحق العام "، بل يجب اعتبار عملية نهب المال العام والاستيلاء على أملاك الدولة وحقوق المواطن، عملياً وقانونياً، جريمة إرهابية !
قد يفسر المواطن موقفهم في تأييد الإجراءات الحكومية باعتقال فاسدين مقربين من أحزابهم، بأنها محاولة لتبرئة أنفسهم والنأي بها عن أية شبهة والادعاء بعدم علمهم بفساد مرؤوسيهم، والتنكر تماماً من هؤلاء الذين كانوا في خدمتهم بالأمس، مع أن أصغر بائع كلينكس على التقاطعات المرورية في شوارع المدن يعرف بسرقات الرؤوس الكبيرة قبل الصغيرة…والتي لا يمكن التنصل منها، بأي حالٍ من الأحوال، علناً ! كما أن قصورهم شواهد إثراء غير مشروع لا تقبل الدحض !
أو أن إعلانات التأييد لمكافحة الفساد المفاجئة هي من جانب آخر، نوع من التملق لرئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي لكي لا يمضي أبعد من هذه الحدود ولا يتعرض لهم، وقد تكون هذه المداهنة، كذلك، مسعى مبيت لتشويه صورته أمام الشعب وإرسال رسالة كاذبة بوجود اتفاق سري بينه وبينهم بالاكتفاء بهذه المجموعة من فاسديهم ككباش فداء فقط.
ربما كان الشروع بهذه الصولة واعتقال برلمانيين صرفوا دماء قلوبهم في الحملات الانتخابية لشراء مقاعدهم في مجلس النواب قد وضع شرعيته وجميع من اشترى مقعده البرلماني في الانتخابات البرلمانية السابقة أو أي مركز حكومي أو وظيفة، بالضرورة ،تحت المجهر ، ومرشحة للاسترداد !
لابد من تحذير السيد الزيدي، أن أمر المضي في مساعيه التي أيدها الشعب، وعدم التراجع عنها قضية مهمة تتعلق ليس فقط بموقعه السياسي الحالي بل بكل سمعته الشخصية والعائلية. " To be or not to be " كما قال طيب الذكر شكسبير في مسرحيته " هاملت ".
الأزمة المالية التي تحيق بالبلاد، أعادت الرشد إلى الكثيرين من الذين تعودوا على أخبار ضياع أو تهريب مليارات الدنانير أو ملايين الدولارات على أنها خبراً عابراً، لا يثير الغضب، وكما تعودنا سماع تصريح وزير أو مسؤول حكومي رفيع عن اختفاء مليارات الدنانير أو ملايين الدولارات من خزينة الوزارات أو المؤسسات ولا يعرفون أين ذهبت !
وهو أمر لا يمكن أن تقبله دولة رصينة !







