شهد العراق في باكورة القرن الحادي والعشرين تغيرات دراماتيكية صاخبة، وكان السقوط السياسي هو المتقدم في كل ثناياها سواء على صعيد النظام الدكتاتوري السفاح، او في ما  نصب بعده من حكم اقل ما يسمى بـ ( نظام التفّاكة )، بمعنى الذين على اهبة الاستعداد لخوض المعارك النارية.. ولسسنا هنا بصدد وصف هذا او ذاك من الانظمة، بل نريد المقارنة بين صنوفها المختلفة، وما هو الاكثر نفعاً للعراق الذي ابتلي  بنظام برلماني ـ مُقرنص ـ على قياس الاحزاب المسلحة الموسومة بهويات قد سميت بـ " المكونات " المذهبية والقومية وكانت هذه المسميات قد صُودرت مُحتكرة سلفاً من قبل " التفّاكة " ذاتهم، ولا يخفى على مدرك بانهم اقلية لا تفهم ولا ترعوي سوى مغانمها، مما اتاح لها ان تمهد وتمنح لنفسها فرصة الاسستحواذ الجشع على المال العام والسلطة المطلقة والعوم فوق القوانين.

ان فضائح الفساد التي غمرت حكام العراق، لو كانت في بلد اخر لفجرت زلزالاً من شانه اسقاط نظام الحكم الف مرة ومرة، بل واسقطت حتى انظمة جواره بفعل تردداته السياسية والاجتماعية المدوية، زد على ذلك الانهيار المالي والاقتصادي المصاحب الراهن الذي كُسرت اضلاعه.. فهل هذا يعني قوة النظام ام انه خلاصة نظام القوة الشرسة ..؟  بمعنى من المعاني ان الحكم في العراق وصل الى سقوط بيني سرطاني، يتمرحل الموت داخلياً رغم ما تمده من شوافع  خارجية لعينة مُحاولة المطاولة باستثماره، يقابلها  ضعف الفواعل الوطنية المناهضة له والمعول عليها ان تكون ناهضة ثائرة بجبهة شعبية متراصة، وان تتوجه الى تحديث وسائلها التي تقادمت، ان حصرالعمل على ازاحة نظام المحاصصة فحسب، لم ولن يصيبه بالصميم كما هو ملموس لكونه ينتسب الى  برلمان" المكونات " التي تسمم بها الدستور العراقي، وهو الجذر و مبعث للطائفية و الففساد.. وعليه ينبغي الادراك بان الحلقة المركزية للتغيير ليست اسقاط نظام المحاصصة، انما تدعونا مستجدات هذه المرحلة ان يتوجه العمل الى تعديل الدستور وبنوده المرتبكة المقطوعة عن نفس المواطنة.

وتزامناً معه ينبغي  التوجه نحو تطبيق ارادة الاغلبية باقامة الحكم الرئاسي الذي ينتخب رئيس الجمهورية القائد عام للقوات المسلحة مباشرة من الشعب. مع وجود برلمان تُحصر واجباته  بالتشريع و بالرقابة فقط.. وذلك اشد ما يخشاه المتسلطون،اذ تختفي حصص ما تسمى بـ "المكونات " بلا شفيع دستوري، وعقبه تبرز اشكالية الاكثرية المذهبية فلا خشية من سطوتها كما تشي الانهيارات الاخيرة في حيطان النواب واسيادهم المتنفذين الذهبية والدولارية.. ان الشعب العراقي قد خبر وادرك وتعلم ويتفهم كيف يختار من هو الاصلح، وسيكون متخطياً للهويات الثانوية الصغيرة، سيما ما تكشف في" صولة الفجر" التي قلبت الطاولة على الفسدين شرط استمرارها لاخر الشوط، وللشعب شواهد ودلالات كثر في تجربته القاسية طيلة العقدين الغبراء الماضية، اي منذ سقوط النظام البائد التي من شأنها ان تمنح الناس القدرة على الفرز بين الفاشل الفاسد بين النزيه من المواطنات والمواطنين العراقيين الوطنيين، بصرف النظر عن النسب والانتساب لهذا او ذاك من المذاهب التي غدت مطوية ومعتقة لا نفع فيها ولم ولن تُشبع من جوع، ولابد هنا ان نستدرك ونقول: رغم وجود الاصوات الزبائنية المشتراة بالوظيفة اوبالمنافع البائسة، والمتجسدة بالانتخابات الاخيرة التي طلعت رائحتها النتنة مؤخراً على اثر " صولة الفجر "

ربما يسأل مُجادل: لا ضمان لقبول القلة المستفيدة لحد التخمة المتفجرة بتبديل النظام البرلماني الحالي، اذ وصلت اليه عبر اصواتها الزبائنية المدفوعة الاجر، وكذلك بفسادها المالي والاداري على المكشوف فضلاً عن مقاطعة الاغلبية " الثمانون بالمئة "..هنا نحسبه سؤالاً وجيهاً ويفرض الاجابة حقاً لانه ينطوي عليها كاشفاً حقيقة تمسكهم بهذا النظام  اذ  لايعنيهم سوى دافع المنافع الشخصية حصراً وحركتهم مؤطرة ضمن المفهوم الدستوري ( العراق بلد المكونات ) للاسف.. وقد تجسد ذلك في نظام المحاصصة المقيت بابشع حالاته، غير ان الغاء هذا المفهوم سيلغى بالتبعية احتكار المال والسلطة التي تكرست بيد فئات صغيرة نصبت نفسها وحواشيهم ملوكاً على الطوائف.. بيد ان الامل حينما ينجو الرئيس المنتخب مباشرة من مشنقة البرلمان غير السوي، بمعنى لايستطيعون التحكم بمصيره عبر برلمان مكوناتي ولملمت الصغائر لتشكيل الكتلة الاكبر التي لاتمت للقانون الانتخابي المرعي بصلة، حينها السلطة بيد الشعب وهو الوحيد المخول دستورياً بالقرارالمعني باسقاط اوبقاء الرئيس، هنا تتجلى جدوى النظام الرئاسي الذي يقرره عموم الشعب وليس لملمة تشكيلات فئوية صغيرة، واضعة لنفسها اطاراً لا دستورياً متلبداً بمفاهيم غريبة عن الديمقراطية، ويمنح لنفسه قدرة اختطاف قرار الشعب مانحاً لذاته صفة ممثل الشعب دون اي وجه حق.