
الأحزاب ذات المرجعيات الاسلامية هي من تتحكم بأكثر مفاصل الدولة المؤثرة وعلى رأسها رئاسة الوزراء، الى جانب بقية قوى المحاصصة التي تليها في مراكز القوى الأخرى. ومن الخلفية العقائدية للأحزاب الاسلامية هذه علينا أن ننطلق في رؤية الواقع العراقي، إن كان يحمل شيئا مما يقوله الأسلام الذي تدّعي هذه الأحزاب تمثيله، بل وصل الأمر بهم وميليشياتهم وعمائمهم التي امتهنت السياسة الى أحتكاره. أنّ المرجعية الاسلامية في الحكم عند هذه الاحزاب ومن وراءها مؤسساتها الدينية ومراجعها، لا يجب ان تكون هوية سياسية فقط. فالعدل على سبيل المثال وقبل ان يكون نصا في الدستور، هو قيمة قرآنية كما هو قيمة نادى بها أئمة الشيعة وعملوا على تحقيقها، وهي من القيم التي يرفعها الإسلاميون في خطابهم السياسي والديني منذ اكثر من عقدين. والأمانة وقبل ان تكون واجبا وظيفيا هي تكليف شرعي مثلما يشيعه أسلاميو السلطة، أما محاسبة الفاسدين والمعتدين على المال العام ، وقبل ان يكون عمل سياسي، فهو فريضة اخلاقية وفق المنطق الاسلامي وواجب وطني.
الزواج سنّة في الأسلام والمستحب فيه هو أشهاره أمام الملأ، والأشهار هنا لا يجب أن يكون عرف او عادة اجتماعية، بل قيمة لتأكيد حقوق الزوجين بأشهارهما زواجهما. ومن هذه القيمة التي هي بين شخصين، علينا ووفق ما تدّعيه الأحزاب الاسلامية بالعراق من التزامها الديني، أن يكون هناك إشهار لمحاكمة الفاسدين وإجراءات محاسبتهم، لأن الأمر يتعلق بحقوق مجتمع ودولة، لا بحقوق شخصين وأسرة.
هل مكافحة الفساد تتم عبر بيانات رسمية من هيئة النزاهة، أو بعدد أوامر القبض بحق الفاسدين، أم بعمل الدولة على أقناع شعبها بأن القانون يطبق على الجميع دون أستثناء؟ ولتقنع الدولة شعبنا اليوم بجديتها وأن القانون يطبق على الجميع، وبعد كشف جزء ضئيل من ملفات فساد دمرت الاقتصاد الوطني وتنذر بأنهيار البلاد ماليا إن لم تتحرك الحكومة لوقف هذا الانهيار، فأننا بحاجة الى محاكمات علنية للفاسدين، لأن وقتها فقط يشعر المواطن بأن العدالة ليست انتقائية ولا خاضعة لنفوذ هذا الحزب او ذاك او هذا السياسي او ذاك او هذا المعمم او ذاك.
أما اذا بقيت قضايا الفساد تدار خلف الابواب المغلقة، أو انتهت الى تسويات كما يطالب البعض بذلك ومنهم رئيس الوزراء نفسه، ومعممين يعتبرون الفساد اهون من الفوضى! فأن شكوك المواطنين ستزداد اكثر مما هي عليه اليوم، وتؤكد قناعتهم بأن الفاسدين اكبر من القانون، وان السلطة التي جاءت وفق توافقات سياسية ادارها فاسدون، لا تستطيع ان تخرج هي الاخرى من دائرة الفساد.
إن شعبنا الذي شبع خطبا عن مكافحة الفساد منذ اكثر من عقدين، ينتظر أن يرى الفاسدين أيا كانت مواقعهم أو انتماءاتهم السياسية او الطائفية او القومية، يمثلون أمام قضاء مستقل في محاكمات علنية عادلة. فالزواج يعلن ويشهر لصيانة الأسرة، والعدالة ينبغي أن تُشهر وتُعلن لصيانة الوطن وإحقاق حقوق الشعب. قد يقول البعض ان هناك فرقا بين الموضوعين وهذا صحيح، لكنهما يلتقيان في أن الحق لا يخشى العلن، والعدالة التي هي اساس تقدم البلدان والشعوب لا تكتمل الا بالشفافية. ومحاكمة الفاسدين علانية هو طلاق بائن وتمزيق لعقد زواج عرفي بين السلطة والفاسدين، وعليه فإن أول امتحان حقيقي لرئيس الوزراء هو أن يعلن هذا الطلاق بالفعل لا بالبيانات، وأن يمزق عقد الزواج العرفي المشبوه بين السلطة والفاسدين على مرأى من الرأي العام.
تعاطوا الحق بينكم وتعاونوا به، وخذوا على يد الظالم السفيه .... "الامام علي بن ابي طالب"







