
بعد " أنهيار" النظام البعثي إثر الأحتلال الامريكي للبلاد في نيسان 2003، كانت الآمال كبيرة في بناء عراق جديد، عراق قائم على نظام مؤسسات وقانون ونظام سياسي يتكفل ببناء دولة المواطنة. لكن الذي حدث كان عكس تلك الآمال، بعد ان تبخرت على مرجل المحاصصة الذي حوّل الدولة التي حلم بها شعبنا، وهو يعاني الويلات من دكتاتورية وحروب وحصار وعزلة دولية وأقليمية وعربية في أن تكون دولة تبنى على اساس مؤسساتي، الى ساحة تنافس على النفوذ والثروة.
في خضم ذلك الصراع ظهر حزب الدعوة الإسلامية كواحد من أبرز القوى السياسية التي تولت مناصب قيادية كبيرة، كان أهمها وأكثرها تأثيرا منصب رئاسة الوزراء. وخلال فترة توليه هذا المنصب سواء بشكل مباشر أو من خلال ترشيحه شخصيات أخرى لرئاسة الوزراء، أصبح ولا يزال حتى اليوم لاعبا رئيسيا في المشهد السياسي، وقد أتاح له ذلك ضمن نظام المحاصصة، نفوذا واسعا في إدارة الدولة، كما عزّز نفوذ الأحزاب المشاركة معه في السلطة. وقد أدى تراجع دور المؤسسات وضعف الإدارة إلى جانب اتساع ظاهرة الفساد التي التهمت ميزانيات البلاد إلى إضعاف الدولة، ناهيك عن ترسّخ العشائرية في مؤسساتها والمجتمع، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة بما يهدد السلم الأهلي حتى اليوم.
في عهد حزب الدعوة – مستمر لليوم من خلال دولة القانون والبيت الشيعي والأطار التنسيقي وشخص زعيمه –أصبحت الوزارات مراكز نفوذ أحزاب المحاصصة، وهذا أدى ويؤدي الى غياب الكفاءة والنزاهة لصالح الولاء الحزبي والأنتماء الطائفي/ القومي، والنتيجة من توزيع الأدوار هذا فقدت الدولة قدرتها على ان تعمل كمؤسسة تخدم جماهير شعبنا على قدم المساواة، مع انتشار كبير للفساد في كل مفاصلها. علما أن المشكلة في الحقيقة ليست بوجود افراد فاسدين، بل بالنظام السياسي الذي أصبح بيئة خصبة لشبكات فساد مرتبطة بمصالح الأحزاب التي تدير العملية السياسية. وهذا الشكل من اشكال ادارة الدولة وبغياب أو شلل القطاعين الزراعي والصناعي، رسّخ اقتصاد سياسي قائم على الريع، الذي حوّل موارد الدولة الى مصدر للأثراء بدلا من ان يكون مصدرا للتنمية. والعراق الذي دخلت خزائنه ثروات هائلة من عائدات النفط، لم يشهد أي تقدم في بناه النحتية والتعليم والصحة والصناعة والزراعة، وأزدادت معاناة شعبه من خلال البطالة والفقر وتراجع الخدمات.
إن ملفات الفساد التي ظهرت أخيرا وما رافقها من الحديث عن أموال ضخمة مهدورة و منهوبة، تشير الى أن القضية أكبر من حالات فردية كما يحاول البعض من المتنفذين ترويجه للتغطية عليها. فحين تستمر عمليات الفساد بهذا الحجم ولسنوات طويلة، فهذه اشارة إلى وجود ضعف في رقابة الدولة وخلل في بنية النظام السياسي نفسه. ولهذا فإن الحديث عن تجربة حزب الدعوة لا ينبغي أن يكون مجرد اتهام للحزب بعينه، بل اساس لفهم مرحلة سياسية كاملة. ولا يعني ذلك إعفاء بقية القوى السياسية التي شاركت في السلطة منذ عام 2003 من مسؤوليتها، إذ إن نظام المحاصصة قام على شراكة بين أحزاب وقوى سياسية تقاسمت مؤسسات الدولة ونفوذها. غير أن مسؤولية حزب الدعوة تظل أكبر بحكم قيادته الحكومات العراقية لسنوات طويلة، وما أتاحه ذلك له من دور رئيسي في رسم سياسات الدولة وإدارة مؤسساتها وترسيخ آليات نظام المحاصصة. ولذلك فإن تناول تجربة الحزب ينبغي أن تفهم بوصفهها تجربة سياسية كرّست الفساد والطائفية، كون الحزب كان ولا زال الأكثر نفوذا في ادارة السلطة التنفيذية
إن العراق وهو يخطو خطوات خجولة للآن في محاربة الفساد، ليس بحاجة الى تغيير مسؤولين فاسدين، بل الى تغيير كامل في كيفية أدارة الدولة، من خلال انهاء نظام المحاصصة وتعزيز الدور الرقابي، وبناء الدولة لتكون فوق الأحزاب لا خاضعة لها كما هي اليوم. ومشكلة شعبنا وبلدنا مع حزب الدعوة بأعتباره رأس رمح النظام السياسي اليوم وأوّل حزب شرعن الفساد بشكل واسع، ليس فقط في الأموال التي ضاعت نتيجة سياساته الكارثية في ادارة البلاد من خلال ترسيخه مبدأ المحاصصة، بل في ضياع فرصة تاريخية لشعبنا كانت كافية بمداخيل الريع الضخمة من تغيير حياة الملايين من الفقراء والشغيلة نحو الأفضل.







