القراءة مهارة تقوم على الرغبة الشخصية، المقترنة بدوافع الفضول المعرفي، وتتحول بمرور الزمن إلى حاجة يومية، بل تصبح ضرورة لدى البعض لمواكبة الجديد الذي تطرحه الحياة في شتى صنوف المعرفة، على شكل مادة مكتوبة معروضة في الفضاء العام. وهنا يكون ثمة قارئ، وثمة كاتب، ولا بد للكاتب أن يكون قارئاً، وقارئاً جيداً بالضرورة، لأن الكتابة تستلزم القراءة بشغف وشراهة.

وأياً كانت درجة نبوغ الكاتب، فإن القراءات المتخصصة والمتنوعة تشكل الوقود المحرك لتوالد الأفكار، ولديناميكية التعبير عنها بلغة متقنة قادرة على شد القارئ إلى النص المكتوب. والكتابة، بدورها، مهارة وحرفة لها قواعدها وأصولها، كما تتعدد أشكال التعبير عنها وأجناسها وفنونها الإبداعية.

الكتابة متعة الكاتب، كما القراءة متعة القارئ، لكن الكاتب، وهو يعبر عن حقه المشروع في ممارسة حرية الكتابة، تقع على عاتقه مسؤولية شخصية وأخلاقية في تقديم محتوى ذي قيمة، يحظى بالقبول النسبي شكلاً ومضموناً. ولعل من أهم شروط الكتابة احترام عقل القارئ. وتتضاعف المتعة حين يتحلى كل من الكاتب والقارئ بسعة المخيلة، والقدرة على استنطاق النص المقروء ومساءلته نقدياً.

وتنشأ بين الكاتب والنص والقارئ علاقة تفاعلية مباشرة، أداتها العقل المدرك، وميدانها المعرفة؛ علماً وفكراً وأدباً وفناً، وما إلى ذلك. وهي علاقة تتجاوز تأثيرها العقل الإنساني الفردي، لتمتد نحو العقل الجمعي، وتسهم في تشكيل أنماط الوعي الاجتماعي في الزمان والمكان والبيئة الاجتماعية الحاضنة. فالقراءة، هنا، فعل تواصلي مرتبط بنشاط إنساني يعمل على تغذية العقل، وتنمية سعة الإدراك، واكتساب خبرات ومعارف جديدة تمنحه مزيداً من القدرة على قراءة الواقع الاجتماعي المعاش بأبعاده المتعددة، بما في ذلك الاقتصاد والسياسة، وتقييم جودة الحياة تحليلاً ونقداً، من أجل الارتقاء بها نحو الأفضل.

والقراءة، في أحد أهم تجلياتها، فعل فكري، وقد تكون أيضاً فعلاً سياسياً بامتياز. وهي أداة لا غنى عنها للفاعل السياسي في تطوير إمكاناته الشخصية والاجتماعية، وتعزيز ملكاته الثقافية والفكرية، واستيعاب فن التعامل مع الناس المختلفين من حوله، واحترام الرأي الآخر، واكتساب سعة الأفق ومرونة التفكير. ومن هذا المنطلق، تبقى القراءة إحدى أهم أدوات المناضل في التنوير والتعبئة والتنظيم، والإسهام الجاد في صناعة إرادة التغيير.