
في الليلة التي قررت فيها المقابر العراقية أن تحصي أبناءها، وقعت معجزة حزينة لم يشهدها التاريخ منذ أن تعلم الإنسان أن يضع فوق موتاه حجرًا يحمل أسماءهم؛ فقد خرجت الشواهد من الأرض، ومشت القبور على أقدام من طين، وتقدمت آلاف الأرواح نحو ساحة واسعة تقع بين الحياة والنسيان، وهناك جلس الموت على عرش من عظام الملوك الذين ظنوا أنهم سيخلدون، وأخذ يراجع سجلات الذين عبروا مملكته، حتى توقف عند اسم امرأة عراقية ولدت في البصرة سنة 1944، واعتُقلت في بغداد سنة 1980، وأُعلن استشهادها سنة 1983، لكنه لم يجد في دفاتره يومًا مؤكدًا لرحيلها، ولا قبرًا يحتضن جسدها، ولا شاهدًا يستطيع أن يخبر أهلها أين انتهت رحلتها. كان الاسم عايدة ياسين مطر، وكانت المرأة تُعرف بين رفاقها وأحبتها بأم علي، لكن الموت، الذي اعتاد أن يجد لكل إنسان مكانًا في مملكته، وقف حائرًا أمام امرأة غابت عن الأحياء دون أن يُعرف موضع رفاتها. أمر حراسه أن يفتشوا المقابر، وأن يسألوا التراب، وأن يفتحوا دفاتر السجون، وأن يبحثوا في أوراق الدولة، فعادوا إليه يحملون خبر اعتقالها وإعلان استشهادها، لكنهم لم يحملوا جوابًا عن السؤال الذي يسبق كل رثاء: أين جسدها؟ عندئذ نهض الموت من عرشه، وخرج إلى العراق، فوجد البلاد جالسة على ضفة دجلة، ترتدي ثوب أم ثكلى، وتضم إلى صدرها صورًا كثيرة لأبنائها الذين غابوا ولم يعودوا. سألها عن عايدة، فرفعت رأسها إليه وقالت: أتسألني عن ابنتي التي أخذوها مني، وأنا أسأل عنها منذ أعوام؟ أتعرف كم مرة فتحت الأمهات أبوابهن حين سمعن وقع أقدام في الليل، وكم مرة ظنن أن الغائب عاد، ثم اكتشفن أن الطريق خالٍ إلا من الريح؟ لم يجب الموت، لأنه اكتشف أن هناك حزنًا لا يعرفه، حزنًا لا يبدأ عندما يموت الإنسان، بل عندما يُحرم أحباؤه حتى من معرفة موته. وفي تلك اللحظة انشق شط العرب عن سيارة أجرة قديمة، خرجت من الماء كأنها عائدة من ذاكرة بعيدة، وكان خلف مقودها رجل اسمه ياسين مطر، سائق السيارة الذي حمل في حياته الركاب ورسائل الحزب الشيوعي العراقي، وكان يحمل الآن حقيبة صغيرة تركتها ابنته في ذاكرة الحكاية. توقفت السيارة أمام الموت، ونزل الرجل، وسأله: هل رأيت عايدة؟ فقال الموت: بحثت عنها في مملكتي ولم أجد لها قبرًا. فقال الأب: إذن ابحث معي، فأنا لا أريد منك أن تعيدها إلى الحياة، بل أن تخبرني أين أذهب لأضع وردة على ترابها. عندئذ انحنت النخيل على ضفتي النهر، وبكت البصرة بكاءً لم يسمعه أحد، لأن المدن حين تبكي لا تنحدر الدموع من عيونها، بل من جدران البيوت التي بقيت تنتظر أصحابها. لم تكن عايدة ياسين ابنة أسرة غنية، ولا وريثة مجد سياسي جاهز، بل نشأت في بيت كادح، وكان أبوها يعمل سائق سيارة أجرة، وينتمي إلى الحزب الشيوعي العراقي، ويؤدي دورًا في نقل مراسلاته وبريده. ومن تلك السيارة الصغيرة بدأت حكاية ابنة ستصبح واحدة من الأسماء التي تقترن في ذاكرة الحركة الشيوعية العراقية بالشجاعة والتضحية. كانت السيارة، في صورتها العجائبية، تحمل عالمين متداخلين؛ عالم الركاب الذين يبحثون عن أرزاقهم، وعالم الرسائل التي تحمل أحلامهم بحياة أكثر عدلًا. وكان الأب، وهو يعبر شوارع البصرة، يعلم ابنته دون أن يلقي عليها درسًا أن الفكرة لا تحتاج إلى قصر كي تولد، وأن الحرية قد تبدأ في بيت فقير، وأن العدالة ليست كلمة تزين الخطب، بل حاجة إنسانية تشبه الخبز والماء. وفي ثانوية البصرة للبنات، حيث برز نشاط عايدة الطلابي، أخذت الفتاة تتعلم كيف تتحول الأسئلة إلى مواقف، وكيف تستطيع امرأة شابة أن تدخل المجال العام في مجتمع كانت القيود الاجتماعية تضيق فيه على مشاركة النساء. وعندما جاءت ثورة الرابع عشر من تموز سنة 1958، كانت في الرابعة عشرة، لكنها وجدت نفسها أمام مرحلة سياسية واجتماعية جديدة، فانخرطت في النشاط الطلابي والنسائي، وارتبطت بتجربة رابطة المرأة العراقية، وبالأفكار التي جعلت المساواة بين النساء والرجال جزءًا من مشروع الإصلاح الاجتماعي. لم تكن عايدة تريد أن تكون المرأة ظلًا لرجل، ولا أن تكون حريتها هدية يمنحها أحد متى شاء ويسحبها متى شاء، بل كانت ترى، في المعنى الذي تكشفه تجربتها، أن المجتمع الذي لا يعترف بكرامة المرأة لا يستطيع أن يدعي اكتمال عدالته. وكانت البصرة تراقب ابنتها وهي تكبر، وتخشى عليها من زمن تتغير فيه السلطات بالعنف، وتصبح فيه الأفكار السياسية أسبابًا للملاحقة. وفي إحدى الليالي التي يبتكرها الخيال، اجتمعت نخيل المدينة عند بيت ياسين مطر، وقالت نخلة عجوز إن هذه الفتاة ستحمل في قلبها حزنًا أكبر من عمرها، فسألتها النخلات الأصغر: وهل ستصبح ملكة؟ فأجابت: لا، فالملوك يتركون وراءهم قصورًا، أما هي فستترك سؤالًا يعجز القصور عن الإجابة عنه. وسألتها نخلة أخرى: وهل ستصبح شهيدة؟ فصمتت النخلة العجوز طويلًا، ثم قالت: لا تستعجلوا موتها؛ فإن أجمل ما فيها أنها تحب الحياة، وتريد للآخرين أن يعيشوها بكرامة. ومن تلك اللحظة بدأت البصرة تخبئ ابنتها في قلبها، كأنها تعرف أن يومًا سيأتي يبحث فيه العراق كله عن امرأة لم يستطع أن يحميها، وأن النهر الذي شهد طفولتها سيصبح شاهدًا على غيابها، وأن السيارة التي حملت رسائل أبيها ستتحول في الأسطورة إلى مركبة لا تنتهي رحلتها، لأنها ستظل تبحث عن عنوان واحد لم تجده: قبر عايدة ياسين.
الفتاة التي حملت جرحى البصرة على كتفيها وخرجت من الرصاص أكثر حياة
في صباح الثامن من شباط سنة 1963، حين دخل العراق واحدة من أكثر مراحله السياسية عنفًا، كانت عايدة ياسين في التاسعة عشرة من عمرها، ذلك العمر الذي يفترض أن تكون فيه الحياة ممتلئة بالأحلام الصغيرة، وبالأسئلة الأولى عن الحب والمستقبل، وبالرغبة في اكتشاف العالم، لكنها وجدت نفسها أمام عالم يطلق الرصاص على المختلفين معه. خرجت في تظاهرة معارضة للانقلاب أمام متصرفية لواء البصرة، وكانت المدينة قد بدأت تتلقى آثار العنف السياسي الذي أعقب سقوط حكومة عبد الكريم قاسم، وحين أُطلق النار على المتظاهرين وسقط المصابون، لم تتراجع عايدة إلى مكان آمن وتترك الجرحى لمصيرهم، بل أسهمت في نقل بعضهم إلى البيوت القريبة وإسعاف الإصابات الخفيفة، بينما نُقل أصحاب الإصابات الخطرة إلى المستشفيات. هذه الواقعة وحدها تكفي لأن تمنح سيرتها مقامًا إنسانيًا رفيعًا؛ فالشجاعة ليست أن يحب الإنسان الموت، وإنما أن يحب الحياة إلى الحد الذي يجعله مستعدًا للمخاطرة بحياته كي لا يفقدها غيره. وفي المشهد العجائبي الذي تستحقه تلك اللحظة، تحول الرصاص إلى سرب من الطيور الحديدية السوداء، وكانت الطيور تهبط على صدور المتظاهرين، وكلما سقط إنسان انفتحت تحته حفرة من ظلام، لكن عايدة كانت تسبق الظلام، وتمد يدها إلى الجسد الجريح، فتتحول يدها إلى جسر صغير يعبر عليه المصاب من حافة الموت إلى باب بيت قريب. كانت البيوت البصرية قد استيقظت من خوفها، وراحت تفتح أبوابها، وكانت الأمهات يمددن أذرعهن من النوافذ، وكانت الجدران تتراجع كي تتسع الغرف للجرحى، حتى بدا أن المدينة كلها أصبحت جسدًا واحدًا يحاول أن يمنع أبناءه من السقوط. وفي تلك اللحظة وقف الموت عند مدخل الشارع، يحمل دفترًا يريد أن يكتب فيه أسماء الضحايا، لكنه وجد فتاة تفسد عليه حساباته، فكلما اقترب من جسد أسرعت إليه، وكلما ظن أن الخوف سيجعل الناس يهربون، وجد أبوابًا تُفتح وأيديًا تمتد. سألها الموت في المشهد المتخيل: لماذا تعرضين حياتك للخطر من أجل أناس قد لا تعرفين أسماءهم؟ فأجابته: لأن الجريح لا يحتاج إلى أن أعرف اسمه كي أعرف أنه إنسان. قال الموت: وماذا لو أصابك الرصاص؟ فقالت: سيكون ذلك حزنًا، لكن ترك إنسان ينزف وحده حزن آخر لا أريد أن أشارك فيه. عندئذ انحنى الموت، لا اعترافًا بهزيمة نهائية، بل دهشة من فتاة أدركت في التاسعة عشرة ما تعجز سلطات كثيرة عن إدراكه: أن كرامة الإنسان تبدأ من الاعتراف بحقه في الحياة، حتى عندما يختلف معنا في الرأي أو الانتماء. ومن البصرة انتقلت عايدة بعد إكمال دراستها الثانوية إلى بغداد، وكانت العاصمة في انتظارها كمدينة لها ألف باب وألف سر، مدينة تتسع للأحلام كما تتسع للمخاوف، وتمنح الداخل إليها فرصًا جديدة ثم تطالبه بأن يتعلم لغة الحذر. انخرطت في العمل التنظيمي السري للحزب الشيوعي العراقي، وأسهمت في إعادة بناء الروابط الحزبية في ظروف الملاحقة، وكانت تلك الحياة تتطلب شجاعة مختلفة عن شجاعة التظاهرات؛ شجاعة الاستمرار في عمل لا يعرف صاحبه هل سيعود منه إلى بيته، وشجاعة حفظ أسرار الآخرين، وشجاعة الثقة بمن يستحق الثقة في زمن تستطيع فيه الوشاية أن تحطم حياة كاملة. وفي بغداد تعرفت إلى القيادي الشيوعي بهاء الدين نوري وتزوجته، وأنجبت ابنها علي، وأصبحت أم علي، وهو الاسم الذي سيمنح سيرتها أكثر وجوهها إنسانية وأشدها إيلامًا. فحين نقول عايدة ياسين نستحضر امرأة سياسية وقيادية ومناضلة، لكن حين نقول أم علي ينفتح وراء الاسم بيت، وطفل، وعاطفة أمومة، واحتمال حياة كان يمكن أن تمضي في تفاصيلها اليومية لو لم يتحول الاختلاف السياسي إلى خطر دائم. ولم تكن الأمومة عند عايدة نقيضًا لنضالها، بل كانت جزءًا من رؤيتها إلى المستقبل، لأن المرأة التي تدافع عن حقوق النساء وعن العدالة الاجتماعية لا تستطيع أن تفصل تمامًا بين العالم الذي تريد بناءه والحياة التي تريدها لأبنائها. وفي الخيال يمكن أن نرى الأمومة واقفة عند باب بيتها، تحمل مصباحًا صغيرًا، وتسألها كلما خرجت: متى تعودين؟ فتجيب عايدة: عندما أستطيع. وتقول الأمومة: أخشى أن يأتي يوم لا تعودين فيه. فتنظر إليها المرأة ولا تجد وعدًا تستطيع أن تمنحه بثقة، لأن زمن الملاحقة يجعل العودة إلى البيت أمنية لا يملك الإنسان ضمانها. وكانت سنوات بغداد تمضي، وتزداد مسؤولياتها، حتى انتُخبت سنة 1976 لعضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، في سياق حضور نسائي قيادي ارتبط بأسماء مثل أمينة الرحال ونزيهة الدليمي. كان ذلك وصولًا مهمًا لامرأة خرجت من بيت كادح في البصرة إلى موقع متقدم في التنظيم السياسي، لكنه لم يكن وصولًا إلى الراحة، بل إلى دائرة أوسع من المسؤولية والخطر. وفي الملحمة يمكن أن نرى سيارة أبيها القديمة تدخل بغداد في تلك السنة، وتتوقف أمام مبنى لا يعرفه سائقها، فتسأل المدينة عن سبب قدومها، فتجيب السيارة بأنها جاءت لترى إلى أين وصلت الرسائل التي كانت تحملها في شوارع البصرة، فتقول بغداد إن الرسائل أصبحت امرأة تقود وتعمل وتخاطر بحياتها، وإن الحروف التي كانت مختبئة تحت المقاعد خرجت إلى الشوارع، لكنها لم تجد بعد وطنًا يحميها من الرصاص. وهكذا كانت عايدة تكبر في المسؤولية، بينما كان الخطر يكبر معها، وكانت البصرة تتابعها من بعيد، وترسل إليها مع الريح رائحة النخيل، كأنها تريد أن تذكرها بأن وراء العمل السياسي مدينة تعرف اسمها الأول، وبيتًا يعرف طفولتها، وأبًا كانت سيارته أول مدرسة لها في معنى التضامن. ولم تكن المدينة تعرف أن ابنتها ستصبح يومًا اسمًا يُكتب على شاهد رمزي بعيد عن جسدها، وأن الأم التي حملت ابنها علي ستتحول إلى أم رمزية لوجع عراقي واسع، وأن المرأة التي أسعفت الجرحى ستحتاج يومًا إلى من يعيد إلى أهلها حقهم في معرفة مصيرها.
أم علي التي فتحت للآخرين طرق النجاة وبقيت وحدها عند باب الخطر
في أواخر السبعينيات، حين اشتدت حملات القمع ضد الشيوعيين العراقيين، كانت بغداد تبدو كمدينة فقدت قدرتها على النوم، ولم يكن الليل فيها مجرد غياب للشمس، بل صار في الخيال كائنًا هائلًا يرتدي معطفًا أسود، يمشي بين الأزقة، ويضع أذنه على الأبواب، ويعد خطوات العابرين، ويجمع أسماء الذين يخشون أن يختفوا. وكانت عايدة ياسين تواصل عملها السياسي في قلب هذه المدينة، تتصل بالكوادر الحزبية، وتزور بعض الذين خرجوا من الاعتقال، وتتعرف إلى ما تعرضوا له، وتنقل المعلومات إلى دوائر التنظيم الموثوقة، وتعمل على حماية الروابط التي كان القمع يحاول تفكيكها. لم تكن تلك الأعمال تصنع مشاهد احتفالية، ولم تكن تمنح أصحابها صورًا على المنصات، لكنها كانت تحتاج إلى صبر استثنائي وإحساس عميق بالمسؤولية، لأن كل لقاء قد يحمل خطرًا، وكل معلومة قد تؤثر في سلامة إنسان، وكل خطأ قد تكون له عواقب قاسية. وفي الصورة العجائبية كانت بغداد قد تحولت إلى جسد أم كبيرة، وفي صدرها آلاف الجروح الصغيرة، وكل جرح يحمل اسم معتقل أو مطارد أو بيت ينتظر غائبًا، وكانت عايدة تمشي فوق هذا الجسد وتحاول أن تخيط الجروح بخيط من الضوء. كلما انقطعت صلة حاولت وصلها، وكلما وصلها خبر عن رفيق مهدد بحثت عن سبيل لمساعدته، وكلما اتسعت دائرة الخوف حاولت أن تحفظ للناس شيئًا من الثقة التي يحتاجون إليها كي يواصلوا الحياة. ومع اشتداد المخاطر اتخذ الحزب إجراءات لحمايتها، ومنها استثناؤها من حضور بعض اجتماعات اللجنة المركزية لأسباب أمنية، حتى صار كرسيها الفارغ في الاجتماعات، في المخيلة الأدبية، شاهدًا على حضورها في مكان آخر، مكان لا يستطيع الاجتماع الرسمي أن يعوضه. وكان الكرسي يقول لمن يجلسون حوله: لا تبحثوا عن أم علي هنا، إنها في المدينة التي تحاولون فهم مصيرها، بين الأبواب التي تخشى أن تُطرق ليلًا، وبين الناس الذين يحتاجون إلى من يساعدهم على البقاء. وفي سنة 1979 أسهمت عايدة في تأمين انتقال عدد من الكوادر الملاحقة إلى قواعد الأنصار الشيوعيين في كردستان، وساعدت في ترتيب خروج آخرين إلى البلدان المجاورة أو إلى أوروبا عبرها. وكانت هذه المهمة من أكثر جوانب تجربتها دلالة على معنى التضامن، لأن المرأة التي بدأت حياتها السياسية وهي تساعد جرحى التظاهرات أصبحت تساعد مطاردين على النجاة من الاعتقال. وفي الملحمة كانت جبال كردستان تمد أذرعها إلى بغداد، وتفتح بين الصخور ممرات من ضوء، وكانت الطرق تتعلم كيف تخفي آثار العابرين، وكانت كل حياة تصل إلى مكان أكثر أمنًا تتحول إلى نجمة تضاف إلى سماء البلاد. وكانت عايدة تقف عند نهاية الطريق، تراقب النجوم الجديدة، ثم تعود إلى المدينة التي لم تعد تعرف كيف تحمي أبناءها. تكررت المناشدات التي دعتها إلى مغادرة بغداد والالتحاق برفاقها في كردستان، لكنها رفضت الرحيل، ورأت أن استمرار وجودها في الداخل ضرورة لمواصلة العمل. هنا تبلغ الحكاية ذروة وجعها الإنساني، لأن المرأة التي فتحت للآخرين أبواب النجاة لم تعبر الباب الذي كان يمكن أن ينقذها. وليس في هذا القرار ما يدعونا إلى تمجيد الموت أو اعتبار التضحية بالحياة غاية في ذاتها، بل ما يدعونا إلى التأمل في قسوة الظروف التي تجعل الإنسان مضطرًا إلى الاختيار بين سلامته الشخصية ومسؤولية يشعر أنه لا يستطيع التخلي عنها. كانت عايدة تعرف أن المخاطر تتزايد، وأن الاعتقالات تتسع، وأن وجودها في بغداد يضعها في دائرة التهديد، لكنها بقيت. وما أشد هذه الكلمة حين نعرف ما جاء بعدها: بقيت. بقيت وفي اسمها علي، وفي ذاكرتها البصرة، وفي قلبها رفاق تحاول مساعدتهم، وفي حياتها احتمالات كثيرة لم تُتح لها فرصة الاكتمال. وفي المشهد المتخيل تجتمع الجبال عند أطراف العراق، وترسل إليها ريحًا باردة تقول: تعالي يا أم علي، فالصخور تستطيع أن تخفيك، والغابات تحفظ أسرار العابرين، والطريق ما زال مفتوحًا. لكن بغداد، التي كانت قد شاخت من كثرة ما شهدت، تتقدم من الريح وتقول: لا تأخذيها مني، فما زال هنا أناس يحتاجون إلى يدها. وتقف عايدة بين الجبال والمدينة، وبين النجاة والمسؤولية، وبين حياة تريد أن تعيشها وحياة تريد أن تحميها للآخرين، ولا يكون أمامها خيار بلا ألم. وفي الخيال يظهر الموت عند نهاية الطريق، لا كملك عظيم، بل كشيخ متعب يحمل ساعة بلا عقارب، ويسألها: لماذا لا ترحلين؟ فتقول: لأن بعض الناس ما زالوا يحتاجون إلى من يبقى. يقول: لكنك أم. فتجيبه: ولهذا أعرف معنى أن ينتظر بيت صاحبه فلا يعود. يقول: وهل تعرفين أن البقاء قد يكلفك حياتك؟ فتصمت، لأن الإنسان لا يستطيع أن يجيب بسهولة عن سؤال يمس كل من يحبهم، ولأن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل القدرة على اتخاذ قرار صعب رغم معرفته. ثم تمضي عايدة في طريقها، ويبقى الموت واقفًا، ينظر إلى المدينة التي بدأت أبوابها تضيق. وفي سنة 1980 اعتُقلت عايدة ياسين في بغداد. وتورد إحدى الروايات أن اعتقالها وقع في الخامس عشر من تموز أثناء محاولتها إنقاذ أحد رفاقها، وهو تفصيل يحتاج إلى توثيق مستقل، أما الثابت فهو اعتقالها وتغييبها، ثم إعلان استشهادها سنة 1983، دون معرفة مؤكدة بتاريخ وفاتها أو مكان رفاتها. وهنا ينبغي أن تتراجع المخيلة خطوة أمام فداحة الحقيقة، لأننا لا نعرف تفاصيل أيامها الأخيرة، ولا يحق لنا أن نخترع أقوالًا أو مواقف أو وقائع داخل السجن ثم ننسبها إليها بوصفها تاريخًا. لكننا نستطيع أن نتأمل ما يعنيه أن تختفي امرأة كانت معروفة بين رفاقها بشجاعتها وعملها، وأن تنقطع أخبارها، وأن يظل مصير جسدها مجهولًا. نستطيع أن نتخيل بغداد في تلك الليلة وهي تغلق أبوابها، ثم تكتشف أن بابًا واحدًا بقي مفتوحًا، باب بيت يسأل عن امرأة لم تعد. ونستطيع أن نرى سيارة أبيها القديمة تعبر من البصرة إلى العاصمة، تبحث في الشوارع عن ابنة حملت ذات يوم حقيبة مدرسية، ثم حملت مسؤوليات أكبر من عمرها، حتى انتهت إلى غياب لا يعرف أحد أين يبدأ قبره. وكانت السيارة تتوقف عند كل باب، ويسأل سائقها عن عايدة، فيجيبه الصمت، ثم تمضي إلى باب آخر، حتى تبدو بغداد كلها مدينة من الأبواب التي لا تعرف الجواب. وفي هذه الصورة تبلغ المأساة عمقها؛ فالاختفاء لا يسلب الإنسان حريته أو حياته فحسب، بل يسلب أحباؤه حق المعرفة، ويجعلهم أسرى انتظار لا يستطيعون إنهاءه. والذي يموت ويُدفن يترك مكانًا يعود إليه أهله، أما الذي يُغيّب فيتركهم أمام خريطة بلا علامة، وذاكرة بلا خاتمة، ووجع لا يعرف أين يضع وردته. وكانت عايدة، التي عرفت كيف تساعد الآخرين على النجاة، قد أصبحت هي نفسها سؤالًا عن النجاة التي لم تأتها، وعن العدالة التي لم تحمها، وعن الحرية التي دفعت ثمن إيمانها بها. وفي تلك الليلة، كما تقول الأسطورة، انحنت نخلة في البصرة حتى لامست ماء شط العرب، وكتبت على سطحه اسم عايدة، لكن الماء حمل الاسم إلى دجلة، ومن دجلة إلى الجبال، ومن الجبال إلى المقابر الرمزية، حتى صار العراق كله يقرأ الاسم نفسه، ولا يعرف أين يذهب ليضع تحته كلمة الوداع.
المرأة التي لم تجد قبرًا فصار الوطن كله شاهدًا على غيابها
في سنة 1983 أُعلن استشهاد عايدة ياسين، لكن الإعلان لم يكن نهاية الحكاية، لأن تاريخ وفاتها الدقيق بقي مجهولًا، ولأن رفاتها لم تُعرف، ولأن الذين أحبوها لم يحصلوا على جواب كامل عن مصيرها. ومن هذه الفجوة بين الخبر والحقيقة تولد واحدة من أكثر صور الفقدان قسوة؛ فليس أشد إيلامًا من أن يعرف الإنسان أن عزيزًا عليه غاب إلى الأبد، ثم يعجز عن معرفة المكان الذي استقر فيه جسده. وفي منطقة كسنزان قرب أربيل تقوم شواخص رمزية لضحايا من الشيوعيين العراقيين الذين لم تُعرف أماكن رفاتهم، ومن بينهم عايدة بحسب المادة السيرية المتاحة، وهي شواخص تمنح الأسماء موضعًا في الذاكرة، لكنها لا تستطيع أن تعيد الأجساد إلى التراب الذي ينتظرها. وفي الملحمة العجائبية تجتمع تلك الشواخص ذات ليلة، وتقرر أن تغادر أماكنها بحثًا عن أصحابها، فتسير الحجارة على أقدام من طين، وتعبر الجبال والسهول والأنهار، حتى تصل إلى بغداد، وهناك تقف أمام أبواب السجون القديمة، وتسأل الجدران عن الذين دخلوا ولم يعودوا. تصمت الجدران، لأن الصمت كان اللغة التي فُرضت عليها طويلًا، لكن حجرًا صغيرًا يتقدم من بين الشواخص، ويقول إن امرأة اسمها عايدة ياسين خرجت من البصرة، وأسعفت الجرحى في شبابها، وساعدت المطاردين في سنوات القمع، وبقيت في بغداد حين دُعيت إلى الرحيل، ثم اعتُقلت وغابت. يسأل الحجر: أين جسدها؟ فلا يجيبه أحد. وعندئذ تبكي الحجارة، ويصبح بكاؤها غبارًا أبيض يغطي المدينة، وتخرج من البيوت أمهات يحملن صور أبنائهن وبناتهن، وكل واحدة تسأل السؤال نفسه، حتى يبدو العراق كله كأنه أم واحدة تبحث عن طفل ضاع منها في زحام التاريخ. وفي وسط هذا الحشد تظهر عايدة، لا بوصفها جسدًا عاد من الموت، بل بوصفها صورة صنعتها الذاكرة من المحبة والفقدان، تمشي بين النساء وتلمس أكتافهن، وكلما اقتربت من أم فقدت ابنًا اتسعت الحقيبة الصغيرة التي تحملها، حتى أصبحت قادرة على احتواء آلاف الأسماء. وفي تلك اللحظة يظهر الموت، وقد شاخ من كثرة الأسئلة التي لا يستطيع الإجابة عنها، ويقول لعايدة في المشهد الرمزي: بحثت عنك في سجلاتي، فلم أجد يومًا مؤكدًا لرحيلك. فتجيبه: اسأل الذين اعتقلوني. يقول: لم أجد قبرًا يحمل اسمك. فتقول: اسأل الذين أخفوا جسدي. يقول: وماذا تريدين الآن؟ فتفتح حقيبتها، وتخرج منها ورقة بيضاء، وتقول: أريد أن يعرف الأحياء أين ذهب الذين غابوا. أريد أن تجد الأمهات مكانًا يزرن فيه أبناءهن. أريد أن تصبح الحقيقة حقًا لا منحة، وأن تكون العدالة أوسع من قدرة السلطة على إخفاء الأدلة. عندئذ يخلع الموت تاجه، ويضعه على الأرض، ويعترف بأنه لم يعرف في مملكته عذابًا أشد من عذاب الذين لا يجدون قبور أحبائهم. ثم تتقدم البصرة من آخر القاعة، وقد جاءت تحمل شط العرب فوق كتفيها، وتقول: أريد ابنتي. وتتقدم بغداد، وقد شاخت من كثرة ما رأت، وتقول: مشت في شوارعي، ولم أستطع أن أحميها. وتتقدم الجبال، وتقول: دعوتها إلى النجاة، لكنها بقيت حيث رأت أن واجبها يناديها. وتتقدم سيارة ياسين مطر القديمة، وقد أصبحت عجوزًا من حديد، وتقول: حملت رسائل كثيرة في حياتي، لكنني لم أستطع أن أحمل رسالة أخيرة من ابنتي إلى أبيها. ثم يتقدم اسم علي وحده، لا جسدًا ولا شخصية تتحدث باسم الابن الحقيقي، بل حروفًا مضيئة خرجت من لقب أم علي، وتقف أمام المرأة التي حملته في اسمها، فيرتجف قلب الحكاية كلها. هنا لا يحتاج الرثاء إلى اختراع دموع أو كلمات لم يقلها أصحابها، لأن مجرد اجتماع الأمومة والغياب في اسم واحد يكفي لتمزيق الروح؛ أم علي، المرأة التي ظل اسم ابنها ملازمًا لاسمها، بينما حُرم أحباؤها من مكان معلوم يزورون فيه قبرها. وفي تلك اللحظة تتقدم الذاكرة من آخر القاعة، وكانت امرأة عجوزًا تحمل على ظهرها آلاف الحقائب، وتقول إن عايدة ليست وحدها، وإن العراق عرف كثيرين غابوا في السجون والمعتقلات، وإن الحكاية لا تكتمل حين نرفع أسماءهم إلى مقام الرموز، بل حين نعيد إليهم إنسانيتهم التي حاول القمع محوها. كانت عايدة تحب الحياة، وكانت لها أسرة وابن ورفاق ومدينة، وكانت لها أحلام لم تكتمل، وكانت شجاعتها في خدمة الأحياء، لا في طلب الموت. وإذا كان اسم جيفارا قد أصبح رمزًا عالميًا للتضحية الثورية بعد مقتله في بوليفيا، فإن عايدة تمتلك حكايتها العراقية المستقلة، التي لا تحتاج إلى استعارة صورته كي تستحق التذكر؛ فقد كانت امرأة خرجت من بيت كادح، وعملت في الحركة النسائية والسياسية، وأسعفت الجرحى، وساعدت المطاردين، ورفضت مغادرة بغداد رغم المخاطر، ثم اختفت بعد اعتقالها. وما يمنحها مكانتها في الذاكرة ليس أنها تشبه أحدًا، بل أنها كانت نفسها، بكل ما في تجربتها من شجاعة ومسؤولية ومأساة. وفي هذه اللحظة ينحني الموت أمام الذاكرة، لا لأنه فقد قدرته على إنهاء الحياة، بل لأنه اكتشف أن إنهاء الحياة لا يكفي لإغلاق الأسئلة التي يتركها الظلم وراءه. وتعود المقابر إلى أماكنها، وتعود الجبال إلى صمتها، وتعود بغداد إلى شوارعها، لكن البصرة تظل مستيقظة عند شط العرب، تنتظر سيارة أجرة قديمة لم تعد تعرف هل ستصل. ويجلس الأب المتخيل خلف المقود، يفتح الباب الخلفي كلما سمع وقع خطوات، ثم يغلقه حين يكتشف أن العابر ليس ابنته. تمر السنوات، وتتغير وجوه المدن، وتسقط سلطات وتقوم أخرى، لكن السيارة تظل في مكانها داخل الأسطورة، لأن الذاكرة لا تقيس الانتظار بالسنوات، بل بما لم يُعرف بعد. وفي إحدى الليالي يقترب طفل من السيارة، ويسأل السائق العجوز: من تنتظر؟ فيجيبه: ابنتي عايدة. يسأله: ألم تعد؟ فيقول: أخذوها منذ زمن طويل. يسأله: وهل تعرف أين هي؟ فينظر الرجل إلى النهر، ولا يجيب. عندئذ يفتح الطفل الباب الخلفي، فيجد الحقيبة الصغيرة، وفي داخلها ورقة لم يكتب عليها سوى اسمين: عايدة، أم علي. يحمل الورقة إلى الضوء، فتظهر تحت الاسمين كلمات لم تكن مرئية من قبل: ولدت في البصرة سنة 1944، واعتُقلت في بغداد سنة 1980، وأُعلن استشهادها سنة 1983، ولا يزال موضع رفاتها مجهولًا. يسأل الطفل: لماذا لم يكتبوا يوم وفاتها؟ فيجيبه السائق: لأن الذين أخذوها لم يعيدوا إلينا الحقيقة. يسأل الطفل: وهل يمكن أن ندفن الحقيقة إذا لم نجد جسدها؟ فيقول الرجل: لا يا ولدي، الحقيقة لا تُدفن، لكنها قد تنتظر طويلًا حتى يجد الناس الشجاعة لفتح الأبواب التي أُغلقت عليها. ثم ينهض الأب، ويضع يده على مقعد السيارة الخالي، ويقول بصوت لا يكاد يسمع: يا عايدة، لقد كبرت البلاد من بعدك، لكن قلبها ما زال صغيرًا أمام وجعك. يا ابنتي، كم من مرة أشرقت الشمس على البصرة ولم تكوني فيها، وكم من مرة عاد الناس إلى بيوتهم ولم تعودي، وكم من باب فُتح في المساء ثم أُغلق، وبابنا لا يزال مفتوحًا في ذاكرة الحكاية. يا أم علي، لم نكن نريد لك أن تصبحي أسطورة، كنا نريد لك أن تعيشي، أن تكبري، أن تري ابنك يكبر، وأن تعودي من الطريق متعبة فتجدي بيتًا ينتظرك، لا أن يصبح وطن كامل عاجزًا عن العثور على قبرك. ثم يسكت الرجل، وتغرق السيارة في ضوء الفجر، ويخرج من شط العرب صوت امرأة لا يعرف أحد إن كان صوت البصرة أم صوت التاريخ، يقول إن عايدة لم تكن تبحث عن الموت، بل عن حياة يستطيع الناس أن يعيشوها دون خوف، وإن الشجاعة التي حملتها لم تكن نقيض الحنان، بل إحدى صوره، وإن اليد التي امتدت إلى الجرحى والمطاردين كانت تريد أن تمنع الحزن عن بيوت الآخرين، قبل أن يصبح بيتها نفسه جزءًا من الحزن العراقي الكبير. وفي اللحظة الأخيرة تسقط من السماء ورقة بيضاء على مقعد السيارة، يلتقطها الأب، فيجد أنها ليست رسالة من عايدة، بل سؤال كتبه الزمن إلى الذين سيأتون بعده: إذا كانت امرأة قد وهبت حياتها كي لا يعيش الناس خائفين، فكيف يجوز أن يظل أهلها محرومين من معرفة أين دُفنت؟ يرفع الأب الورقة نحو النهر، فتتوقف المياه لحظة، وتنحني النخيل، وتفتح بغداد نافذة بعيدة، وتتحرك الشواخص الرمزية في كسنزان كأنها تريد أن تقول شيئًا، ثم يعود كل شيء إلى سكونه، إلا مقعدًا واحدًا في سيارة أجرة بصرية قديمة، ظل خاليًا ينتظر امرأة لم تعد. وفي ذلك المقعد تتجمع مرثية العراق كلها، لا في صورة انتصار على الموت، بل في صورة حب لم يجد جسدًا يودعه، وذاكرة لم تجد قبرًا تستريح عنده، وعدالة لم تكتمل بعد. سلام على عايدة ياسين، أم علي، لا لأنها أحبت الموت، بل لأنها أحبت الحياة للآخرين حتى دفعت حياتها ثمنًا لما آمنت به. سلام على اليد التي أسعفت الجرحى، وعلى القلب الذي حمل خوف المطاردين، وعلى المرأة التي ساعدت رفاقها على الرحيل وبقيت، وعلى الاسم الذي لم تستطع سنوات الغياب أن تطفئه. سلام عليها كلما خرجت امرأة عراقية تطالب بحقها، وكلما عاد معتقل إلى أهله، وكلما انفتح باب سجن، وكلما استطاعت أم أن تعرف أين يرقد ابنها. أما الموت، فقد عاد إلى عرشه، وفتح دفتره للمرة الأخيرة، وكتب تحت اسم عايدة ياسين: لم أستطع أن أعثر على قبرها. ثم ترك الصفحة مفتوحة، ووضع قلمه جانبًا، لأن المرأة التي أخذها الغياب لم تترك له خاتمة يستطيع كتابتها، ولأن البصرة التي أنجبتها ما زالت تسأل، وبغداد التي احتضنت نضالها ما زالت تتذكر، والعراق الذي فقدها ما زال يحمل في قلبه سؤالًا واحدًا لا يشيخ: أين عايدة ياسين؟ وحين أشرقت الشمس على شط العرب، كانت سيارة ياسين مطر القديمة لا تزال واقفة عند الضفة، وكان بابها الخلفي مفتوحًا، وكانت حقيبة عايدة على المقعد، وكان النهر يمر أمامها ببطء، كأنه يخشى أن يمضي بعيدًا قبل أن تعود. ومنذ ذلك الصباح لم تعد البصرة تغلق ذلك الباب في ذاكرتها، لأن هناك أبوابًا لا يحق للتاريخ أن يغلقها قبل أن تعود الحقيقة، ولأن عايدة ياسين، التي لم يُعرف قبرها، تركت وراءها ما هو أبقى من الحجر: تركت سيرة امرأة جعلت من الشجاعة دفاعًا عن الإنسان، ومن الحرية حقًا لا يقبل المصادرة، ومن العدالة وعدًا يظل قائمًا حتى عندما يغيب الذين حملوه.







