
مهداة إلى الفقيد خالد الذكر ، الرفيق حكمت حكيم
في ربيع 1985 أخبرني الرفاق أن رسالة وصلت لي مع البريد القادم من مقر الفوج الأول/مراني، استغربت بادئ الأمر. واستبشرت خيرا عسى أن تكون أخبارا سارة. ذهبت إلى مكتب سرية مقر القاطع/بهدنان لاستلامها. كانت عبارة عن ورقة دفتر مدرسي طويت عدة طيات حتى أصبحت كعلبة كبريت لصقت بشريط شفاف وكانت معنونة إلى الرفيق وسام فتحتها بحذر وكانت رغبة عارمة تغمرني لمعرفة من أرسلها. وجدت فيها الجمل التالية وقد كتبت بخط واضح بقلم الجاف. أنا من اقربائك التحقت بالفوج الأول. ومشتاق أن أراك . انتهت .
من أقاربي؟ من هو هذا القريب وماذا يحمل من أخبار؟ أسئلة كثيرة دارت برأسي. وأنا عائد إلى فصيل الإسناد التقيت بالرفيقين آزاد المستشار وأبو رشدي خالد الذكر آمر الفصيل. أخبرتهم عن موضوع الرسالة وطلبت أذنا منهما للذهاب إلى الفوج الأول. حضر نفسك غدا اكو مفرزة عائدة إلى مراني، قال لي أبو رشدي. في اليوم التالي بعد الرابعة عصرا انطلقت مع مجموعة صغيرة من الرفاق ووصلت بعد يومين وبعد أن سلمت على بعض الرفاق الذين أعرفهم سألتهم عن المدعو حازم. قال لي رفيق تقصد أبو حازم الإداري. لا. رفيق ملتحق جديد. أشار لي أحدهم إلى شاب وقال ذاك الرفيق الذي تقصده. كان أسمر اللون عمره نحو العشرين أو أكثر قليلا، اقتربت منه وحييته وصافحني بحرارة وحدثني أنه سعيد هنا بين الرفاق قلت له أعذرني إني لم أعرفك. لم التق بيك سابقا في منطقة سكني في بغداد، قال أنا كنت صغيرا ولكنني أعرفك. رأيتك في مدينتنا عدة مرات. رحت أراجع وجوه الناس الذين أعرفهم والمكان الذي عشت فيه. كنت حائرا ، فقد تركت بيتي منذ عدة سنوات وكل شيء تغير لكن المعلومات التي تحدث بها عن أهلي وعن أصدقائي كانت صحيحة. ومن أين عرفت اسمي وسام؟ أجابني عندما التحقت هنا سألت عنك الرفاق. حديثه لم يدخل برأسي كما يقال ودعته وتمنيت له بالتوفيق. بعد يوم عدت إلى فصيل الإسناد في مقر القاطع في زويا وأخبرت الرفاق عما جرى وقلت بصراحة هذا الشاب لا أعرفه ولم أره من قبل ولا يمكنني تزكيته. بعد شهر جاءت مفرزة من الفوج الأول ومعهم ثلاثة سجناء أودعوا في الغرفة التي بنيت قبل أشهر بجانب المطبخ المجاور لغرفة الإسناد وكانت تستعمل كسجن مؤقت. دفعني الفضول أن أنظر من الشباك الصغير الموجود في جدار الغرفة. ما هذا ؟ الشاب الذي قال انه من أقاربي موجود مع اثنين من السجناء! في اليوم التالي تمشيت إلى غرفة التحقيق التي تقع أسفل مقر الإسناد بحوالي مئة متر . هناك رأيت الرفيق أبو شهاب واقفا أمام الباب ماسكا سكارة بين أنامله وكان أشقر البشرة وعلامات الجد واضحة على وجهه لكن عندما سلمت عليه أجابني وهو يبتسم تفضل رفيق وسام تحتاج شيء؟ عندي سؤال، أكو واحد من المسجونين الثلاثة يدعي انه قريبك. حكيت له قصة ذهابي إلى الفوج الأول . وقلت له إذا لم يعترف يمكن أن استغل صلة القرابة التي يدعيها واسحب منه المعلومات التي تريدونها بصراحة عندي فضول أعرف شنو قصته. أجابني مبتسما. شكرا على مبادرتك لقد اعترفوا جميعهم، تعال أدخل الغرفة وراح أحكي لك قصة هؤلاء على أن تبقى سرا بيننا. هؤلاء وصلوا الفوج الأول عن طريق التنظيم الداخلي ومعهم تزكية من بغداد ولكن كاحتياط وزعوا على ثلاثة مفارز وكلف الرفاق بمراقبة تحركاتهم وعندنا علم بالرسالة التي وصلتك والمعلومات التي أخبرت بها الرفاق. كل هذا ساعد في جمع الأدلة ضدهم وقد أدخلتهم غرفة التحقيق واحد تلو الآخر. في البداية اصفرّت وجوهم وبعد ذلك أعطيت كل واحد منهم كسرة من الخبز اليابس ليأكلها والشخص الذي يتعرض للتحقيق إذا كان يكذب وقلق من أن يكتشف أمره يتوقف عنده عمل الغدد اللعابية ويجف فمه ويتعرض للاختناق وهكذا اعترف اثنين منهم والثالث أنكر ولكنه لم يصمد أمام الأدلة الدامغة واعترافات أصحابه.
هؤلاء طلاب جامعة صف ثاني هندسة بغداد لكنهم بعد الدوام في كل يوم أربعاء يذهبون بشكل سري الى دائرة الأمن في الكاظمية يتلقون دروسا نظرية في الفلسفة الماركسية ومعلومات عن الحزب ودروسا عملية كيفية التعامل بين الرفاق، كان هدفهم في بادئ الأمر كشف الطلبة الشيوعيين وأصدقائهم ومن ثم انتقلوا إلى المرحلة الثانية وهي الأخطر الذهاب إلى مقرات الأنصار في كردستان والتعرف علي عدد كبير من الرفاق، وبعد أشهر يطلبون العمل في تنظيمات الداخل وهكذا أصبحوا أصدقاء لأحد الرفاق ثم حلقة أصدقاء يدفعون التبرع ويستلمون جريدة الحزب السرية وبعد فترة ادعوا أن حياتهم مهددة فعناصر الأمن اقتحمت منازلهم وليس هناك مكان آمن وأحسن شي هو الذهاب إلى كردستان. وبعد ان مرت هذه المسرحية التي لعبتها دوائر الأمن بشكل متقن عند ذاك زودهم الرفيق برسالة توصية وسلمهم مفتاح الطريق وهكذا وصلوا إلى مقر الفوج الأول. شكرته على هذه المعلومة المهمة وأردف قائلا لي لا تنسى الأمر يبقى سر بيننا عندما خرجت منه قلت مع نفسي إذا الرفيق أبو شهاب إذا مأخذ ماجستير بالقانون من جامعة البصرة والدكتوراه من جامعة موسكو شلون يفلت طير من إيده.
انتهت الحكاية







