العراق، هو الساحة الأكثر سخونة سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا واقتصاديًا بعد إيران. ويُعدّ العراق حلقة استراتيجية في بقاء النظام السياسي في إيران، أو بقاء الجمهورية الإسلامية. فهو ليس كلبنان، حيث يحاول حزب الله، من خلال الهجمات الصاروخية على إسرائيل، الإبقاء على موقعه في المعادلة السياسية اللبنانية بعد أن جرى تحجيمه والسعي إلى تهميشه، أكثر مما هو محاولة لفرض الضغط على إسرائيل أو الدفاع عن الجمهورية الإسلامية.

في العراق، هناك بُعد استراتيجي أعمق، إذ يُعدّ أحد مصادر الطاقة العالمية، وإخراجه من سوق الطاقة عبر الحرب والفوضى سيضيف عبئًا كبيرًا يتمثل في رفع أسعار الطاقة عالميًا، والذي يعتبر أحد الأوراق الاستراتيجية لحماية النظام السياسي في إيران.

وكما نشاهد، من خلال الضربات الأمريكية التي تتوسع يومًا بعد يوم على مقرات الحشد الشعبي في العديد من المدن، واستهداف قادة الميليشيات الموالية لإيران، وبموازاته وتحت قيادة الحرس الثوري والإشراف المباشر على الميليشيات العراقية يتم  ضرب المصالح الأمريكية—سواء الشركات العاملة في قطاع النفط والطاقة والقواعد العسكرية والبعثة الدبلوماسية إلى جانب استهداف المؤسسات الأمنية العراقية، مثل جهاز المخابرات وجهاز مكافحة الإرهاب، وكذلك ضرب دول الخليج والأردن انطلاقًا من الأراضي العراقية، وفي الوقت ذاته إطلاق الصواريخ الإيرانية على مدن إقليم كردستان ؛ كل هذه المعطيات تدل على سخونة الساحة العسكرية والأمنية والسياسية في العراق بعد ايران.

وكما أشرنا في مناسبات سابقة، عشية هذه الحرب، فإن النظام السياسي في إيران قد يلجأ إلى إشعال فوضى أمنية في العراق، تصل إلى حد إشعال حرب أهلية، إذا ما شعر بتهديد وجودي، كأوراق أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وتُبيّن هذه الأوضاع أنه، بقدر ما تمتلك الولايات المتحدة نفوذًا سياسيًا واستخباراتيًا وعسكريًا في العراق، فإن العراق يُعدّ، في المقابل، قلعةً للاستخبارات الإيرانية بامتياز، مع سيطرتها على مفاصل أمنية وعسكرية في الدولة، التي لم تتبنَّ حتى الآن هوية سياسية وعقيدة واضحة. ويُستدل على هذا النفوذ من خلال مقتل عدد من مستشاري الحرس الثوري في منطقة الجادرية احدى أحياء بغداد، وتدمير منطقة جرف الصخر التي تعد أكبر قاعدة عسكرية وامنية و تجسسية وصناعات عسكرية للحرس الثوري في المنطقة، التي دمرتها الضربات الامريكية.

ولا يرتبط الأمر بهذا التغلغل الإيراني فحسب، بل أيضًا عمق من حالة التخبط السياسي التي تعيشها الحكومة، وكذلك العملية السياسية التي تفتقر إلى الانسجام بين أطرافها. فهناك قسم مرتبط بشكل عضوي بالحرس الثوري الإيراني، وهو ما عبّر عنه بيان لمسؤول أمني في كتائب حزب الله، حين قال: «لن تتشكل حكومة عراقية إلا ببصمة المقاومة الإسلامية». ويعود هذا التخبط إلى تغلغل النفوذ الإيراني، الذي يمسك بإحدى ركائز العملية السياسية.

ويتجلى آخر مظاهر هذا التخبط في البيان الصادر عن وزارة الخارجية العراقية، الذي أكد عدم السماح للميليشيات باستهداف دول المنطقة والدول العربية، وأن أمن الدول العربية جزء من أمن العراق. وفي الوقت ذاته، صدر قرار آخر قبل يومين يسمح للحشد الشعبي وعدد من المؤسسات الأمنية بالرد على مصادر استهدافها.

وبقدر ما يعكس هذا القرار سخرية المشهد العسكري والأمني، الذي يعتري وضع الميليشيات بوصفها أهدافًا مكشوفة للقوات الأمريكية—إذ لا تمتلك دفاعات جوية ولا طائرات حربية للتصدي للاستهدافات التي تتعرض لها—فإنه، في الوقت نفسه، يوضح القرار عن عجز الحكومة العراقية عن السيطرة على ميليشيات الحشد الشعبي بسبب القوى السياسية وتبعيتها للنفوذ الإيراني. أي بمعنى اخر أن هذا القرار لا يتعدى، في شقه السياسي، تجدد الأوراق السياسية للنظام الحاكم في إيران وتقويها في مفاوضاتها مع الإدارة الامريكية لوقف الحرب. كما ان هذا القرار يضع حصانة قضائية وتنزع كل المبررات عن اية حكومة لاحقة بعد ان تضع الحرب اوزارها في ملاحقة قادة المليشيات وعناصرها.

والى جانب ذلك هو رسالة احتجاجية فارغة المحتوى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي ردّت عليها بقصف الجيش العراقي في منطقة الحبانية، ما أسفر عن مقتل عدد من الجنود في ضربتين جويتين بطائرات (A-10) التي تحلّق على ارتفاعات منخفضة، حيث عادت في المرة الثانية لتفتح رشاشاتها وتوقع مزيدًا من القتلى.

وتعكس هذه العملية جدية الإدارة الأمريكية في عدم الاكتراث أو المبالاة بالحكومة العراقية، التي وقفت متفرجة إزاء استهداف المصالح الأمريكية من شركات وبعثتها الدبلوماسية وقواعدها العسكرية في العراق.

وبحسب اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق والولايات المتحدة عام 2008، تعتبر القوات الأمريكية أن ما تقوم به يندرج ضمن حق الدفاع عن النفس ولا يُعدّ خرقًا للسيادة. وقد وضعت هذه المعطيات الحكومة العراقية، وكذلك قوى الإطار التنسيقي، في وضع لا تُحسد عليه.

في التحليل النهائي، يعيش المجتمع العراقي بين خطر الانزلاق إلى حرب أهلية والفوضى الأمنية، وحالة من عدم اليقين السياسي. وعلى الصعيد الاقتصادي، تدفع الطبقة العاملة والجماهير المحرومة ثمن هذه الحرب والفوضى من معيشتها، نتيجة ارتفاع أسعار السلع، وتصاعد القلق من تهديد دفع الرواتب والمعاشات، بسبب عبث الميليشيات في استهداف الشركات النفطية وإغلاق مضيق هرمز، ما حدّ من تصدير النفط العراقي، الذي يعتمد عليه الاقتصاد بنسبة 90%.

وقد كشفت هذه الحرب عن هشاشة سلطة الأحزاب الإسلامية الشيعية، وانعزالها الاجتماعي، وفقدانها للأفق السياسي، وارتهانها لصراع الولايات المتحدة الأمريكية مع نظام الجمهورية الإسلامية في إيران. وأكثر ما يرعب هذه السلطة هو ما ينتظرها بعد انتهاء هذه الحرب، التي أجّلت تصفية الحسابات معها من قبل الاحتجاجات العمالية وسائر الفئات الاجتماعية الأخرى.